كيف ننتشي بحواسّنا الخمس؟ (1. السّمع)... عشر أغانٍ لنشوةٍ بلا خمر

الاثنين 28 ديسمبر 202006:18 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ "کیف ننتشي بحواسّنا الخمس؟"، باقة صغيرة من البهجة لشهر يناير، من قبل رصيف22، بمناسبة العيد وحلول عام 2021. يتعلق كلّ مقال بإحدى الحواسّ الخمس، وما يجعلها تنتشي، رغم المتاعب التي تلاحقنا هذه الأيام، رغم البرد، ورغم البُعد عن الأحبة والحجر والحنين. إنها خمس شعلات تمرّ عبر أجسامنا لتدفّئ أرواحنا. كلّ عام وأنتم بخير.


قد يذهب كلٌّ منا نحو جهة محددة مرتبطة بالجمال والمتعة الحسّية والروحية إن شئنا الحصول على "النشوة". و"النشوة" هنا هي ما تعرّفها المعاجم العربية بمعناها القابل للمس والشعور: "أوّل السُّكر". ذلك الشعور الذي أشاد به الشعراء طوال العصور، وطلبوا دوامه. لأول السّكر نحتاج إلى خمرٍ طبعاً، ولكن نريد هنا أن نبلغها دون خمر.

لعلّنا جميعاً تذوّقنا في كثير من الأحيان طعم "نشوةٍ" غير كحولية دون أن ننتبه إلى سببها؛ بعد منظر طبيعي ساحر، أو قراءة أبيات أو سطوراً بالغة الجمال في اللغة والتعابير والأوصاف؛ أو الاستماع إلى أغنية. نعم، الأغاني التي نسمعها حين نبحث عن ذلك الشعور، إرادياً، وأحياناً على سبيل الصدفة. لبداية هذا الملفّ ندعو أنفسنا إلى مهرجانٍ صغير من الأغاني الإيرانية والفارسية المقترحة للاستماع، والتي دخلت جزيرة الشغف في روحي خلال فترات طويلة أو قصيرة، وسكنت هناك؛ تطلّ على أيامي ولياليّ، وبعدها أول شعور مُدرَك يكون: "النشوة". عربية وفارسية لأنهما لغتا الرّوح والقلب بالنسبة لي، ولكثير منّا، واللغتان اللتان تسوقاننا إلى الارتماء بين أحضانهما لفرط قربهما إلينا، ونسيجهما الذي اشتبكنا بين خيوطه ثقافياً وجغرافياً واجتماعياً.

الأغاني الواهبةُ النشوةَ هي أكثر مما يلي، ولكن، من باب الاختصار فقط، هنا عشر منها. عشر أغانٍ ربما تكون غريبة وغير مألوفة، غالبيتها غنّيت خلال العقدين الأخيرين، ولم يغنّها مطربونا الأشهر -في العالم العربي- والذين نعرفهم جميعنا ونعظّم مقامهم حين يأتي ذكر الأغاني والأصوات، إلا أنها "تترك العرفاءَ في الشُّرب المدام" كما يقول حافظ الشيرازي:

1. "يا حبيبي"، للمطربة الموريتانية، معلومة بنت الميداح. هذه المطربة الجميلة يقال عنها إنها نقلت الفنّ الموريتاني إلى العالمية. لا أتذكر أنني استمعتُ إلى هذه الأغنية مرةً في غير خلوتي، ولم يبدِ الحاضرون إعجابهم بها.



2. "زُلف بَر باد مَده" (لا تنثري شَعرَكِ في الرّيح)، للمطرب الإيراني المقيم في الولايات المتحدة، مُحسن نامجو. تميّز نامْجو بأسلوبه الخاص في الغناء، معتمداً على الروح الإيرانية في الألحان والغناء، والإبداع فيهما وتقديمهما بشكل مختلف وجديد، ما جعله ظاهرة ذات شعبية واسعة في إيران منذ العقد الأول، وفي خارج إيران. القصيدة المغناة لحافظ الشيرازي، تبدأ بـ: "لا تنثري شَعرَكِ في الرّيح كي لا أذهب هباءً فيها / لا تضعي أساسَ الدَّلال لئلا يُقتلع أساسي".



3. "أنا في الحبّ"، ويغنيها المطرب الجزائري، ليلي بونيش. ولد في حي القصبة بالجزائر العاصمة عام 1921، واسمه الحقيقي "إيلي بونيش". أصبح أحد رموز ما يسمى بأغنية "الفرانكو أراب"، وهو النوع الغنائي الذي اقترن باسمه منذ خمسينيات القرن الماضي. وقد أخبرني صديق موسيقي أن أصل الألحان يعود إلى أمريكا اللاتينية.


لعلّنا جميعاً تذوّقنا في كثير من الأحيان طعم "نشوةٍ" غير كحولية دون أن ننتبه إلى سببها؛ بعد منظر طبيعي ساحر، أو قراءة أبيات أو سطوراً بالغة الجمال في اللغة والتعابير والأوصاف؛ أو الاستماع إلى أغنية. نعم، الأغاني التي نسمعها حين نبحث عن ذلك الشعور

4. "شُعلِه وَر" (المشتعل)؛ أصلُ الأغنية مقطع طويل للمطرب الباكستاني وملك موسيقى "القوّالي"، نُصرت فاتح علي خان. يغنّيها هنا المطرب الإيراني، هُمايون شَجَريان، بتوزيع جديد ويمتزج بصوته شدوُ فاتح علي خان المفعم بالتلهّف واللوعات. القصيدة المغناة منسوبة إلى جلال الدين الرّومي، مطلعها: "أنا لا أطوف عبثاً حول الأزقة والأسواق / يمتلكني الحبُّ فأبحث عن الوصال"، ثمّ: "أشربُ نبيذَ الشّوق، وأطوف حول الحبيب / أتحدث كالسّكارى وأجول صاحياً".



5. "شوفي"، لمهدي ساكي، وهو المطرب والممثل العربي الإيراني من مواليد الأهواز. الأغنية من التراث الأهوازي، ويتميّز بغنائها بأسلوبه الجميل، وتوزيع جديد. يغني مهدي ساكي بالفارسية والعربية، من قصائد لجلال الدين الرومي إلى بعض التراث العربي.


6. "قراءة الخيام"، حفلة يتجاور فيها صوت المطربة التونسية، درصاف الحمداني، والمطرب الإيراني، علي رضا قرباني. يمكن الاستماع إلى هذه الحفلة كاملة أو إلى جزءٍ منها في أي وقت لكي نسلّم أمام الحياة والشغف بها. الكلمات جميعها لعمر الخيام، فارسية وبترجمتها العربية.


عشر أغانٍ ربما تكون غريبة وغير مألوفة، غالبيتها غنّيت خلال العقدين الأخيرين، ولم يغنّها مطربونا الأشهر الذين نعرفهم جميعنا ونعظّم مقامهم حين يأتي ذكر الأغاني والأصوات، إلا أنها "تترك العرفاءَ في الشُّرب المدام" كما يقول حافظ الشيرازي

7. "يا سيدي"، للفرقة الفرنسية، أورنج بلوسوم (Orange Blossom)، وتغنيها بصوتها العذب، المطربة المصرية المصاحبة لهذه الفرقة، هند الراوي، وهي من الأغاني الجميلة التي وجدتُ إعجاباً بها من قبل المستمعين إليها من مختلف الجنسيات.



8. "مَن و تو" (أنا وأنت)؛ ركّبت الفرقة الكورية الشهيرة "NU"، صوتَ المطربة والممثلة الإيرانية، غزَل شاكِري، بموسيقاها الخاصة، والقصيدة المغناة من أروع قصائد جلال الدين الرومي الذي ينشد متيماً: "طوبى لوقتٍ نجلس فيه أنا وأنت / بصورتين وسيماءين، وبروحٍ واحدة، أنا وأنت".



9. لالا باريس (La la Paris)، لفرقة "شْكون" المكونة من موسيقييْن سوريين وآخر ألماني. أغنية لأي وقت نحتاج فيه إلى بعضٍ أو مزيدٍ من المرح؛ كلمات عربية وفضاء باريس ووجْد الحاضرين.



10. "تو كه نازنده بالا دِلرُبائي" (أنتِ الممشوقة القوام الفاتنة)؛ كمِسك ختام، لابدّ من مطربي الإيراني المفضل، محمد رضا شَجَريان، أسطورة الموسيقى الإيرانية الذي رحل في شهر أكتوبر الماضي. الأغنية أتت في بداية الألبوم الموسيقي الجميل "الليل، الصمت، الصحراء"، الذي لحّنه المطرب، كَيهان كَلهُر، وصدر في تسعينيات القرن الماضي. كمنجة كلهر وصوت شجريان والكلمات الرقيقة خلقت سحراً يرفع مقام مساءاتنا.



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard