شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
آفات البيئة ترفض مغادرة العراق... و"البطل" هذه المرة مياه الصرف الصحي

آفات البيئة ترفض مغادرة العراق... و"البطل" هذه المرة مياه الصرف الصحي

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الأربعاء 25 يناير 202312:44 م

من أمام إحدى الدور السكنية، في منطقة صليخ شرق العاصمة العراقية بغداد، يقف أبو علي وقدماه موغلتان في المياه بعد يوم ماطر، أحال حيّه السكني إلى بحيرة غارقة. يقول بضحكة متهكمة: "لو كنت أملك صنّارةً، لجلسنا نصطاد الأسماك هنا، ولكني للأسف لا أملك واحدةً".

وبرغم تراجع نسب الأمطار في العراق خلال السنوات الماضية، وفرحة العراقيين بها عند كل زيارة مفاجئة، إلا أن فرحتهم سرعان ما تتحول إلى سخط وأسى، بعد أن تفيض شوارع المدن وتحوّل المناطق السكنية إلى أنهار مائية، نتيجة ضعف شبكات الصرف الصحي في البلاد.

وأُسست شبكات الصرف الصحي في ستينيات القرن الماضي، لاستيعاب 3 ملايين نسمة في بغداد، في حين وصل تعداد قاطنيها حالياً إلى أكثر من 9 ملايين نسمة بحسب وزارة التخطيط، في ظل إهمال صيانتها وتجديدها من قبل الجهات المعنية، وكانت آخر صيانة شهدها هذا القطاع في عام 1999، إبان عهد النظام السابق.

مع كل موجة من الأمطار تفيض شوارع العديد من المدن العراقية، فتتزاحم المياه داخل الأحياء مسببةً تهديدات جديةً.

ومع كل موجة من الأمطار تفيض شوارع العديد من المدن العراقية، فتتزاحم المياه داخل الأحياء السكنية، مسببةً تهديدات جديةً للأمن الاجتماعي، فمثالاً، شهدت قرية حصار التابعة لمحافظة كركوك قصةً مأساويةً، بعد غرق طفلين بسبب السيول التي حاصرت منطقتهم في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. وأفاد معاون قائد شرطة المحافظة في تصريح لوكالة الأنباء العراقية حينها، بأن القوات الأمنية عثرت على جثة الطفلين بعد يوم واحد من غرقهما.

المأساة لا تتوقف عند هذا الحد، ففيضانات الشوارع تؤدي إلى تعطيل أعمال الكثير من المواطنين، بسبب عجزهم عن مغادرة بيوتهم، بالإضافة إلى ما تُلحقه مياه الأمطار من أضرار إذ تتغلغل إلى داخل الجدران، وتضعف بنيتها، كما تُعدّ عاملاً رئيسياً في انتشار البكتيريا داخل المنازل، مهددةً بذلك صحة لناس.

إهمال متعمد

أهملت الحكومات المتتالية منذ عام 2003، العناية بهذا الجانب، برغم قدرة الدولة على استيراد المواد اللازمة والإمكانيات المادية لتطويره، ولكنها أولت اهتمامها للجانب السياسي بعيداً عن شؤون المواطنين.

من اللافت أن المسؤولين يباشرون تنفيذ المشاريع الخدمية مع قرب فترة الانتخابات حصراً، بغية جذب أصوات المواطنين، ولكن ضوء مشاريعهم سرعان ما يخفت، بعد انتهاء الاقتراع النيابي أو المحلي، لتضاف بدورها إلى أكوام المشاريع المهملة.

ويوضح ذلك مصدر مسؤول في وزارة البيئة، فضّل عدم ذكر اسمه بسبب الوضع الأمني، بقوله إن وزارة الصحة والبيئة قدّمت مشروعين في عام 2012 إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الأول يتعلق بمدّ شبكات الصرف الصحي بعمق 3 أمتار تحت الأرض، من أجل تخفيف الضغط على الشبكات القديمة، فيما تناول المشروع الثاني استيراد محطات تصفية جديدة، لاستيعاب الكثافة السكانية المتفجرة، ولكن المالكي تجاهل هذين الملفين، ووجّه بتأجيلهما إلى حين قرب فترة الانتخابات.

وأعادت الوزارة تقديم الطلب إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي، عام 2014، ووافق على جانبه الأول الخاص بمدّ وصيانة بعض أنابيب الصرف الصحي، ولكن تنفيذ المشروع تلكّأ لأكثر من 5 سنوات نتيجة الفساد، بحسب تصريح المصدر لرصيف22، ولم يُنفَّذ سوى 20% من المخطط الكلي.

وبشكل طبيعي، فقد أدى هذا الإهمال إلى ارتفاع طردي في المشكلات الناجمة عن انتهاء العمر التصميمي لشبكات الصرف الإسمنتية، ليس من الناحية الجمالية وتخسف الشوارع وغرقها فحسب، ولكن لتأثيرها المباشر على حياة الناس.

مياه آسنة وأمراض

المؤثرات الصحية حاضرة بقوة ضمن سيناريو الأزمة، إذ إن قِدم شبكات الصرف الصحي سبّب انسداد العديد منها، ما أدى إلى امتداد مياه المجاري إلى الشوارع، وتالياً انتشار رائحة مياه الآسنة الكريهة داخل الأحياء السكنية لا سيما الشعبية منها، حيث ترتفع الكثافة السكانية.

الأزمة لا تتوقف عند الرائحة الكريهة، ولكن قِدم هذه الأنابيب أدى إلى تكسرات كبيرة داخل جدرانها، وانبعاث غاز الميثان منها، وإصابة العديد من المواطنين بالأمراض الرئوية والتنفسية مثل الربو، بالإضافة إلى تسمم كثيرين منهم، وإصابتهم بالأمراض الجلدية والتحسسية.

بملامح مليئة بالأسى، يروي سهيل الجنابي، من مدينة الشعب شرق بغداد، قصته ويقول: "ظهرت على رقبة ابنتي الوحيدة بقع مائلة إلى اللون البنفسجي. ذهبت إلى المستشفى وشخصوا الحالة بتحسس موسمي، ووصفوا لها مرهماً لعلاجها، ولكن الحالة بدأت بالانتشار في باقي جسدها".

ويتابع قصته لرصيف22: "أخذتها إلى أحد الأطباء. ‘ابنتك مصابة بسرطان الجلد’، هوت عليّ كلماته كالصاعقة، حاولت علاجها بلا فائدة، فقد نخر الموت جسدها، ودفنتها بعد 6 أشهر، وهي لا تزال في عامها الـ14".

سبل معالجة هذه الظاهرة البيئية ليست مستحيلةً حتى الآن، وتبدأ من تفعيل مشاريع تطوير البنية التحتية، وفرض قانون صارم يمنع التجاوز على مياه الأنهار في البلاد، إلى جانب إيصال شبكات الصرف الصحي إلى كافة المناطق، ومنها مناطق العشوائيات السكنية التي باتت بؤرةً للأمراض

ويشهد البلد زيادةً في الأمراض السرطانية، ويعلّل هذه الزيادة الطبيب المتخصص في أمراض السرطان، عبيدة السامرائي، بأن المياه الآسنة تُعدّ العامل الأبرز في انتشار هذه الأمراض، فهي الحاضنة المثلى للبكتيريا، كما أنها تساعد على انتشار الذباب والبعوض والجرذان، وهي من أبرز ناقلات الأمراض.

ويشير في تصريحه لرصيف22، إلى أن استمرار هذه الظاهرة وإهمال حلولها، ساهم بالفعل في زيادة نسب الإصابة بالأمراض السرطانية في البلاد، بسبب اختلاط المياه الآسنة بمياه الشرب.

يدرك المواطنون هذا الجانب، ولكنهم عاجزون عن التصرف، فمغادرة مثل هذه المناطق صعبة، في ظل صعوبة بيع منازلهم، ومناطقهم منبوذة لهذا السبب، وحالة قاطنيها المادية تزيد من صعوبة الأزمة.

تلوث مياه الأنهار

تضم بغداد 18 محطةً لتصفية المياه، وهذا العدد يدفع منطقياً إلى الاعتقاد بنقاء مياهها، ولكن ذلك ينافي الحقيقة، إذ تُعدّ هذه المحطات من أبرز عوامل التلوث البيئي في البلاد، وتعمل العديد منها على ضخ المياه إلى الأنهار قبل معالجتها.

ويرجع ذلك بحسب الباحث في وزارة البيئة رعد التميمي، إلى ضعف القدرة الاستيعابية لهذه المحطات، إذ تصل قابليتها إلى تصفية 13 متراً مكعباً في الثانية، في حين تحتاج بغداد وحدها بحسب الإحصائيات الأخيرة إلى تصفية أكثر من 50 متراً مكعباً في الثانية، للتقليل من حدة التلوث.

وزارة البيئة، سبق أن حذرت في تصريح لها، من تحول محطات التصفية إلى مجارٍ لرمي المخلّفات في نهر دجلة، إذ صرّح مدير عام الدائرة الفنية عيسى الفياض، لوكالة الأنباء العراقية، أن أغلب هذه المياه تُرمى من دون معالجة أو تعالَج دون المستوى المطلوب، ما يساهم في انتشار أمراض على غرار الكوليرا وغيرها.

يشهد البلد زيادةً في الأمراض السرطانية، وبأن المياه الآسنة تُعدّ العامل الأبرز في ذلك.

بالإضافة إلى ما يسببه ضخ المياه الآسنة المليئة بالطفيليات والديدان وعدم معالجتها، فإن ضعف تنفيذ القانون البيئي، أتاح للعديد من المؤسسات الصناعية والمستشفيات ضخ مياهها الثقيلة بالرصاص والزنك إلى مصبات الأنهار أيضاً.

ولإيضاح معالم الأزمة، يمكن القول إن الكثير من المزارعين يعتمدون بالفعل في ريّ أراضيهم على هذه المياه، وتالياً تتلوث محاصيلهم المطروحة في الأسواق والتي تصل إلى بيوت العراقيين. وما بين ضعف قدرة محطات التحلية على تصفية المياه، ودخول المحاصيل الملوثة إلى المنازل، يبقى المواطن سجين التلوث الناجم عن مياه الصرف الصحي.

بين الحلّ والتلكؤ

يلجأ الكثير من الناس إلى استخدام أجهزة تصفية المياه المنزلية، ولكن طبيعة عمل هذه الأجهزة لا تقارَن بعمل محطات التصفية الضرورية، كما لا تمنع الأضرار المصاحبة لطفح المياه الآسنة في الشوارع.

وبرغم ذلك فإن سبل معالجة هذه الظاهرة البيئية ليست مستحيلةً حتى الآن، وتبدأ من تفعيل مشاريع تطوير البنية التحتية، وفرض قانون صارم يمنع التجاوز على مياه الأنهار في البلاد.

وكانت أمانة بغداد قد أعلنت عن وجود خطة لصيانة شبكات الصرف الصحي وتخصيص مبلغ 250 مليار دينار لهذا الغرض، وتنفيذها خلال العام الجاري، ولكن الباحث التميمي، يتخوف من أن هذه المشاريع ستكون واجهةً للتبذير والفساد، خاصةً أن شبكات الصرف الصحي غير قابلة للصيانة، نتيجة تراكم التكسرات وقدمها، ويُفترض استبدالها بشكل كامل.

الأزمة لا تتوقف عند الرائحة الكريهة، ولكن قِدم الأنابيب أدى إلى تكسرات كبيرة داخل جدرانها، وانبعاث غاز الميثان منها، وإصابة العديد من المواطنين بالأمراض الرئوية والتنفسية مثل الربو، بالإضافة إلى تسمم كثيرين منهم، وإصابتهم بالأمراض الجلدية والتحسسية

وبذلك يكمن الحل في إعداد خطة شاملة لتنفيذ المشاريع، وإيصال شبكات الصرف الصحي إلى كافة المناطق، ومنها مناطق العشوائيات السكنية التي باتت بؤرةً للأمراض.

وعلى الجانب ذاته كانت الحكومة قد أعلنت في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عن إتمام الصيغة النهائية للمدينة الإدارية الجديدة على أطراف بغداد، من أجل تنفيذها في مدة لا تتجاوز العام 2030، ومثل هذه المشاريع قد تؤدي إلى تخفيف الضغط الناتج عن الزخم السكاني في مدينة بغداد، إذا ما حسن توزيعها على قاطني العاصمة، في ظل ضرورة إنشاء مشاريع مشابهة في كافة المحافظات.

وفي حين لا يزال العراقيون ينتظرون نهاية الأزمة البيئية، يزيد تلكؤ المشاريع في اتساع حدتها، وظهور بوادر مشكلات بيئية جديدة، قد لا تنتهي حتى القضاء على بؤر الفساد.

أفراداً، يمكننا تحسين الكثير مما يدور حولنا اليوم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard