شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"يكاد يتوقف نبض قلبي من شدة التجلي"… رحالة فرنسية في صحراء سيناء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب نحن والتنوّع نحن والتاريخ

الخميس 20 يوليو 202310:17 ص

مثّلت حياة البدو في الصحراء اكتشافاً توراتياً، بالنسبة للرحالة الأوروبيين، حتى أنها في الأدب الفرنسي عُرفت باسم "الحج إلى الصحراء"، وقد قدّم المستشرقون الأوروبيون إنتاجاً أدبياً خاصاً في وصف البدوي والبادية، وكانت الرحلات التي تنطلق إلى القدس تبدأ في الغالب من مصر.

وحسب ما جاء في كتاب "عرب الصحراء" (1998)، الصادر عن دار الفكر، في دمشق، يحكي الرحالة هارولد ديكسون، وهو ضابط ودبلوماسي بريطاني شهير عاش في منطقة الخليج وجزيرة العرب أكثر من ربع قرن، وعمل معتمداً سياسياً فيها، أن رباط الدم مع القبائل البدوية يحدث عند شرب حليب امرأة في الصحراء، وبهذه الطريقة يصبح الشاب ابناً لها بالرضاعة. "إرضاع الكبير" طريقة كانت بمثابة المعين له في التعامل مع بدو الصحاري، وتمكن طوال رحلته من العيش معهم في خيام الشَّعر، واندمج في حياتهم ورحلات صيدهم وغزواتهم.

فضول المستشرقين وثقافة القبائل

أحيطت حياة البدو بفضول المستشرقين الأوروبيين الذين جابوا صحاري جزيرة العرب والعراق وبلاد الشام وسيناء، وعرفوا عاداتهم وتقاليدهم، ونفوذ شيوخ القبائل والشرف العربي وغارات القبائل ورابطة الملح و"الدخالة"، والضيافة، وتربية الصقور، وكانت الرحالة الفرنسية فاليري بواسيه، واحدةً ممن وقعوا في غرام صحراء سيناء.

توصف بواسيه الصحراءَ كما لو أنها جنة؛ الزهور منتشرة حولها في وادي أوسيت الذي استقرت فيه القافلة، والشجيرات الصفراء والنباتات الرقيقة تزهر في الرمال، العصافير حولها تغرد فوق الأغصان

بدأت بواسيه رحلتها إلى مصر مطلع عام 1848 من قلب القاهرة، ثم اجتازت صحراء سيناء متجهةً إلى القدس، وروت مشاهداتها وانطباعاتها عن البدو وتقاليدهم المتوارثة ونمط حياتهم في شبه جزيرة سيناء، في مذكراتها الخاصة التي نُشرت في نهاية العام نفسه الذي زارت فيه مصر، وأعيد نشرها مرةً أخرى عام 1850.

ملابس بدو سيناء

نهار القافلة يبدأ عند الساعة الرابعة عصراً؛ تنهض وبينما يكون المرافقون منشغلين بتناول الإفطار مع أقداح القهوة، تأخذ بواسيه توراتها وتذهب لتجلس أمام الشمس، تقرأ وتصلي في لحظة مراسمية وعذبة، ثم تكمل يومها، وكان أول ما جذب نظرها، ملابس بدو سيناء، التي ما زالوا يلبسونها حتى يومنا هذا، ولا بد منها في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الخاصة بهم، كأفراح الزفاف مثلاً والأعياد، وهي عبارة عن قميص ذي أكمام قصيرة، مشدود عند الخصر بحزام عريض مصنوع من الجلد ومطرز، ومحشور فيه خنجر، بينما شيوخ القبائل يعلّقون على أحزمتهم مسدسات، ويرتدون فوق القميص سترةً من الصوف لا تخرج عن اللونين الأسود والأبيض، ويضعون فوق رؤوسهم عمامةً من القماش لتحميهم من أشعة الشمس.

صحراء سيناء

كان يرافقها في رحلتها رجل بدوي دائماً ما كان يحمل معه بندقيةً محفوظةً بعناية داخل غمد من الجلد، لون بشرته برونزي، قريب إلى الأسود، ووجهه له هيئة نبيلة ويلبس في سبابته خاتماً من النحاس، وجميع البدو يمكن وصفهم بهذه الأوصاف.

أكواخ صغيرة متهالكة مليئة بالحب

استقرت قافلة الرحالة بواسيه، في واحة "وادي فيران" حيث رقدت ومن معها تحت أشجار النخيل التي تملأ الوادي. كان البدو هناك يعيشون داخل أكواخ صغيرة، يلتف حولها سور ضعيف تغطّيه أغصان يابسة متهالكة، وهذه المساكن مهجورة الآن، لا يذهبون إليها إلا في موسم حصاد التمور.

النساء في هذا الوادي يمتهنّ رعي الماعز ويتسللن بين الصخور خلال سيرهن خلف قطعان الماشية. شعرت بالدهشة تجاه الودّ السائد بين البدو، الذين يتجمعون لشرب الحليب في الخيم السوداء، ويجمعون في أثناء أحاديثهم الاعتيادية بين الصرامة والعذوبة. كتبت تقول عنهم: "كانوا يقدمون لنا الفاكهة ومشروب الشعير دون انتظار للبقشيش، وأنا لم أشعر بأمان مثلما شعرت به بينهم، كنت أشعر بأني محاطة بأفضل البشر".

تنظر إلى بدو سيناء بعطف وحب كبيرين، إذ يحافظون على موروثاتهم من التقاليد والأعراف الثقافية القديمة، ويعيشون في بساطة واضحة، ويتمتعون بنفوس راضية وأبية، ويقبلون العيش على حبات التمر وأقداح القهوة المرة ورغيف الخبز. سنوات طويلة مرت عليهم ولم يتغيروا؛ يحكمهم شيخ القبيلة ويفرض عليهم قوانين غير مكتوبة، وبالرغم من الفقر الشديد الذي يعيشون فيه إلا أنهم أكثر الناس كرماً وسخاءً.

صحراء سيناء

انتقلت بواسيه إلى وادي سولاف، وجلست على الرّمال تكتب، يحدّها من اليسار وادي سربال، وحولها تاج من الجبال الرمادية التي انسابت منها تلال غرانيتية. ثم انتقلت إلى وادي مغارة، الذي اكتشف فيه المصريون القدماء مناجم الفيروز والنحاس خلال عصر الأسرة الأولى. أخذت القافلة إلى وادي الراحة، الذي تحيط به قمم جبلية تعلوها أشجار الأكاسيا، ثم واحة النخيل، وهذه المناطق مدهشة إذ تمتزج رمالها بالحصى والأحجار المصقولة، بعضها حافظ على ألوانه اللامعة، وأخرى تشبه المرمر الرقاق.

أشجار التمر الهندي في سيناء

في وادي الراحة، شاهدت بواسيه، الغزلان تجتاز الوادي في طرفة عين، وتمضي وسط الجبال ناحية الشرق، ثم إلى وادي جروندال، ذهبت وشاهدت أشجار التمر الهندي تتناثر على أطراف الوادي، ووجدت بعض البدو من الأهالي يطحنون التمر ويقدمونه كطعام للإبل، وقدّموا لها حليب النوق، كمشروب الضيافة، ثم غادرت إلى حيث وادي أوسيت، تنظر إلى الأرض وهي تمضي بالقافلة، وكلما مرت من مكان كانت تجد فيه آثار الغزلان على الرّمال، وسيولاً جافةً حولها وبعض الهضاب.

صحراء سيناء

نحو 12 ساعةً من السير على الأقدام أو على ظهور الجمال، مضت الرحالة بواسيه، وقافلتها في الصحاري، حتى وصلت إلى قمة جبل سيناء، استحضرت هناك صور الرهبان، حيث دير سانت كاترين، وبدأت تتخيل تلك الأساطير حول موسى النبي، عندما جلس هناك يستأنس بالنيران، يسحرها معمار الدّير، الذي شُيّد له سور عظيم بالغرانيت، وحوله أبنية عدة تتراص فوق بعضها وتخترقها ممرات ودهاليز، ويتضح للزوّار أنها بُنيت في عصور زمنية مختلفة.

حكايات دير سانت كاترين

رافق الرحالة بواسيه زوجُها الكونت أجينور دي جاسباران، السياسي الشهير وأحد نبلاء جنوب فرنسا، خلال زيارتها للدير، وحلّا ضيفَين على الرهبان فيه، الذين سمحوا لهما بزيارة غرفة المقدسات، التي تجمع عدداً لا حصر له من الشمعدانات والأيقونات القبطية المصرية الذهبية، وفي واحة النخيل وأشجار السرو واللوز والزيتون والبرتقال المزدهرة استمعت إلى معجزات القديسة كاترين وحكايات الدّير.

سجلت بواسيه شعورها داخل الدّير بمحبة ونقلت أدق التفاصيل، حيث كتبت تقول: "كان ضوء المصباح يرتجف أمام الأيقونة القبطية، وعندما تدق النواقيس تبعث ارتجافاً داخل الصمت التام، حتى أنني فقدت وعيي بكل شيء حولي، حتى تسرب شعاع الشمس من نافذة الحجرة الخشبية، ففتحت الباب؛ شعور مفاجئ أحاطني إذ كيف تحولت كل الأشياء العجيبة التي لمحتها بالأمس إلى أشياء حقيقية للغاية، وعندما كنت أستنشق الهواء الطلق أدركت وجودي على ارتفاع شاهق جداً بالرغم من كل هذه المرتفعات التي تحيط بي كما لو كنت في قعر بئر".

لماذا لم تُذكر "عيون موسى" في سفر الخروج؟

سألت بواسيه: لماذا لم يتم ذكر "عيون موسى" في سفر الخروج؟ بعد أن اجتازت القافلة هضاباً وتلالاً رمليةً، تغطيها أشعة الشمس، وتحيط بها الأشجار، حيث المياه تنبع من برك بيضاء ترابية، لا يشرب منها أحد إلا ويشعر بالاستمتاع، وكتبت في هذه اللحظة تقول: "تحت شجيرات التمر الهندي تمددت، كانت في المقابل حديقة بدائية وقدّم لي المزارعون البصل والفجل، أكلت القافلة كلها، وجلست متكئةً على سور من أعواد الذرة، كانت العصافير تزقزق والحشرات تطن، وزوجي بجانبي يقرأ، ثم نصبنا الخيم بين النخيل، كانت تبدو كما لو كانت جنة الفردوس وسط الصحراء".

صحراء سيناء

توصف بواسيه الصحراء كما لو أنها جنة؛ الزهور منتشرة حولها في وادي أوسيت، الذي استقرت فيه القافلة، والشجيرات الصفراء والنباتات الرقيقة تزهر في الرمال، العصافير حولها تغرد فوق الأغصان، تتمدد على ظهرها فوق سطح الرمال بلا حدود كأنما تطلق العنان لروحها التي تتسع لطول الوديان، صحراء سيناء كانت خاليةً تماماً من مشكلات الحياة الاعتيادية والحياة الأبدية فيها.

عاشت بين البدو وتعرفت على سمات حياتهم وتقاليدهم وارتبطت بحياتهم، في ترحالهم وخيامهم، أكلت من طعامهم وشربت قهوتهم، تحملت العواصف الرملية ووهج الشمس الساخنة بين أودية سيناء وقمم جبالها

سلكت القافلة وادي طيبة، ثم وادي المكتب، إلى غابة سيناء، حيث أشجار النخيل في انتظارهم، وبراعم الزهور تخرج من قلب الأغصان البيضاء، كأنها شموع والمياه حولهم راكدة في تجاويف، كصفحات من الماس، لكنها لا تصلح للشرب. البدو قالوا عنها إنها مغطاة بالملح ونترات البوتاسيوم، ثم تستكمل القافلة طريقها بين الأدوية وصولاً إلى خليج العقبة، فيظهر لهم البحر فجأةً بلونه الحاد شديد الزرقة ما جعلهم يشعرون وكأنهم أمام لوحة فنية لا نهاية لها. المساء هناك هادئ للغاية، والأرض الرملية مرصعة بكتل من الغرانيت، تنطبع آثار خطوات الغزلان والضباع عليها، نباتات الوادي سحبت أنفاس الإبل وأقدامها إليها حتى هرعت الإبل الطليقة من أحمالها تقضم النباتات، ثم تخطو ذاهبةً إلى شرب المياه وتفجر موجات جماليةً على ظهر الصحراء كلما مرت عليها. هذا المشهد البسيط نظرت إليه بواسيه، بتأمل عميق وكتبت قائلةً: "رأيت لوحةً مليئةً بالعظمة والاكتمال. روحي كانت معلقةً في حبائل هذا الحب الوديع، يكاد يتوقف نبض قلبي من شدة التجلي".

وداعاً سيناء... وداعاً مصر

ودّعت بواسيه مصرَ من صحراء سيناء إلى القدس، بعد أن سمعت صدى صوتها في جوف الصحاري والوديان، وشاهدت آثار قدميها في الرمال، عاشت بين البدو وتعرفت على سمات حياتهم وتقاليدهم وارتبطت بحياتهم، في ترحالهم وخيامهم، أكلت من طعامهم وشربت قهوتهم، تحملت العواصف الرملية ووهج الشمس الساخنة بين أودية سيناء وقمم جبالها. مرت بتجربة فريدة بين الحياة والعقيدة والكون واختتمت رحلتها قائلةً: "سمت بها الروح وارتقت عالياً".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard