شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
احترس من المعذّبين (1 من 2)

احترس من المعذّبين (1 من 2)

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الخميس 20 أبريل 202301:21 م

يسألني صديقنا المشترك: "لماذا قطعت علاقتك بفلان؟ الرجل طيب ويحبك يا أخي ويطلب مني كلما التقينا تفسيراً لموقفك المفاجئ منه، ويقسم بالله العظيم أنه لم يسيء إليك ولو بكلمة، طيب بلاش تفسّر له موقفك منه، فسّره لي أنا على الأقل".

أحار في توصيف موقفي، وأقول إن صديقي ربما لن يستوعبني جيداً لو قلت له إن قرار قطع علاقتي بصديقه لا يندرج تحت أي بند من البنود المتعارف على كونها سبباً لقطع العلاقات، فهو رجل عفّ اللسان دمث الخلق، لكنه في الوقت نفسه "مُعذِّب كبير"، أشعر بمعاناة رهيبة كلما التقيت به أو تحدثت معه، وأنا من المؤمنين بنظرية "احترس من المعذِّبين" التي وضعها الفنان الكبير حسن فؤاد، الذي تتلمذ على يديه عدد من أهم كتّاب وفناني مصر والعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان من بينهم الفنان الكبير صلاح السعدني، أبي الذي لم تلده ستّي، والذي سمعت منه تلك النظرية في بدايات تعرفي عليه، فاتخذتها منهجاً ودليلاً، لتساعدني في توفير وقت ثمين كان يستهلكه المعذِّبون دون جدوى، خاصة أن زماننا حافل بعذابات أشد وطأة تستحق أن نحشد طاقتنا وقوانا من أجل مواجهتها.

في أحد فصول أحدث كتبي "ماذا صنع الله بعزيزة بركات؟"، أشير إلى تلك العبارة وواحد من أبرز تطبيقاتها فأقول: كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها جهاز "الأنسر ماشين"، بوصفي قادماً من عالم التليفون "أبو قرص وسِلْك مِلَوْلِو"، ولفت انتباهي أن العم صلاح السعدني لا يتعامل مع الجهاز الرابض إلى جواره باستخفاف، بل كان يطلق على "أنْسَرِه" لقب "منقذ المعذَّبين وقاهر المعذِّبين"، وحين سألته عن سر ذلك اللقب، اتخذها فرصة ليوجه لي أهم نصيحة أسداها لي، أو لعلها النصيحة الوحيدة التي أسداها لي، والتي تتكون من ثلاث كلمات فقط لا غير هي: "احترس من المعذِّبين"، وهي نصيحة كان قد أسداها للسعدني في مطلع حياته الفنان الكبير حسن فؤاد، رسام الكاريكاتير والصحفي وكاتب سيناريو فيلم "الأرض"، ومكتشف العديد من أهم وأجمل المواهب الصحفية والفنية.

كان صلاح السعدني يطلق على "الأنسر ماشين" لقب "منقذ المعذَّبين وقاهر المعذِّبين"، وحين سألته عن سر ذلك اللقب، اتخذها فرصة ليوجه لي أهم نصيحة أسداها لي، والتي تتكون من ثلاث كلمات فقط لا غير هي: "احترس من المعذِّبين"

جاء في حاشية الإمام السعدني على متن نصيحة الإمام حسن فؤاد، أن أسوأ فئة من البشر ينبغي تجنبها هم من يعشقون تعذيب غيرهم من البشر بأشكال متنوعة من ثقل الظل والغتاتة والغلاسة، وأن من كرم الله علينا، كبشر نعيش في الأزمنة الحديثة، أن قدرتنا على الاحتراس من المعذِّبين قد زادت بشكل أكبر مما كان يحظى به السابقون لنا بتعذيب، حيث أصبحت فرصنا في الاختيار والانتقاء أوسع وأكبر، بحيث أصبح من السهل أن نتوقّف عن قراءة كاتب نكره كتابته، أو أن نستخدم نعمة الريموت كونترول للامتناع عن مشاهدة وجه مذيع نكره الذين خلّفوه فضلاً عن كراهيتنا له، أو نضع حاجزاً إلكترونياً بيننا وبين من لا نحب سماع صوته التعيس "على غيار الريق أو في نص اليوم أو على آخرة المِسا".

جاء في حاشية الإمام السعدني على متن نصيحة الإمام حسن فؤاد، أن أسوأ فئة من البشر ينبغي تجنبها هم من يعشقون تعذيب غيرهم من البشر بأشكال متنوعة من ثقل الظل والغتاتة والغلاسة.

فإن لم نفعل ذلك بعد كل ما مُنِحناه من فرص واختيارات، لم يعد لنا إذن حق الشكوى ممن يعذبوننا، لأننا الذين "جِبنا" التعذيب لأنفسنا، ومع ذلك تظل المشكلة الأكثر تعقيداً في أولئك المعذِّبين الذين يفرضون أنفسهم علينا في صورة أقارب أو معارف أو أصدقاء أو محبين أو شركاء عمل، وأسوأ أصناف هذا النوع من المعذِّبين، هم أولئك الذين لا يدركون أنهم يمارسون تعذيب غيرهم بأفعالهم التي تبدو لهم طيبة ولطيفة وودودة، بل يتصورون أنهم يقدمون لك جميلاً رائعاً بإدخالك إلى عالمهم، أو بدخولهم عنوة إلى عالمك، ولذلك كان السعدني، وهو سليل طائفة من عقلاء الكنباوية النادرين عبر تاريخ الإنسانية، يرى أن الكنبة أصبحت ضرورة حياة، وبديلاً آمناً عن المقهى الذي لا يمكنك فيه أن تتحكم بشكل كامل في اختيار من تجالسهم، فتضطر أحياناً لتحمل "رزالات" المعذِّبين الذين يهبطون عليك فيه من حيث لا تحتسب، خصوصاً إذا لم تكن قد اكتسبت مهارات التخلص من الصحبة الإجبارية، وهي مهارات لا يقدر عليها إلا أولو العزم، ممن أزالوا غُدّة العشم من أرواحهم.

لذلك، ولذلك كله اكتسبت "الأنسر ماشين" عند العم صلاح لقب "منقذ المعذَّبين وقاهر المعذِّبين"، لأنه سدّ الثغرات الخطيرة التي تسمح بها الهواتف بأنواعها لكي يتسلل إلى حياتك من لا ترغب في وجوده فيها، وفي نفس السياق يمكن أن نضع اختراعات عظيمة تالية لـ "الأنسر ماشين"، كالبريد الصوتي والبريد الإلكتروني وخواص "الأنفريند والبلوك والميوت والأنفولو" التي تحاول إنقاذنا قدر الإمكان من المعذِّبين الذين ابتلتنا بهم وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبح من المستحيل أن نستغنى عنها كلية، حتى حين تتحوّل في بعض الأحيان إلى وسائل لـ"التباعص" الاجتماعي، أو التباغض الاجتماعي إذا كانت كلمة "التباعص" الاجتماعي يمكن أن تثير ضيقك.

بعد أكثر من عقدين ونصف من ذلك التبني الشفوي لتلك العبارة النبراس، وجدت مؤخراً تأصيلاً نظرياً لها، كتبه حسن فؤاد في بابه الأسبوعي البديع "حواديت ليل" والذي ظل يكتبه على مدى سنوات في مجلة "صباح الخير" التي كان من أهم مؤسسيها وصُنّاع روحها الجميلة، شكلاً ومضموناً، ومع الأسف لم تلق تلك الحواديت ما تستحقه من حفاوة وتقدير، حتى أن الكتاب الذي جمع بعضها لم يُعد طبعه منذ أن صدر، عقب رحيل حسن فؤاد في منتصف الثمانينات، وقد كان من بين تلك الحواديت الجميلة حدوتة بعنوان "جمعية المعذِّبين الكبار" نشرت في سبتمبر 1982، تضمنت شرحاً وافياً لفكرة المعذّب، قال فيه حسن فؤاد ما نصه:

"المعذِّب" بالشدة والكسرة، هي صفة تُطلق على الشخص الذي يتمتع بموهبة خاصة في تعذيب الناس دون أن يستخدم أي وسيلة من وسائل التعذيب المعروفة، منذ القرون الوسطى حتى المعتقلات الحديثة الآن

"المعذِّب" بالشدة والكسرة، هي صفة تُطلق على الشخص الذي يتمتع بموهبة خاصة في تعذيب الناس دون أن يستخدم أي وسيلة من وسائل التعذيب المعروفة منذ القرون الوسطى حتى المعتقلات الحديثة الآن، وهو ليس بالضرورة صنيعة من صنائع السلطة، ولا أداة من أدوات التنكيل الرسمية التي تستخدمها النظم والحكومات للانتقام من أعدائها السياسيين، بغرض معاقبتهم أو الحصول على اعترافاتهم أو استنكارهم لمواقفهم المبدئية، فالمعذّب الذي نقصده هنا رجل عادي جداً، ربما كان طبيباً نابغاً، أو صحفياً لامعاً، أو مخرجاً سينمائياً، أو جرسوناً في مقهى، أو رجل أعمال ناجح.

إنه موجود في كل مكان وزمان، ومن جميع الأعمار والأجناس، قد يكون اشتراكياً متحمساً أو رأسمالياً محافظاً، ولكن المهم أنه يتمتع بهذه الموهبة الخارقة في تعذيب الآخرين دون أن يقع تحت طائلة القانون. وذلك بإحداث أفعال وأقوال ينتج عنها إزعاج بطيء متواصل، ونكد خفي متصل، وإقلاق راحة مستمر، يكفي لتحويل حياة المحيطين بالمعذب والمتعاملين معه إلى عذاب وجحيم".

ويضيف حسن فؤاد شارحاً فكرته أكثر: "في الزمن القديم، أيام كان الناس الطيبون هم الأغلبية الساحقة من المواطنين، كان المعذِّبون نوعاً نادراً من الناس واضح المعالم والصفات، أما الآن، وقد ازدحمت الحياة بفئات جديدة من المعذبين يملؤون وجه الحياة في مصر، فقد انحط مستوى التعذيب وأصبح شائعاً في كل مكان، من الجار المزعج الذي يصر على إلقاء الزبالة على السلم، إلى سائق التاكسي، إلى السباك، إلى البقال الذي يفتح جهاز التسجيل بأعلى صوت حتى الصباح، إلى المغنيين الجدد الرذلاء، إلى جمهور السينما في الأفلام المصرية، إلى هواة الضغط على كلاكس السيارة، إلى شحاذي المرور، وغيرهم وغيرهم ممن أصبحوا ظاهرة واضحة المعالم في حياتنا اليومية الآن.

فالمعذّب الذي نقصده هنا رجل عادي جداً، ربما كان طبيباً نابغاً، أو صحفياً لامعاً، أو مخرجاً سينمائياً، أو جرسوناً في مقهى، أو رجل أعمال ناجح.

ولكن ليس هؤلاء من أقصدهم، فالمعذبون الذين أعنيهم ترتفع قدرتهم في التعذيب فوق مستوى الشخص العادي، ويتميزون بقدرة غريبة على الإبداع، وعلى خلق وسائل فريدة لم يستخدمها أحد في فن التعذيب، وبعضهم تصل به مقدرته في التعذيب إلى مستوى فريد وتكنيك متميز قد يصل به إلى درجة الفن الرفيع، وربما لهذا السبب كان المعذبون القدامى مثل الفنانين القدامى، أكثر حكمة ومقدرة من معذبي العصر الحديث، وربما لأن الزمن الماضي كان أبطأ في الإيقاع، لهذا كان للمعذِّب المتمكّن فرصة أطول وقدرة أعمق على التأثير، أما الآن، فبسبب سرعة الحياة وامتلاء السوق بعديد من المزعجين وقلة صبر الناس، فقد اختلط الحابل بالنابل، ولم يعد للمعذِّب الكبير ملامح واضحة في المجتمع كما كان في الزمن القديم".

لم يكتف حسن فؤاد بالتنظير لهذه الفكرة النميسة، بل قرّر وضع تطبيقات عملية لها، حين قرّر في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين التي يصفها بأنها "أيام شبابه الحلوة وفي خلوة من الزمن"، أن يبادر بإنشاء سجل بعنوان "سجل المعذّبين الكبار"، يسجل فيه من تثبت مقدرته ومواهبه وتتأكد قدرته على ابتكار أسلوب خاص في التعذيب، وقد استعان في هذه المهمة القاسية بصديقيه، الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي والصحفي السوداني جيلي أحمد عمر، ليكوّن سجلاً شاملاً للمعذّبين في بر مصر والسودان، وكان أول من وضعوه في السجل شاعراً سودانياً كبيراً، كان متعوداً على الاشتراك في المهرجانات والندوات الأدبية بقصيدة خاصة يعلن أنه ألّفها خصيصاً للمناسبة، وحين يبدأ في إلقائها، تتحوّل القصيدة إلى معلقة مدتها ساعتان على الأقل، دون أن يهزه انصراف الناس من مقر الندوة أو الأمسية بعد أن يدركوا أن انتهاء قصيدته أمر بعيد المنال، وحين نبّهوه على استحياء إلى طول قصائده، قال لهم إنه يعي ذلك جيداً، وأنه يسعد حين يغادر الناس مقر الأمسية أو الندوة فلا يستمعون إلى شاعر بعده.

المعذِّبون الذين أعنيهم ترتفع قدرتهم في التعذيب فوق مستوى الشخص العادي، ويتميزون بقدرة غريبة على الإبداع، وعلى خلق وسائل فريدة لم يستخدمها أحد في فن التعذيب

لم تكن المشكلة فقط في طول قصائد الشاعر المعذّب، بل في مضمونها ومعانيها وصياغتها التي "تقود إلى العته والتدهور العقلي"، وتدفع المستمع إلى أن يكفر بالشعر والشعراء من الأقدمين والمجددين، فيندم على الساعة التي دفعته إلى حضور أمسية معذّبة، ليتجمّد لمدة ساعتين في كرسي خشبي، دون أن يعلق أو ينطق معترضاً، كيلا يتعامل الحضور معه بوصفه جاهلاً لقيمة الشعر والشعراء، ولذلك حين وضع حسن فؤاد وصديقاه اسم الشاعر الكبير في مطلع سجل المعذِّبين، ساهموا في إنقاذ الكثير من الأصدقاء والأحباب من براثنه.

في حدوتة تالية بعنوان "مع المعذِّبين في الصحافة" ينبه حسن فؤاد قارئه إلى أن المعذِّبين الكبار في دنيا الصحافة والفنون والثقافة "نوع من الناس يختلف تماماً عن المعذِّبين العاديين الذين نلتقي بهم يومياً في الحياة، أمثال سائقي التاكسيات والجزارين والسبّاكين... إلخ. وأن المعذِّب الكبير ليس بالضرورة غبياً أو سخيفاً أو ثقيل الدم، بل على العكس، بعضهم من أعظم الظرفاء وأرقّ الشخصيات وأذكى الأذكياء، ولكنهم جميعاً يرتقون بوسائلهم السلمية في تعذيب الآخرين إلى مستوى الفن الرفيع"، ويشير إلى أن السجل الذي قام بوضعه مع صديقيه كان يرصد عدداً من الشخصيات المعذِّبة الكبيرة في مجال الصحافة والسياسة والفن، "وكانت أخبار هذا السجل وشخصياته العجيبة هي الجانب المرح الذي يخفف عذاب الحياة اليومية وسامري المفضل في ليالي الصفو، وما كان أجملها من ليال في زمن العمر الجميل الذي يستطيع فيه الإنسان أن يضحك من القلب والجرح يسيل".

ولأن حسن فؤاد يعلم أن قارئه سيتحرّق شوقاً إلى معرفة الذين يضمهم ذلك السجلّ بالتفصيل المملّ، ويعلم أن تلبية ذلك الطلب مستحيلة، لأنها ستشير إلى أسماء شديدة اللمعان والشهرة في ساحة الأدب والثقافة، يقوم بمراوغة قارئه ويحكي قصة واحد من كبار معذِّبيه، لأجد في تفاصيل تلك القصة تقارباً مع ملامح معذِّب أيامي الذي قرّرت قطع علاقتي به، وإن كان معذّبي أقل عنفاً وأكثر وداعة، على الأقل حتى الآن، وسأنبئك في الأسبوع المقبل بأبرز ملامحهما، ثم أسألك "بذمتك ماذا تفعل لو كنت مكاني؟".


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard