لمعرفة طهران، يمتدّ أمامكم أطول شارع مشجّر في الشرق الأوسط... عن متعة التسكّع في"ولي عصر"

الجمعة 27 ديسمبر 201905:12 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر ديسمبر 2019, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "فلنتسكّع معاً في الشّوارع".


المشي عبر الأشجار والناس والسيارات والحافلات والدراجات والمباني في شارع ولي عصر، يمنحكم فرصة مشاهدة الحياة اليومية وأيضاً فرصة التعرف على أنواع الطبقات الاجتماعية، حيث يمتدّ هذا الشارع من الشمال إلى جنوب طهران، التي تحتضن في جنوبها المناطق الفقيرة، وفي شمالها المناطق الراقية، وفي مركزها الطبقات الوسطى، ويمكن القول بأنه يختصر مدينة طهران الكبيرة في نفسه.

وشارع ولي عصر الذي يمتد على مسافة 18 كيلومتر من شمال العاصمة الإيرانية طهران إلى جنوبها، يعتبر أطول شارع مُشجّر في الشرق الأوسط، وأقدم وأهمّ الشوارع في طهران.


ينطلق هذا الشارع من ساحة سكة الحديد (ميدان راه آهن) جنوب طهران إلى ساحة تَجريش (ميدان تجريش) الواقعة في شمالها، ويحتضن خلال هذا الطريق المباني السكنية والمراكز التجارية، وغيرها.

على طرفي الشارع تقع حوالي 11 الف شجرة دلب (بالفارسية: تشِنار) تبلغ أعمارها أکثر من 90 عاماً، ويبلغ ارتفاعها ما بين 20 و 50 متراً، ما جعل الشارع مشهوراً بها.

وبسبب أهمية الشارع وقدمة أشجاره، وضعتْه إيران منذ سنوات ضمن التراث الثقافي لها. وتهتمّ بلدية طهران ومنظمات أخرى بالحفاظ على هذه الأشجار. وتحاول بلدية طهران من أجل تسجيل هذا الشارع ضمن التراث الثقافي العالمي.

ويقال بأن عدد أشجار ولي عصر كان في البداية أكثر من 18 ألف شجرة، ولكن لم يبق منها اليوم 8 آلاف فقط، ورغم ذلك ما زالت تعتبر أشجار ولي عصر القديمة "هوية" هذا الشارع.

تاريخ الشارع

في عام 1921 قرّر شاه إيران، رضا بهلوي، (والد محمد رضا، شاه إيران قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 1979) أن ينشئ طريقاً يربط قصره الصيفي الواقع في جنوب طهران (قصر مَرمر) بقصره الشتوي في شمال المدينة (قصر سعد آباد)، فتمّ اختيار المهندس فردوسي، أحد المهندسين في بلدية طهران لهذه المهمة، وتمّ إنشاء شارع وليعصر على يديه.

في عام 1928 تمّ إحداث رصيف في الشارع من قبل بلدية طهران. وبعد عامين أصدر المجلس الوطني قانونًا لبناء شوارع طهران وتوسيعها، واتُّخذت خطوات لتوسيع الشارع، وعام 1931 قبل وصول الملك فيصل السعودي لأول مرة إلى طهران تمّ رصف الشارع بالإسفلت.

وجرى زرع أشجار شارع ولي عصر إلى جانب الأنهار الجارية من بدايته إلى نهايته، على يد "كريم ساعي"، مهندس الغابات الإيراني الشهير في عام 1932.

ثمّ تطوّر الشارع كثيراً في سنواته القادمة، وفي عام 1977 أصبح على شكله الحالي.


كان اسم الشارع في البداية "سكة بهلوي"، ثمّ أطلق عليه "شارع بهلوي"، وبقى على هذا الاسم حتى قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. بعد ذلك أُطلق عليه اسم "شارع محمّد مصدق" (رئيس الوزراء الإيراني الذي أمم النفط في إيران) حتى عامين بعد انتصار الثورة الإسلامية، ثم تغيّر اسمه إلى "شارع ولي عصر"، وهو لقب يطلقه الشيعة على إمامهم الثاني عشر المنتظَر إلى جانب "صاحب الزمان" وإمام الزمان" .

يقول الكاتب الإيراني عبدالله مستوفي، في ذكرياته عن كيفية بناء الشارع: "في أحد الأيام، قرّر رضا شاه، الذي كان يفكر مثل جميع الملوك الآخرين براحته بدلاً من راحة الناس، بناءَ شارع يربط قصره الصيفي في شمال طهران بقصره الشتوي في جنوبها، وهكذا تمَ إنشاء شارع ولي عصر".


وكان الشارع في البداية يختص بالأمراء والمسؤولين العسكريين والسياسيين، ولكن بعد سنوات حصل الشعب على السماح باستخدام الشارع.

ماذا نجد في شارع ولي عصر؟

تقع العديد من مراكز التسوق الكبيرة والمتنزهات العامة والمطاعم الشهيرة والقصور التاريخية والمتاحف والمراكز الثقافية والمباني الحكومية والمكاتب الدولية والسفارات والفنادق على طرفي شارع ولي عصر من بدايته حتى نهايته. وتمرّ الخطوط الأسياسية لقطار الأنفاق في طهران من تحت هذا الشارع، كما أن هناك خطّ للحافلات يبدأ من بداية الشارع وينتهي بنهايته، ويشمل كثيراً من المحطات.

في شمال الشارع، هناك سوق "تَجریش" الکبیر الشهير باحتوائه كلّ شيء من المواد الغذائية حتى الأقمشة والصناعات اليدوية الإيرانية، وإن تابعتم طريقكم جنوبًا، فستمرون من أمام متحف السينما وحديقة "فردوس" الفنية، ثمّ وأنتم سائرون نزولاً يواجهكم مجمّع الإذاعة والتلفزيون الواقع بجوار حديقة "ملّت" الشاسعة.

شارع ولي عصر الذي يمتد على مسافة 18 كيلومتر من شمال العاصمة الإيرانية طهران إلى جنوبها، يعتبر أطول شارع مُشجّر في الشرق الأوسط، وأقدم وأهمّ الشوارع في طهران

وإذا استمررتم بالسير ستصلون إلى ساحة "وَنَك" الشهيرة والتي تحيط بها كثير من المراكز التجارية. وفي وسطه تقع ساحة "ولي عصر"، أهمّ ساحة في طهران، وبُعيد منها يقع مبنى "مسرح المدينة" (مركز مسرح إيران)، وفي نهاية الطريق ستصلون إلى محطة قطار طهران. وعلى جانبيْ طريقكم تشاهدون العديد من المتاحف والشوارع القديمة التي تخلق لكم ذكريات إيرانية جميلة مفعمة بالأشجار الباسقة والمحالّ المتنوعة والمارّة المسرعين، وإن وقفتم في أي نقطة منه ونظرتم باتّجاه الشمال فسترون الجبل الكبير الواقع شمال طهران؛ هذا إن حالفكم الحظُّ ولم يكن الجوّ ملوّثاً في المدينة.

شارع ولي عصر اليوم

من مشاكل شارع وليعصر الحالية هو الاختفاء التدريجي لأشجاره القديمة والهندسة المعمارية غير المتجانسة حول الشارع، والزحمة الشديدة للسيارات والحافلات والمراكز التجارية التي لا تتناسب مع جوّ هذا الشارع التاريخي العريق.

على جانبيْ طريقكم في الشارع تشاهدون العديد من المتاحف والشوارع القديمة التي تخلق لكم ذكريات إيرانية جميلة، وإن وقفتم في أي نقطة منه ونظرتم باتّجاه الشمال فسترون الجبل الكبير الواقع شمال طهران

وفقًا لخبراء البيئة في إيران، تقع كل يوم طبقة من الأوساخ والتلوّث على أشجار شارع ولي عصر، مما يقلل من متوسط ​​العمر المتوقع لها (400 عاما) كثيراً.

ومن العوامل الأخرى التي يمكن أن تلحق الضرر بأشجار شارع ولي عصر والتي تهدد تغيير هوية الشارع، هي الصيانة غير الكافية، وعدم وجود الماء الكافي لها، ونفوذ مواد البناء إلى الأشجار، فضلاً عن التجفيف المتعمد للأشجار او قطعها من قبل صاحبي المراكز التجارية.

ولكن على الرغم من كلّ المشاكل التي يعاني منها شارع ولي عصر، ورغم التناقضات الغريبة، يبقى هذا الشارع صورة مصغّرة للحياة الاجتماعية في طهران، ومزيجاً من الثقافة الإيرانية التقليدية والحديثة، والتاريخ الماضي والمعاصر، والذكريات البعيدة والقريبة. وإن سألتم أي شخص مقيم في طهران أو زائر لها عن التسكّع في شارع ولي عصر، فسيردّ عليكم: يا لتلك المتعة!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard