ليتني انحدرتُ من أصل بدوي... عن رحلة كازانتزاكيس إلى مصر

الجمعة 10 ديسمبر 202110:11 ص

كصوفي وناسك، يُكابد، وهو ملتحم بالسماء والأرض، من أجل الوصول إلى سر حميم؛ فقد جاء الروائي اليوناني الشهير نيكوس كازانتزاكيس إلى مصر، في واحدة من أهم رحلات مطلع القرن العشرين، ويوميات هذه الرحلة، هي جزء من كتاب "ترحال" أنجزه الكاتب بين عامي 1926 و1927 للجريدة اليونانية "إليغثيروس لوغوس" التي كانت قد دفعت له تكاليف السفر لزيارة الأراضي المقدسة في أعياد الفصح عام 1926، وزيارة مصر في السنة اللاحقة. وقد صدرت النسخة العربية لرحلته إلى مصر ضمن سلسلة "كتاب أدب ونقد" ترجمها الثنائي: محمد الظاهر ومنية سمارة، ثم توالت الطبعات عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

كازانتزاكيس الذي يجري في عروقه الدم البدوي العربي، لم يأت إلى مصر كمستشرق، يرصد ما يسمى بسحر وجاذبية الشرق، ويصور القشرة الخارجية الملونة من بعيد دون الالتحام بالناس ورصد معاناتهم، بل إنه كمبدع حقيقي، جاء للوصول إلى المعنى، وملامسة روح الأرض، ومعرفة القيمة المباشرة للأهرامات والمومياوات الذهبية ومعابد الكرنك العملاقة، وتماثيل الملوك المصنوعة من الغرانيت "ما قيمة كل ذلك بالنسبة للإنسان المصري؟ وقف بمحاذاة آخر الأوراق الخضراء على تخوم الصحراء، التي تودّ الزحف على كل ما هو حي للقضاء عليه، راصداً ومتأملاً الصراع المرير والمعركة المستمرة في مصر بين الماء والإنسان، وبين الإنسان والسلطة، ليصل في نهاية المطاف إلى حقيقة مفادها " إن المصري، باستثناء لحظات قليلة في تاريخه، لم تكن الحرية غاية له أبداً، بل هزيمة الموت وقهره".

النغم المعذب لمصر

هناك نشيد خالد يصدح في أرجاء مصر منذ الأزل، إنه نشيد الشقاء الأبدي والانغماس في الأرض حد الموت، يردده العمال والفلاحون بصوت حاد ورتيب، أنصت إليه كازانتزاكيس حين رأى الحدادين أمام النار وقد انبعثت منهم رائحة بيض السمك، وتجعدت أصابعهم مثل جلد التمساح، والمزارعين بآلامهم المبرحة في الحقول، وهم يواصلون العمل في الليل، في الوقت الذي يتوجب عليهم فيه أن يخلدوا للراحة، وحين رأى النساج وهو يعاني الفقر في معمله، ركبتاه تنغرسان في بطنه، يتنفس الهواء الملوث، وعليه أن يرشو الحارس، كي يستطيع رؤية ضوء النهار، والإسكافي الذي يستجدي طوال حياته، حتى إنه يأكل الجلد الذي يعمل به كي لا يموت من الجوع.

كازانتزاكيس، لم يأت إلى مصر كمستشرق، يرصد ما يسمى بسحر وجاذبية الشرق، ويصور القشرة الخارجية الملونة من بعيد دون الالتحام بالناس ورصد معاناتهم، بل إنه كمبدع حقيقي، جاء للوصول إلى المعنى

هذا هو النغم المعذب الذي ينبثق من مصر كلها، ويحفظها من السقوط، ويصنع أسطورتها الفريدة، ويعذبها في الوقت ذاته، وهذا الشقاء أبدي، يخوضه المصريون بالفطرة، فالفلاح المصري – كما وصفه كازانتزاكيس- "يبدو كقطعة من المنظر الطبيعي، مصنوع من نفس الطين، ويحني قامته أمام النهر، بجزره ومده منذ قديم الزمان، ويجر الماء ليملأ الأخاديد، إنه يفعل ذلك كله بإخلاص مطلق ومهانة مطلقة. وهو بذلك يحذو حذو أجداده باتباعه التقاليد التي مرت عليها آلاف السنوات، لم يتغير شيء، نفس الجباه الضيقة، نفس العيون اللوزية السوداء، نفس الشفاه السفليه الغليظة المتدلية، نفس الجماجم التي شوتها الشمس ونفس العبودية"

النيل والسلطة

لكن خلف قناع الوداعة هذه استطاع "صاحب زوربا" أن يرى ذلك الوجه الحزين المكافح لمصر، الذي يضمر الخوف والرعب من زحف الصحراء وابتلاع كل الكائنات الحية " فعلى طول ذلك الشريط الضيق الذي يزهر بالخضرة وسط تلك الصحراء البغيضة، هناك معركة مرعبة لا تنتهي بين ماء النيل والإنسان، فلو توقف هذا الصراع للحظة واحدة فقط، فإن كل ما يزين هذه الأرض من أشجار وطيور وناس، سوف يغمر تحت رمال الصحراء".

من هنا توصل "كازانتزاكيس" إلى أن النيل مانح الحياة، هو الذي أسس للحكم الكهنوتي السلطوي في مصر، حيث أجبر الناس على العمل معاً من أجل تنظيم واكتشاف قوانين العلوم المائية والهيدروليكية، وبعد ذلك سرعان ما اُجبروا على اكتشاف العلوم الهندسية؛ ففي كل عام، تغمر مياه النيل الحقول، وتحطم الحواجز الرملية، ولذلك يصبح من الضروري لكل ملكية فردية أن تكتشف بوضوح فائدة تسجيل الأرض في سجلات، وبهذه الطريقة يكون النيل سبباً في خلق "القانون"، وهذا يعني ظهور علم الفوارق والطبقات. "ومن أجل التنظيم المحكم لتوزيع المياه، فقد أجبر النيل الناس على قبول قسوة الحكم الكهنوتي (السلطوي) الذي يمثل اجتماع كلّ السلطات في رمز سياسي واحد، يستطيع أن يتحكم بالماء كله، ويوزعه بالعدل، لذلك يبدو أنه كانت هناك حاجة ملحة، لوجود وخلق السلطة الفرعونية المطلقة".

الحياة بجوار الموت

"أنا لم أشعر بمثل هذا الإحساس، في أي مكان على هذه الأرض، الإحساس بالعنف ولذة التواصل بين الحياة والموت. لقد اعتاد المصريون القدماء على وضع المومياوات في صدر قاعات الطعام من أجل النظر إلى الموت، من أجل تقوية وعيهم بحياتهم القصيرة".

"أحب أن أتخيل أن دمي ليس إغريقياً نقياً، وإنما أنا أنحدر من أصل بدوي، فقد حدث أن تبع أحدُ أجدادي القدماء الهلالَ وراية النبي الخضراء وقفز إلى سفينة شراعية عربية انطلقت من أسبانيا لتحتل جزيرة كريت"

في شوارع القاهرة، تجول صاحب "الحرية أو الموت" متحرراً من ذاته، مستمتعاً برؤية الفلاحين النحيلين الرشيقين، المرهقين من العمل والجوع، والبدو الطّوال الصامتين المزنّرين بالأحزمة، في عيونهم نظرات النسر الحادة، وممتلئين بالأنفة والكبرياء، والزنوج بنظراتهم المفترسة وشفاههم الغليظة، وعيونهم المكورة، والنسوة كحيلات العيون يرتدين الخلاخيل الفضية، والأوروبيين الشاحبين كالمرضى، تحت حرارة الشمس العربية التي لفحت وجوههم وجعلتهم كالمصابين بالدّوار، يتأمل إحدى الفلاحات وهي تغطي طفليها الرضيعين بشالها الواسع، ويقف منبهراً مستمتعاً بإحدى الفرق الاستعراضية التي تمارس السِّحر أمام جمهور من الرجال والنساء والأطفال.

ثم يعرج إلى سوق النسوة المسقوف، الذي تباع فيه كل أنواع البهارات العربية، وقلبه مفجوع على هؤلاء النسوة الحزينات اللواتي كن يلوحن بأذرعهن ويشددن شعورهن، خلف نعش عال مغطى بالقماش الأخضر. ثم يتجول وسط ورش العمل الصغيرة التي تصنع التحف الفضية والنحاسية، وفي الجهة المقابلة من ذلك السوق يتأمل السجاجيد والأقمشة الحريرية، والسيوف التاريخية، والأدوات المرصعة بالعاج والياقوت الأحمر واللؤلؤ؛ إنها الحياة في ذروتها، شعلة لا تنطفئ تزكيها، الألوان والروائح والقوة، والكفاح الدائم للناس في سعيهم المحموم للحصول على لقمة العيش؛ "إن زهرة القاهرة العظيمة تستلقي متفتحة على الرمال، تشرب من ماء النيل وتزهر، إلا أن الموت في كل مكان، فلو أنهم نظروا خلف هذه الأوراق الخضراء لرأوا الصحراء، ولو أنهم توقفوا عن العمل حسب هذه القوانين المجحفة ولو لدقيقة واحدة، فإن النهر سوف يغرقهم، ولو أنهم رفعوا رؤوسهم في وجه سادتهم لهلكوا".

"في سيناء حاولت أن أفك رموز الصرخات المبهمة داخلي، وأنا أتبين ملامح وجه أسلافي"

إن ثنائية الحياة والموت تبلغ أقصى وأزهى صورها على أرض مصر، فالنيل يمنحها الحياة، بينما تنتظر الصحراء فرصتها للقضاء عليها، وبين النيل والصحراء، يكافح الإنسان المصري من أجل هزيمة الموت وقهره، وهو ما تجلى في فن التحنيط وبناء الأهرامات. استمع كازانتزاكيس إلى صرخة الأبدية وهي تدوي، فبدت له الأهرامات مثل "خيام حجرية تخيم في صحراء الموت، وتحرس الروح حتى لا تموت"، وفي لحظة توهج مأساوية مفاجئة، بدت له مثل فارس دونكيشوتي طويل، يقاتل بلا أمل من أجل التقاط نفس الأبدية الضئيل على هذه الأرض.

الوصول إلى سيناء

"أحب أن أتخيل أن دمي ليس إغريقياً نقياً، وإنما أنا أنحدر من أصل بدوي، فقد حدث أن تبع أحدُ أجدادي القدماء الهلالَ وراية النبي الخضراء وقفز إلى سفينة شراعية عربية انطلقت من أسبانيا لتحتل جزيرة كريت، الجزيرة التي تفيض لبناً وعسلاً، وحين قفز إلى الشاطئ جرّ سفينته معه إلى الشاطئ الرملي، ثم أحرقها، حتى لا يكون له أي أمل بالتراجع والانسحاب، وهكذا فقد قاتل قتال اليائس، ودفع قوى اليأس في داخله، كي تكسب المعركة".

كانت سيناء هي المحطة الأخيرة في رحلة كازانتزاكيس إلى مصر، وكانت حلمه الذي راوده لسنوات طويلة، هناك قضى صاحب "تقرير إلى جريكو" ثلاثة أيام بلياليها، منصتاً إلى إيقاع الصحراء، وخطوات الجمال على الأرض الناعمة، متمدداً قرب النار، يحاول الاستماع إلى آلاف الأنفاس الغامضة الغنائية للبرية "كان إيقاع خطى الجمال المتماوج والصبور، يمتد إلى أجسادنا، وكان الدم ينظم إيقاع حركته مع هذا الإحساس، وحين يفيض الدم ويتدفق، تسري الروح في جسد الإنسان.

إنه دوار صوفي خفيف، يحول الفكر إلى حلم يقظه وموسيقى. أما "دير سيناء" الذي ما يزال قائماً منذ أربعة عشر قرناً، فيراه كازانتزاكيس إحدى معجزات الروح، حصن منيع يقاوم القوى الطبيعية والبشرية التي تحاصره. رحلة الكاتب الكبير إلى سيناء، كانت بمثابة طريق للوصول إلى الله، والتحرر، والزهد، ومعايشة أقاربه من البدو؛ "هناك في سيناء حاولت أن أفك رموز الصرخات المبهمة داخلي، وأنا أتبين ملامح وجه أسلافي".

ترك كازانتزاكيس مصر، وقلبه ينبض بالعملية الدونكيشوتية للأوراق الخضراء التي تقف على تخوم الصحراء كحارس للحياة، مؤكداً أن هذا هو مكان الإنسان المعاصر، ودوره تجاه الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard