"أنا طلبٌ في طلبٍ، أنت طربٌ في طربٍ"... عرب يغنون بالفارسية في إيران

الأربعاء 27 أبريل 202202:05 م

اللغة الفارسية في إيران، البلد المكون من الأتراك والأكراد والعرب ‏والبلوش إلى جانب الفرس، هي اللغة الرسمية للبلاد وقد ساهم كثير من ‏نخب القوميات الإيرانية في إثراء اللغة الفارسية أدباً وفناً وثقافة‎، ولا تستثنى الموسيقى في هذا المجال، فعلى وقع أنغام الموسيقى الفارسية، أسهم فنانون من أصول عربية في ‏إثراء الوسط الفني الغنائي حتى تمكنوا من تكوين جمهور خاص ‏بهم يحضر حفلاتهم وينشر أغانيهم على مواقع التواصل الاجتماعي ويتحمس للدفاع عنهم وينتظر ‏جديدهم بلهفة‎.‎

في هذا المقال نتطرق إلى المسيرة الفنية لأربعة من هؤلاء المطربين/ات ‏الشباب الذين سطع دورهم خلال السنوات الأخيرة في الأغنية الفارسية ‏رغم أنها ليست لغة الأم بالنسبة لهم، ويشترك هؤلاء النجوم بانتمائهم إلى ‏الأهواز، الإقليم العربي الواقع في جنوب غربي إيران، والتفاخر بهويتهم ‏العربية.‏

مهدي يرّاحي عازف وملحن ومغنّ‎ ‎

في عائلة مثقفة ولد مهدي يرّاحي في الأهواز عام 1981، وفي بداية ‏شبابه هاجر إلى العاصمة طهران لممارسة هواياته باحتراف، فأتقن ‏العزف على القيثارة والبيانو، وتعلم التلحين حتى لحن لبعض من الفنانيين ‏الإيرانيين، ومن ثم دخل عالم الغناء عبر التلفزيون الإيراني‎.‎‏ خلال ‏مسيرته الفنية التي لا تتجاوز عقدين من الزمن، بات يرّاحي من أبرز ‏مغني البوب في إيران، وأقام حفلات في معظم المدن الإيرانية خلال السنوات ‏الأخيرة‎.‎

 براعته في التلحين والعزف جعلت منه فناناً قادراً على ‏خلق أعمال فنية تنافس أبرز المطربين الفرس في إيران حيث استلم ‏يرّاحي جائزة "باربُد" عام 2018 كأفضل مغني بوب إيراني في مهرجان ‏فجر بطهران، وقد استمع الملايين إلى أغانيه عبر المنصات الرقمية‎.‎

أعادت مينا دريس أداء أغانٍ من التراث العربي والفارسي ولاقت ‏استحسان جمهورها

لقصائد الشاعرات الإيرانيات حضور لافت في أغاني يرّاحي، ‏صاحب الصوت الجميل الذي يغني بالفارسية بحنجرة عربية، مما ‏جعلته يتميز عن الآخرين بعذوبة صوته الشجي.


وإلى جانب الغناء الإيراني، يعني مهدي بالعربية أيضاً وسبق وأعلن ‏عن إصدار ألبومه العربي الأول، لكن منعه من الغناء وأي نشاط آخر ‏في البلاد منذ عام 2020 حال دون تقديمه هذا الألبوم‎.‎‏ وتمنع السلطات ‏الإيرانية يرّاحي من مزاولة أي عمل فني داخل البلاد بسبب مواقفه ‏السياسية والاجتماعية وتوجيه النقد للسلطات عبر أغانيه التي أخذت ‏طابعاً اجتماعياً خلال العقد الأخير، كما أن نشاطه في الدفاع عن حقوق ‏الشعب والناشطين الذين يتعرضون للمضايقات الحكومية، عززت منعه من القيام بأي نشاط فني واجتماعي.‏

مينا دْرِيس... فيروز إيران

في مدينة عبادان إحدى مدن الأهواز (محافظة خوزستان)، ولدت مينا دريس عام 1983. ‏كانت بدايتها الفنية في المدرسة، حيث حازت على المرتبة الأولى على صعيد ‏إيران في مسابقة الفرق الإنشادية للطالبات‎.‎‏ وخلال أيام الجامعة شاركت ‏مينا في صفوف تدريب الغناء في المعاهد الأهلية بطهران وشجعها ‏المدرسون على الغناء بالعربية. وبعد الطرب بلغة الأم ها هي تغني اليوم ‏بالفارسية والكردية والتركية‎.‎

صوتها مكتمل القوة والمرونة، فتنتقل بين المقامات بحرفية، كما ‏أنه يصنف كصوت نسائي غليظ (ألترو أو الألتو)، وهي تغني على ‏طريقة غناء أم كلثوم وفيروز؛ هكذا يفسر الباحث الموسيقي محمود ‏المشهودي، المساحة الصوتية للفنانة مينا دريس وطريقتها في الأداء على ‏المسرح الذي يشد انتباه الجمهور لحلاوته.‏

وبما أن السلطات الإيرانية لا تسمح للنساء بالغناء إلا في الحفلات ‏النسائية أو الغناء برفقة صوت رجالي، فغنت مينا مع مطربين آخرين في جميع حفلاتها العامة ضمن فرق غنائية ‏كلاسيكية، کما أعادت أداء أغانٍ من التراث العربي والفارسي ولاقت ‏استحسان جمهورها.‏


مينا التي تعتبر من المطربات البارزات في الوسط الفني الإيراني، غنت في حفلات في كل من ‏إيطاليا وألمانيا وفرنسا وقطر، وتعد هذه البلدان محطاتها الدولية للغناء وإبراز موهبتها في ‏الطرب بأكثر من لغة في المهرجانات الغنائية هناك وبرفقة الفرق الإيرانية‎.‎

وإلى جانب الغناء، رافقت مينا نجمّات السينما الإيرانية في التمثيل ‏بمسرحية تعكس مشاكل النساء المدمنات، وقد نالت إعجاب الفنانين ل‏قدراتها في التمثيل. ومازالت مستمرة في إبراز مواهبها عبر تمكنها من ‏الغناء باللهجات المختلفة والمنوعة للقوميات والمدن المتعددة وحتى دون ‏رفقة الآلات الموسيقية، فقدرتها على الغناء لاقت ترحيباً واسعاً من ‏الأساتذة والموسيقيين في البلاد. ‏

مهدي صاكي... الممثل والمطرب والشاعر

ولد مهدي عام 1974 في الأهواز، مثّل في عدة أفلام ومسرحيات، وإلى ‏جانب موهبة التمثيل فقد مارس الغناء على طريقة "موسیقی الفیوجن" ‏ضمن فرقته الغنائية (كَمَاكان). يغني مهدي ‏بأسلوبه الجميل باللغتين العربية والفارسية أغانيَ فولكلورية إلى جانب قصائد عدة لجلال الدين الرومي، كما يعمل في معظم أغانيه على مزج الأغاني العربية ‏والفارسية بتوزيع جديد وآلات موسيقية غربية.

ما يميز أسلوب مهدي أن مشاعره ‏وأحاسيسه في الأداء تجعل السامعين يتعايشون مع أغانيه التراثية. ‏ومن أجمل أغانيه القصيدة التي غناها لجلال الدين الرومي بأسلوبه الخاص المفعم بالحيوية والأحاسيس: "أنا طلبٌ في طلب، أنت طرب في طرب/طربك علق بطلبي فانقلبت رأساً على عقب".



في فناء مقهى شعبي بالعاصمة طهران يقيم مهدي صاكي ‏حفلاته الموسيقية ضمن فرقته (كماكان) لجمهوره، وقلما يغني على ‏المسارح الشهيرة وحتى عند ما يقرر الطرب لجمهوره في أنحاء البلاد، ‏يفضل أن يجري حفلاته بالمقاهي التقليدية كما فعل في مدينة بوشِهْر ‏خلال الشهر الماضي وتضامناً مع عيد نوروز في إيران، وهذا الاختيار يتناسب تماماً مع نمط الأغان التي ‏يؤديها. وكان معرض إكسبو دبي 2020 آخر منصة دولية غنا عليها ‏صاكي وفرقته بعد مهرجان برلين.‏

"ترعرعتُ في بيت عربي في الأهواز وكبرت في مجتمع فارسي ‏حيث درست، لذا تغذيت من الثقافتين، وأصبح حبي للشعر ‏والموسيقى الفارسية والعربية متلازماً"... المطرب العربي الإيراني مهدي صاكي

وعن أسباب الغناء باللغتين الفارسية والعربية، تحدث مهدي لنا ‏قائلاً: "ترعرعت في بيت عربي في الأهواز وكبرت في مجتمع فارسي ‏حيث درست، لذا تغذيت من الثقافتين، وأصبح حبي للشعر ‏والموسيقى الفارسية والعربية متلازماً، كما أن الموسيقى هي لغة بلا ‏حدود".‏


يبدو أن التمثيل والطرب لا يكفيان لإظهار كل ما يهواه مهدي صاكي ‏ويمارسه، فقد نشر ديوانه الشعري تحت عنوان محبوبتي (محبوبه من) ‏بالفارسية قبل أعوام. وموهبته في العشر جعلته متمكناً من دمج الشعر ‏العربي المأخوذ من الفلکلور الأهوازي والشعر الفارسي في أغانيه.‏

أحلام... من لاعبة محترفة إلى مغنية بوب ‏

من أب عربي وأم فارسية، ولدت أحلام إسماعيلي في مدينة إصفهان عام ‏‏1991. وبعد أن مارست كرة القدم باحتراف في الدوري الممتاز ‏الإيراني للنساء، تركت هذه الرياضة بسبب المضايقات والإهمال للرياضة النسائية ، وتوتجهت إلى دبي للإقامة والغناء بتشجيع من شقيقها بنيامين ‏وهو بدوره مغنّ غير شهير في إيران، وفق ما نشرته وسائل إعلام ‏محلية. ‏

أصبحت أحلام مغنية بوب بالفارسية والعربية، بصوت ليس محترفاً، ‏حيث تعتمد المطربة على إحساسها وأداء الرقص وإطلالاتها في الأغاني ‏المصورة (فيديو كليب)، حسب الباحث الموسيقي محمود المشهودي.‏


ولأحلام حفلات غنائية في دول عدة أهمها أمريكا وبريطانيا حيث الغناء ‏للجاليات الإيرانية المقيمة هناك أمر رائج، إضافة إلى حفلاتها في دبي وحضورها ‏المستمر في القنوات الفارسية التي تبث من أوروبا، كما أنها ممنوعة ‏من الغناء في مسقط رأسها.‏

ورغم تواضع صوتها، وعدم تقديمها شيئاً مختلفاً فنياً عن البقية حتى الآن، إلا ‏أن أغانيها المصورة حصدت ملايين المشاهدات على اليوتيوب، ووصل عدد ‏متابعيها على إنستغرام إلى مليوني متابع، ذلك أنها تعمل کعارضة أزياء ‏لماركات دولية. ‏ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard