شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!

"أغنية أخرجتني من بئر المخدرات والجرائم"... نجوم الراب العربي الأهوازي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

"سبع سنوات من الإدمان والجرائم والاعتقال، أنهيتها بعد سماع أغنية راب، إذ قررتُ الذهاب إلى مركز إعادة التأهيل، حتى أنقذت نفسي من المخدرات وعدت إلى حياتي الطبيعية"؛ هكذا استخلص لنا علي، ذو الـ25 سنةً، قصة تأثره بإحدى أغاني الراب العربية التي استطاعت أن تعبّر عن قضيته وتلامس مشكلاته الحقيقية وتزرع فيه الأمل للتغيير. ونال علي حياة جديدة بعد سماع أغنية "يُما سامحيني"، للرابر الأهوازي "الفتى العربي".


تقع الأهواز في جنوب غرب إيران، وغالبية سكانها عرب تعود جذورهم هناك إلى نحو 2800 عام، حينما كان الحُكم بيد "بيت هوزايي"، إحدى الدول الآرامية العربية، حسب ما جاء في كتاب "مملكة ميسان والأهواز أم الأحواز"، للمؤرخ عبد النبي القيم.

 ثمة رابرز أهوازيون ينتجون أغنيات باللغة الفارسية كي ينقلوا معاناة شعبهم باللغة الرسمية الإيرانية، ويرفعوا صوتهم في عموم البلاد، وهناك من يغنّي بالعربية لمجتمعه ويتطلع إلى كسب قاعدة جماهيرية في العالم العربي 

بدأت موسيقى الراب حديثاً تحتل لنفسها مساحةً وتكتسب جمهوراً من جيل زد في الأهواز. ثمة رابرز أهوازيون ينتجون أغنيات باللغة الفارسية كي ينقلوا معاناة شعبهم باللغة الرسمية الإيرانية، ويرفعوا صوتهم في عموم البلاد، وهناك من يغنّي بالعربية لمجتمعه ويتطلع إلى كسب قاعدة جماهيرية في العالم العربي، ونتطرق في هذه المادة إلى فن الراب العربي الأهوازي.

راب حول البيئة والنفسيات

يعدّ عمار واسمه الفني "الفتى العربي" (من مواليد 1993)، من مؤسسي الراب العربي في الأهواز. وُلد في عائلة مثقفة وقدّم أولى أغنياته حينما كان عمره 14 عاماً.

منذ 2008 وحتى الآن، أنتج نحو 40 أغنيةً تحدّث فيها عن الوضع الاجتماعي والنفسي والبيئي في موطنه والمشاكل التي تتعلق بهذه الأمور، ومنها: الجفاف وأزمة المياه والزراعة والبطالة والانتحار والاكتئاب والاستياء من صعوبات الحياة، لكنه لم ينسَ أن يزرع الأمل في قلوب متابعيه الذين يتوقون إلى سماع أغانيه، فسجّل أغنيات تتحدث عن حب الوطن، ومنها أغنية "هذه ديرتنا" التي مزجها مع أشهر أغنية تراثية أهوازية؛ "الله يا ديرة هلي".


يرتدي جمهور "الفتى العربي" قمصان (تي شيرت) تحمل صوره، فقد حجز لنفسه مكانةً في المجتمع بعد نجاحه في تمثيل صوتهم. المتأمل في كلمات أغنية "يُما سامحيني"، يرى مدى تطابقها مع ما يعيشه الشارع الأهوازي، وقد كتبها الفنان في أثناء فترة اعتقاله الوجيزة، وبعد مونتاج الأغنية مع صور فيلم "كفرناحوم"، أخذت صدى أكبر في الدول المجاورة.

يردد الرابر في أغنيته هذه جملاً منها: "بين كل هالكوارث يردوني أكون طبيعي، يردوني أصير مثلهم، ما يردوني أكون حقيقي... أحب روحي لأن ما تحب واقعكم القذر، وأحب روحي لأن عاشت بعزّ وهي بفقر... يا يمّا سامحيني أنا ما صرت مثل ما تريدون، يا يمّا سامحيني إذا ابنك كل فترة مسجون".

الرابر الأهوازي "الفتى العربي"

"طموحي اليوم تركز على كسب متابعين من العالم العربي، فالأغاني المقبلة ستتطرق إلى مواضيع مشتركة لدى الجيل الجديد من العرب في كل مكان، وهذا بعدما نجحتُ في كسب الأصوات الأهوازية"؛ يقول عمار لرصيف22.

وبرغم أنه لم ينسَ نقد بعض ظواهر الشارع في أغانيه، أضاف: "المقطوعات المقبلة سوف تأخذ لوناً أهوازياً بامتياز، حيث سأستعمل فيها آلة العود والكاسورة، أو أمزج فيها أصواتاً غنائيةً أهوازيةً".

من موزّع موسيقي إلى مغنّي راب

الرابر حسين، واسمه الفنّي "استعداد" (مواليد 1994)، كان موزّعاً موسيقياً، لكن خلوّ ساحة فن الراب من الفنانين جعله يغامر في دخولها عام 2013، ونجح في كسب المتابعين.

تتناول أغانيه غالباً قضيةً شائكةً في المجتمع وفقاً لطبيعة فن الراب، وفي أغنية "ما ضل أمل"، تطرق باللهجة المحكية إلى القضايا الاجتماعية كالعنصرية والعدالة والبطالة والهوية والرشوة والاضطهاد والفقر والاعتقالات ولا مبالاة الدولة تجاه الشباب.

رسم الفنان صورةً من واقع مجتمعه الذي تسبب في فقدان الأمل، ويَعِدُ بأنه سيستمر في المطالبة بحقوق المواطنة برغم الأمل الضئيل.


"عند الناس ما يبقى أمل إذا ماكو عدالة، إذا كل مسؤول حرامي ما يصدر قرار اعتقاله وعزله، وإذا أهل الشهادات العليا على أرصفة البطالة يشربون قرشة (نارجيلة)... يا جناب القاضي اسمح لي أخالف القواعد النحوية للّغة العربية وأنصب الفاعل مكان المفعول بجملة هدفها تطالبكم بتغييرات أساسية مثل استرجاع الأسماء التاريخية للمدن واعتقال الضماير المستترة وراء كل هذا الظلم ووراء كل هاي الأفعال الدنية"؛ يقول في أغنية له.

يعمل الرابر مُسعفاً بعدما أكمل دراسته الجامعية في جامعة الأهواز، وهو شغوف بقراءة كتب التاريخ، ويُعدّ من الناشطين في المجتمع وله محاولات إبداعية في استخدام الشعر الشعبي ككلمات لمقطوعاته القادمة، وكذلك غناء الراب مبنياً على رقصة الدبكة، سعياً إلى خلق "الراب الأهوازي".

يتأثر الفنانون الأهوازيون بموسيقى الراب العربية والفارسية معاً، فإتقانهم اللغتَين يجعلهم عرضةً لسماع الأغاني التي تنتَج في إيران والدول العربية كذلك، وعن كيفية تعلمهم فن الراب قال لنا الرابر "استعداد": "لدينا اجتماعات موسمية، يؤدي فيها الرابرز كلماتهم كي يتعلموا الطريقة الصحيحة في الأداء من خلال التمارين ونقل الخبرات والتجارب".

وعن أهدافه المستقبلية، أضاف الفنان في حديثه إلى رصيف22: "لدي ألبومان غنائيان أعمل عليهما، الأول اسمه 'منسي'، ويحاكي الأهوازيين والهدف منه الوصول إلى أكبر عدد من المجتمع، والثاني هو محاولة لدخول العالم العربي".

من استهزاء المجتمع إلى إقباله

الفنان الآخر الذي حصد متابعات كثيرةً في الآونة الأخيرة، هو حيدر (مواليد 2002)، ويعمل عاملاً في مصنع، لكن شغفه بالراب ونيله دعم أسرته، خاصةً خاله، في بداية مشواره، حينما كان في الـ14 من عمره، جعله يباشر هذا الشغف.

"كانت نظرة الشارع سيئةً في البداية وكانوا يسخرون منا، أما الآن فهناك إقبال كبير من المراهقين والشباب على موسيقى الراب"، يقول حيدر.

الرابر الأهوازي "استعداد"

ينشر هذا الرابر أغانيه العربية مرفقةً بترجمة فارسية، ويطمح إلى تسجيل أغنيات مع فنانين عالميين سواء من العالم العربي أو غيره، لعولمة الراب الأهوازي وتحكيم جذوره.

يطرح حيدر مواضيع عدّة في أغانيه، ومنها أغنية "صيح أي مكان"، وإليكم مقتطفات من كلماتها باللهجة المحكية: "قصتنا تختلف هل المرة، كل شي دار، شارع ناس فكرة، واختارت هي الابتكار، ما يهمنا أي صعوبة حتى لو شمسنا نار... آنا وانت إيد وحدة خلنا نزرع المحبة، ونطي زهرة لليعادي بدل ما نشعل النار، عمي هالزمن تغير، يلّا ذبوا البندقية، هسه الأخلاق المهمة وتأخذ هي الأولوية".


حتى الآن لا يوجد صوت نسائي في الراب الأهوازي، لكن كل المؤشرات تدلّ على قرب ظهور أصواتهن في المستقبل القريب، لمتابعتهنّ الكثيفة للراب، حسب ما أكد لنا مغنّي الراب إذ تصلهم طلبات كثيرة منهن لدخول هذا المجال.

ترى الفنانة والباحثة فاطمة تميمي أن الراب يعبّر عن الواقع الأهوازي، وتشرح لرصيف22: "تبنّت أغنية الراب قضايا مهمةً وأصبحت تحتوي على نقد لاذع وتمرد جريء ضد الظلم والحرمان، فبدأ المجتمع الأهوازي يتعاطف معها ويشجعها".

حواجز الراب

تتسع رقعة القاعدة الجماهيرية لأغنية الراب لتضم فئة الشباب والمراهقين، وحتى طلاب المدارس الابتدائية، لما لها من أسلوب حديث بسيط وكلمات سهلة وجريئة، ولالتزامها بمعالجة قضايا مختلفة.

يقيّم الباحث الموسيقي محمود مشهودي، الأعمال المنشورة من الراب الأهوازي العربي حتى الآن، بقوله إنها جيدة وملتزمة ولكنها ما زالت في أول الطريق، وتحتاج إلى الكثير من المقومات كي تدخل العالم العربي.

ثمة حواجز تعرقل سرعة المهنية الفنية في الأهواز، وفي الموسيقى على وجه التحديد عدّ لنا الأكاديمي مشهودي بعضاً منها: ضعف المعاهد التعليمية، وقلة الاستديوهات المحترفة، والمجتمع المحافظ والنظام السياسي المحافظ، والفقر الذي يقوّض قدرة الفنانين على تسجيل أغانٍ محترفة ومصورة، وعدم دعم الفن من قبل القطاع الخاص، وحجب شبكات التواصل ومنها "يوتيوب" و"ساوند كلاود" و"أنغامي" من قبل الحكومة، وتقييد دخول الإيرانيين إلى المنصات والمواقع من قبل الشركات الدولية بسبب العقوبات الأمريكية.

تتسع رقعة القاعدة الجماهيرية لأغنية الراب لتضم فئة الشباب والمراهقين، وحتى طلاب المدارس الابتدائية، لما لها من أسلوب حديث بسيط وكلمات سهلة وجريئة، ولالتزامها بمعالجة قضايا مختلفة

لم تكن التحديات قليلةً، لكن المستقبل واعد بظهور مواهب تغذّي احتياجات الشارع وتتصدر أغنية الراب المشهد الموسيقي في الأهواز، كنمط جديد يؤكد فنانوه ومستمعوه أنه مرآة عاكسة لواقع مجتمعهم. ويسجّل العشرات من مؤدي الراب المراهقين، أعمالهم عبر هواتفهم النقّالة وفي الشوارع وفي جلساتهم الموسمية كي ينشروها على حساباتهم في إنستغرام.

بالعودة إلى علي، الذي مرّ على إنقاذه من المخدرات وارتكاب الجرائم نحو عامين وشهرين، ما زال الراب هو أفضل ألوانه الغنائية، إذ وجد فيه ضالّته. ويعمل علي في مهنة الطلاء (الدهان)، وإيمانه راسخ بعدم عودته إلى المستنقع الذي نجا منه بأغنية، إلا أن المجتمع ما زال يتعامل معه بحذر، لذا تم رفض الزواج منه من قبل فتيات، ليؤكد لنا: "من حق أي أسرة ألّا تثق بي لتؤمّنني على ابنتها، ولكنني عاهدت نفسي على استكمال طريقي بهدوء دون أن أفقد أملي في الحياة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard