شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
مع بدء محاكمته... أي عدالة تحاكم الرئيس الموريتاني السابق؟

مع بدء محاكمته... أي عدالة تحاكم الرئيس الموريتاني السابق؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الجمعة 27 يناير 202303:33 م

رُفعت صباح اليوم الأربعاء، 25 يناير/كانون الثاني، في العاصمة الموريتانية نواكشوط، الجلسة الأولى من محاكمة الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز (66 سنة)، الذي حكم موريتانيا ما بين 2009 و2019، والمتهم بمجموعة من التهم المتعلقة بالفساد، مثل تبديد ممتلكات الدولة العقارية والنقدية، إساءة استغلال الوظيفة، إخفاء العائدات الإجرامية، استغلال النفوذ، غسيل الأموال، إعاقة سير العدالة وغيرها من التهم.

ويحاكم مع ولد عبد العزيز مجموعة من المسؤولين الذين أوكلت إليهم مناصب خلال فترة حكمه، ضمن ما يعرف إعلامياً بـ "ملف العشرية". رفعت الجلسة الأولى بعد غياب غالبية المحامين جراء رفضهم التفتيش، لكن أي مسار قد تعيشه المحاكمة وماذا قد يكون مصير الرئيس السابق؟

أجواء المحاكمة

منذ الصباح الباكر وقصر العدل في نواكشوط يتحول شيئاً فشيئاً إلى مسرح تجمهر فيه كثيرون تفاعلاً مع المحاكمة. توافد الصحفيون إليه، بالإضافة لمناصرين لولد عبد العزيز، ومناهضين له يطالبون باسترجاع أموال الدولة.

وقد شُدّدت الإجراءات الأمنية بمحيط المحكمة، إذ انتشرت وحدات من شرطة مكافحة الشغب في محيط مبنى قصر العدالة، فيما أكد الوزير المتحدث باسم الحكومة الموريتانية، الناني ولد اشروقه، أن كافة الإجراءات التنظيمية والأمنية اتخذت لضمان محاكمة شفّافة للمتهمين في ملف العشرية، وكان حديثه في مؤتمر صحفي عقده للتعليق على نتائج اجتماع مجلس الوزراء.

أما الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، فقد كتب منشوراً على فيسبوك قبل ساعات من بدء محاكمته، أكد فيه أنه سيمثل أمام المحكمة لأول مرة في حياته، وبعد 31 عاماً من الخدمة العسكرية، نافياً التهم الموجهة إليه، وقال إنه سيدافع خلال المحاكمة عن شرفه وكرامته وعن "حقوق شعب بأكمله".

بعد الجلسة الأولى من محاكمة الرئيس الموريتاني السابق. ماذا سيكون مصير عبد العزيز وهل ستقتصر محاكمته على الشق القانوني أم تأخذ أبعادا سياسية؟ 

ويدافع عن ولد عبد العزيز فريق دفاع مكوّن من محامين موريتانيين، بالإضافة للمحامي الفرنسي أنتوان فاي، والمحامي السنغالي سيري كليدور لي والمحامية اللبنانية ساندريلا مرهج، وفي الطرف الآخر فريق يمثل الدولة، كما يوجد فريق من المراقبين يتكوّن من هيئات المجتمع المدني، وقد أصدرت المحكمة قراراً بمنع إدخال أجهزة التصوير والهواتف، وسيخضع الجميع للتفتيش قبل الدخول كإجراء أمني.

مسار معقد

في حديث مع رصيف22، علق المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور محمد صالح آبيه محمد صالح على المسار القانوني لملف العشرية، قائلاً: "لا شك أن محاكمة أي رئيس سابق في بلد نامٍ ستثير فرضيات وتكهنات في أوساط الرأي العام، فما بالك إذا كنت في بلد ما يزال في الخطوات الأولى من مسيرة التنمية".

وأضاف: "قانونياً وعبر العالم، يبدأ إجراء أي محاكمة بتوجيه التهم بعد التحرّيات اللازمة، يليها الاستدعاء وتمكين المتقاضي من حقوقه، كتوكيل محام ومعرفة تهمته، ثم التحقيق وتحرير المحاضر وإتاحة مبدأ التقاضي على درجتين، وتعيين المحاكمة ثم ثبوت التهم أو نفيها بمقتضى حكم قضائي".

يقول دفاع الرئيس السابق إنه لم يتوصل بمستندات هامة في القضية ويرى في هذا عرقلة لإستراتيجية الدفاع

يستنتج المتحدث أن "هذا ما حصل بالفعل مع الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، المتهم بجرائم ثقيلة الوزن في ميزان العدل، ألا وهي: الاستيلاء على ممتلكات عمومية، ممارسة التجارة والحصول على أرباح من الصفقات العمومية، استخدام النفوذ لأغراض شخصية والإفراط في استغلال السلطة".

ويؤكد فرضيته بأن "الرجوع إلى مسار القضية التي لازمتها العديد من الإشاعات وأحياناً المغالطات لحاجة في أنفس بعض المحللين، لا يمكن وبصورة عامة إلا ملاحظة أن المسطرة القانونية سليمة وعمودية الخط، دون أي تدخل من سلطة عمومية غير السلطة القضائية المختصة بهذا الشأن".

يرى الأستاذ الجامعي أنه "للأمانة القانونية، وبصفتي معنياً بالاختصاص، فقد لاحظت حجب بعض الملفات عن المحامين الموكلين من طرف ولد عبد العزيز، حسب ما ورد على لسان البعض من هؤلاء الزملاء، في خرجات إعلامية لإنارة الرأي العام حول الملف، وإن صح ذلك فسيُعتبر مساساً بمبدأ المحاكمة العادلة، إذ لا يمكن بأي شكل من الأشكال حجب أي وثيقة عن محام في الملف، فالمبدأ هو ألا شروط في حصول المحامي على كافة الوثائق المتعلقة بقضيته. إن صحّ الخبر المتداول في مقابلات مع لفيف محامين ولد عبد العزيز. كما أتفهّم أيضاً حساسية بعض الملفات التي قد تمنع من التسريب لشموليتها لبعض أسرار الدولة التي قد تمس من سيادتها وأمنها، وفي هذه الحالة يكون الاستثناء متاحاً".

شرح المتحدّث طبيعة التهم الموجهة إلى ولد عبد العزيز والأحكام المتوقعة في حال الإدانة قائلاً إنه: "قد حدد مؤخراً يوم 25 يناير كتاريخ لأولى جلسات محاكمة ولد عبد العزيز، ولن تكون بطبيعة الحال الجلسة الأخيرة، لكون القضية متشعبة، ولا تخلو من اللبس تارة، ومن تنازع القوانين تارة أخرى، ولكونها أيضاً سابقة في تاريخ موريتانيا (محاكمة رئيس سابق)".

بخصوص التهم الموجهة إلى الرئيس السابق، يقول الخبير القانوني: "أما فيما يخص التهم الموجهة إلى الرئيس الموريتاني السابق، فهي كما أسلفنا تزن وزنها في ميزان العدل، من بينها الاستيلاء على الممتلكات العمومية، التربّح والممارسات التجارية الممنوعة دستوراً على رئيس الجمهورية طيلة مأموريته (المادة 27 من الدستور الموريتاني)، وكذلك، استغلال السلطة للشؤون العائلية البحتة، وتوزيع ثروات البلاد على المقربين... إلخ.

كلها جرائم من الدرجة الأولى وقد تصل العقوبات فيها إلى مصادرة جميع الأموال واسترجاعها للخزينة العامة، هذا من ناحية المسؤولية المدنية، أما من ناحية المسؤولية الجزائية فتتراوح العقوبات فيها من السجن النافذ من 20 إلى 25 سنة، حسب النطق بالحكم النهائي، إذ يتمتع القاضي في هذا الشأن بالسلطة التقديرية".

تسييس وغياب العدل؟

منذ بداية ملف العشرية ومحاكمة "المفسدين" حضَرَت نظرية التسييس والعدالة الانتقامية، وفُتح النقاش حول عدالة القضاء الموريتاني، وحظ الدولة من مبدأ فصل السلطات وحقيقة وجوده، وهي قضايا حاضرة بقوة في النقاش العمومي في موريتانيا بشكل دائم، ويستحضر المراقبون قضايا في عهد ولد عبد العزيز، وفي هذا العهد كان القضاء فيها تحت سطوة السلطة التنفيذية وبرز استخدام القضاء كوسيلة لتصفية الحسابات، وكان محامو ولد عبد العزيز استنكروا ما اعتبروه انتهاكاً لحقوق موكلهم، وأعربوا عن خشيتهم من تعرّضه لمحاكمة جائرة.

وقبل أيام قليلة من بدء المحاكمة، قال المحامي سيريه كليدور لي إن "فريق الدفاع لم يتمكن من الاطلاع على الملف بأكمله"،.

وأضاف المحامي في تصريحات صحافية في نواكشوط، أن هناك "سلسلة من الانتهاكات لحقوق موكلي في جميع مراحل المحاكمة". مؤكداً على أنه "في الواقع ما يريدونه هو إذلاله وتحطيمه، وليعلم الجميع ألاّ شيء يبشر بأن المحاكمة ستكون عادلة".

لكن الخبير القانوني، الدكتور محمد صالح يرى أنه "بغض النظر عن وضعية القضاء الموريتاني على غرار كافة دول المغرب العربي، ففكرة التسيس مستوحاة من كون المادة 93 من الدستور الموريتاني لا تجيز محاكمة رئيس سابق للبلاد إلا من طرف (المحكمة السامية) بصفتها المحكمة الوحيدة المختصة اختصاصاً حكمياً في هذا الشأن".

لكن هذه المادة المذكورة لا تنص في بنودها إلا على مبدأ عام، والقانون هو مجموعة من المبادئ، ولكل مبدأ استثناء ولا يوجد مبدأ مطلق البتة. وعليه يستثنى من نص هذه المادة تهمة (الخيانة العظمى) وهي بالضبط والحصر - وحسب التكييف القانوني للوقائع - التهم الموجهة لولد عبد العزيز، وهنا يصبح الاختصاص اختصاص القضاء المدني أي القضاء العادي.

أما فيما يتعلق باستقلالية القضاء الموريتاني وفصل السُلَط، فتجدر الإشارة هنا إلى أن النظام السياسي الموريتاني هو نظام رئاسي، ومن ركائزه البحتة مبدأ فصل السُلَط الثلاث، وبالتالي استقلالية السلطة القضائية.

"وبناءً على ما سبق"، يقول صالح: "فإنني شخصياً لا أجد مكانة لتوجيه إصبع الاتهام للقضاء الموريتاني بالتبعية ولا للسلطة التنفيذية بالتدخل في شؤونه، وخصوصاً فيما يعرف بـ (ملف العشرية) الشائك. هذا طبعاً لا يجعل من القضاء في موريتانيا مؤسسة كاملة أو معدومة الأخطاء، وإنما تتعرّض هي الأخرى لبعض العراقيل والحواجز، كالنقص الحاد في القضاة المختصين، وانعدام البرامج التكنولوجية التي تسهل الإجراءات على القضاة وعلى المحامين أيضاً وكتاب الضبط، هذا بالإضافة إلى بطء الإجراءات في بعض المحاكم".

وأضاف: "هذه العراقيل ظلت معهودة منذ الستينيات في غالبية البلدان الإفريقية وبعض البلدان اللاتينية"، قبل أن يخلص المتحدث إلى القول بأنه "لا يمكن لأي قاعدة كونية أن تجعل من بلد (دولة قانون) إلا القانون نفسه ومهما كانت مصادره، حسب البلد والثقافة والدين. وهذا يعني تجنّب عدم المحاسبة على الكبيرة والصغيرة وتقديس الممتلكات العمومية والصرامة في الفساد والحياد في ملفات المفسدين، كما هو الحال في البلدان النامية.

 فالمثال الأقرب هي قضية الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي وجهت إليه تهم الفساد وتبييض الأموال واستخدام تمويلات من ليبيا في حملته الانتخابية، وهو ما يجرّمه القانون الفرنسي الذي ظل يطارده حتى النطق بحكمه النهائي، وهذا ما يجب فعله في موريتانيا".

وختم المتحدث قائلاً: "ركائز دولة القانون هي أساس مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وفصل السُلَط وتقديس حقوق الإنسان، أي عدم المساس بالحريات والمبادئ الدستورية الأساسية، وهو ما يجب وضعه في أولويات سياسة وزارة العدل. ولا يمكن هنا التغافل عن دور البرامج والأجهزة المعلوماتية في تعزيز الترسانة القانونية ومحاربة الفساد والاختلاس والاستيلاء على الممتلكات العمومية".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard