شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
بعيداً عن سطوة الأدب الفرنسي وجد حرّيته في طنجة… جان جنيه

بعيداً عن سطوة الأدب الفرنسي وجد حرّيته في طنجة… جان جنيه

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع

الاثنين 5 يونيو 202312:28 م

يُعدّ الكاتب والروائي والمؤلف المسرحي الفرنسي جان جنيه (1910-1986)، أحد كبار كتّاب فرنسا خلال القرن العشرين، بل واحداً من الأدباء القلائل الذين تصدّوا للمدّ الكولونيالي الفرنسي وانتقدوه نقداً لاذعاً من خلال مقالات وحوارات وروايات ومسرحيات، وهو يُعيد تشريح مأساة الإنسان خلال هذا القرن، بعد كل الأهوال التي شهدها بدايةً بالحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والثورة الروسية البلشفية (1917)، مروراً بالأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929، ووصولاً إلى الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ثم انهيار المعسكر الاشتراكي وخروج الولايات المتحدة الأمريكية متزعمةً العالم. هذا السياق التاريخي الحرج، وإن كان جنيه لم يطرق بابه يوماً، إلا أنه يظلّ حاضراً بشكل لا مرئي في كتاباته، لأنه يمثّل منطلقاً جوهرياً خفياً لبعض رواياته ومسرحياته إلى جانب كتّاب آخرين مثل إرنست همنغواي وأندري جيد وغيرهما.

وجه الأدب الفرنسي

تحقّق كلّ هذا في وقت بدت فيه فرنسا وكأنها تستعيد بعضاً من أوجها الفكري ونشاطها الأيديولوجي خلال ثورة الطلاب عام 1969، التي اكتسح زخمها العالم، بحيث بدت كتابات جان جنيه، تمشي عكس تيار الكتابة الأدبية الرسمية داخل فرنسا، بحكم ما تضمنته من نقد مبطن للنظام السياسي والاجتماعي داخل فرنسا، لا سيما أنّ كتابات من قبيل "يوميات لص"، و"الخادمتان"، و"الزنوج" كانت واضحة الأفق الأدبي الذي نحت إليه، والذي يقوم ويرتكز على الشرط الإنساني ونقد المؤسسة الفرنسية وقوانينها الزجرية الاستعمارية.

يُعدّ الكاتب والروائي والمؤلف المسرحي الفرنسي جان جنيه (1910-1986)، أحد كبار كتّاب فرنسا خلال القرن العشرين، بل واحداً من الأدباء القلائل الذين تصدّوا للمد الكولونيالي الفرنسي وانتقدوه نقداً لاذعاً 

وجنيه عاش طويلاً في سجونها وبين إصلاحياتها ورافق البؤساء والمنكوبين في سراديب مظلمة، بسبب السرقة والنقد والتشجيع على الاحتجاج. وهي صفات قادته إلى السجن والحكم بالسجن مدى الحياة، حيث سيعمل كل من جان كوكتو وجان بول سارتر على إخراجه، لما يمثله في نظرهم من قوة أدبية ساطعة في سماء الأدب الفرنسي خلال القرن العشرين.

يقول الناقد المغربي محمد برادة عن كتاب "أسير عاشق" (ترجمة كاظم جهاد)، آخر كتب جان جنيه حول فلسطين، إن الشكل المتميز واللغة الواصفة الدقيقة، واستعادة ذكرياته مع الفلسطينيين عندما أقام معهم في مخيماتهم في الأردن. حقق جنيه في هذا الكتاب إنجازاً مزدوجاً: كتابة الذاكرة عبر السرد والتأمل والاستطراد وتجاوُر الفضاءات واللغة الشعرية النابضة، ثم ابتعاث الحياة في نساء ورجال وفدائيين فلسطينيين يمثلون الثورة في بهائها وعنفوانها وتلقائيتها.

جنيه ملتحماً بقضايا التحرر

كان جان جنيه، أحد المشاركين في ثورة 1967 إلى جانب جيل دولوز وميشيل فوكو وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وغيرهم من فلاسفة فرنسا وأدبائها. لكن وبالرغم من انتماء جنيه إلى تيار هؤلاء الفلاسفة على مستوى النسق الثقافي والهم الفكري والتوجه الأيديولوجي، إلا أن جان جنيه، كان من جهة أخرى مختلفاً وبشكل كبير على مستوى التحامه بقضايا الشرق الأوسط والعالم العربي وحقوق المستضعفين في عدد من مدن العالم، لا سيما العمال والمهاجرين في فرنسا، الذين كان يقضي معهم ساعات طويلةً لفهم الأسباب الخفية التي تدفعهم إلى الهجرة أو اللجوء إلى بلاد استعمارية.

وهذا الأمر، ساعده بقوة على استلهام بعض من ملامح هذه الشخصيات داخل أعماله الأدبية الخالدة، بنفس الحرقة والألم وكأنه يروي سيرته الذاتية، انطلاقاً من جرح الآخرين وقصصهم. أوّلاً بسبب يتمه صغيراً وعيشه مضطهداً وترحاله الدائم للسرقة في طفولته وصباه. وثانياً بسبب العنف المادي والرمزي الذي مارسته المؤسسة الرسمية عليه منذ طفولته، والنظر إليه كمتشرد. أصبح جنيه اليوم يشكل وجه فرنسا الأدبي المشرق، وتعمل المؤسسات دوماً على تسويق أعماله وإقامة ندوات عالمية عنها وإعادة عرض مسرحياته داخل عدد من مسارح فرنسا والعالم، برغم ما تضمر من نقد واضح للسياسة الاستعمارية الفرنسية داخل الجزائر وخارجها من بلدان العالم العربي.

من السجن إلى العالمية

لا يوجد كاتب فرنسي أو أمريكي أحبه العرب مثل جان جنيه، الذي عاش بعيداً عن المركز الثقافي الفرنسي وبذخ الحياة الباريسية المخملية، التي كان الفلاسفة والأدباء يعيشون في صخبها داخل صالونات ومقاهٍ وحانات ومسارح وصالات سينما. فقد رسم جان جنيه لنفسه "بورتريه" أدبياً مغايراً عن أدباء فرنسا ولمفهوم الكاتب الغربي عموماً. فالكاتب لدى جنيه هو الثائر على سياسات البلدان الاستعمارية والمناصر لقضايا الكرامة والتحرر داخل بلدان العالم، لا الذي يغدو أداةً من أدوات السلطة ووسيلة من وسائل الأنظمة السياسية يصنع لها خطاباتها ويسوغ لها زلاتها وأعطابها باسم المعرفة. 

الكاتب عند جان جنيه، هو الملتحم بقضايا الناس ومشاغلهم والقادر في الوقت نفسه، على إقامة نوع من الموازنة بين النضال الثقافي والسياسي، تجاه البلدان المضطهدة والحفاظ على حساسية الكتابة الأدبية وجمالياتها، بما يجعلها فناً رفيعاً يسمو عن باقي الخطابات التقريرية والتبشيرية، التي تبلد الأذهان أكثر مما تفتحها على حرقة السؤال والبحث عن اللا مفكَّر فيه داخل الاجتماع الإنساني.

طنجة جان جنيه

عاش جان جنيه حياته بمنأى عن سلطة الأدب الفرنسي، بل ظل متنقلاً بين عواصم العالم، خاصةً داخل البلاد العربية، مثل دمشق التي قضى فيها نحو سنة وأكثر في أثناء تجنيده داخل الجيش الفرنسي، ثم فلسطين (لبنان) عام 1970 على خلفية دعوة من منظمة التحرير الفلسطينية حيث سيمكث هناك ويكون شاهداً على مجزرة صبرا وشاتيلا، التي سيكتب من خلالها كتابه الشهير "أربع ساعات في شاتيلا".

وإذا كان الفرنسي جان جنيه، قد ارتبط ببلاد عربية عدة، فستظل مدينة طنجة هي الأكثر تأثيراً فيه، بحكم الطابع السحري الذي وجده فيها في فترة كان تاريخها كمدينة دولية ما يزال يرخي بظلاله عليها، هناك حيث بساطة العيش وجماليات المقاهي والفنادق ورائحة البحر، جعلت الكثير من كتاب العالم يستقرون فيها أو يترددون على زيارتها خلال فترات متقطعة من حيواتهم، كتينسي وليامز وبول باولز وجين آور وصامويل بيكت.

عاش جنيه في طنجة، حيث سيلتقيه الكاتب المغربي محمد شكري بالصدفة ذات صباح وهو جالس في مقهى سانترال وسط "سوق الداخل"، وامتدت هذه الصداقة الأدبية لسنوات طويلة، في وقت لم يكن فيه محمد شكري مشهوراً، بل كتب فقط نصّين قصصيين نُشرا في مجلة "الآداب" البيروتية، لكنه مع ذلك قدّم نفسه ككاتب شاب.

على مدار سنوات، دوّن محمد شكري لقاءاته اليومية بجان جنيه، وتُرجم الكتاب إلى الإنكليزية ولغات أخرى، واحتفى به الناس في كل مكان، لأنه شكل وثيقةً يوميةً لحياة جنيه في مدينة طنجة. لكن جنيه أبدى امتعاضه بسبب تأليف هذا الكتاب، وعدم أخذ إذنه قبل نشره، بحكم ما يتوفر عليه من معلومات شخصية وصور فوتوغرافية لأناس قد لا يرغبون في نشر شيء عن حياتهم الخاصة.

الكاتب عند جان جنيه، هو الملتحم بقضايا الناس ومشاغلهم والقادر في الوقت نفسه، على إقامة نوع من الموازنة بين النضال الثقافي والسياسي، تجاه البلدان المضطهدة والحفاظ على حساسية الكتابة الأدبية وجمالياتها

علماً أن عدداً من الكتّاب رجحوا أنّ سبب غضب جنيه نابع من موقفه من الكتابة عموماً وابتعاده عن الأضواء المفزعة وعشقه لدائرة الظل والصمت، خاصةً حين يزور مدينة طنجة التي يحب العيش فيها ببساطة. ومع ذلك، فإنّ كتاب محمد شكري "جان جنيه في طنجة"، يبقى وثيقةً أدبيةً مهمةً في علاقة جنيه بالمغرب وطنجة على الخصوص. كما كشف من جهة أخرى عن عشرات الأسرار الخفيّة لكتّاب وأدباء وفنانين عاشوا في طنجة، وعلاقة ذلك بكتاباتهم الأدبية العالمية، التي كتبوها داخل فنادقها ومقاهيها وحاناتها.

عن صبرا وشاتيلا

وتجدر الإشارة إلى أننا نعثر بين أبرز كتابات جان جنيه، التي وطدت علاقته بالعالم العربي، على كتاب "أربع ساعات في شاتيلا"، ويستعيد فيه جنيه علاقته بالكتابة بعد سنوات من التوقف. أربع ساعات كانت كافيةً بالنسبة لجنيه كي ينقل لنا في ذلك النص الخالد رعشة الكتابة وهي تدب في الجسد وتنحت جرحاً غائراً في جسد كل من يقرأها.

لغة بيضاء أشبه برعشة الوجود، زادت جمالياتها ترجمة الكاتب محمد برادة الذي نقلها إلى العربية في لغة أشبه بالشعرية، وأكثر قدرةً على التأثير بمفرداتها وصورها. فقد وُفّق برادة إلى حد بعيد في الحفاظ على حرارة النص وجرأة صوره وحصافة وصفه. وهذا ما جعل الكاتب اللبناني إلياس خوري، يقول في كتابه "زمن الاحتلال"، بأنّ "شهادة جنيه ليست مجرد نص جديد يضاف إلى أدب هذا الكاتب الفرنسي. إنّها أكثر من ذلك، إنها شهادة لرعشة الخلق، لذلك الخوف المتوحش الذي يغزو الجسد فيصير إلى كلمات. كأننا أمام نص جديد، كأن جرأة جنيه وهو يصف الأجساد المكومة والأجساد العمودية، ثم ينتقل إلى وصف كيفية اجتياح بيروت، ثم يستعيد لحظات الأحراش، تتجاوز البعد الأدبي لتعود فتصبّ فيه وتعطيه إيقاعاً جديداً".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard