شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"نسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي"... الحرب عززت علاقة اليمنيين بأرضهم

"نسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي"... الحرب عززت علاقة اليمنيين بأرضهم

بيئة ومناخ نحن والبيئة

السبت 21 يناير 202311:40 ص

على مدى أيام الموسم الزراعي، يُسابق الأربعيني عبده قاسم، شروق الشمس للعمل في إصلاح المزرعة في وادي السياني في ريف مدينة إب وسط اليمن، على غرار مئات الآلاف ممن يعملون في الزراعة لتأمين الغذاء لأفراد عائلتهم، عقب تدهور الأوضاع المعيشية، وانعدام فرص العمل منذ اندلاع الحرب.

وخلال السنوات الماضية، لجأ الكثير من سكان المناطق الريفية في البلاد إلى العمل في الزراعة، من خلال غرس المحاصيل المتنوعة مثل الذرة والقمح والبقوليات، خصوصاً في المزارع التي تخلّى مالكوها عن زراعتها قبل اندلاع الحرب، لكنهم عادوا إلى العمل فيها وإصلاحها لتوفير لقمة العيش في زمن الحرب.

منذ ثماني سنوات تشهد اليمن حرباً أهليةً تدخلت فيها دول خليجية وعربية وإقليمية، وتسببت في مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين، إلى جانب أزمة وصفتها الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج ما يقرب من 21 مليون شخص، أي أكثر من 66% من إجمالي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية وحماية.

العمل في الأراضي الزراعية كان الحل الوحيد لقاسم لتأمين الغذاء لأفراد عائلته.

وضمن هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الحداد، إن الحرب وتداعياتها عززت علاقة الكثير من اليمنيين بأرضهم، وعاد الكثير منهم لإصلاح مساحات واسعة من الأراضي وزراعتها بهدف تحقيق اكتفاء ذاتي على مستوى الأسر، مضيفاً لرصيف22: "الكثير من المواطنين لم يكتفوا بزراعة الحبوب بل استفادوا من الأمطار الموسمية في زراعة الخضروات والبقوليات، والتي بدورها ساهمت في تخفيف معاناتهم".

"الزراعة هي الحل"

من الصعب معرفة عدد الذين لجؤوا إلى العمل في الزراعة، لكن الحداد يقول إن اليمن بلد زراعي بامتياز، واليمنيين بطبعهم فلاحون، والنشاط الزراعي يحتل المرتبة الأولى لديهم، لافتاً إلى تحقيق معدلات إنتاج مقبولة سنوياً من الحبوب المتنوعة.

يوافقه في الرأي المزارع قاسم، قائلاً لرصيف22، إن العمل في الأراضي الزراعية كان الحل الوحيد له لتأمين الغذاء لأفراد عائلته، لافتاً إلى أنه يحقق الاكتفاء الذاتي من الحبوب المتنوعة في غالبية المواسم الزراعية، ومشيراً إلى أن كمية المحاصيل تعتمد على نسبة هطول الأمطار والجهود المبذولة من قبل المزارعين، كما تختلف أنواعها من منطقة إلى أخرى.

كان قاسم يعمل موظفاً حكومياً في التربية والتعليم في مدينة إب الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، لكن عقب إيقاف صرف رواتب الموظفين في أيلول/ سبتمبر 2016، فضّل العمل في الزراعة، فاستأجر أرضاً زراعيةً في القرية التي يعيش فيها، وعمل على إعادة إصلاحها وزراعة محاصيل أبرزها الذرة والبقوليات، معتمداً على مياه الأمطار الموسمية في الصيف.

يشرح قاسم مراحل العمل في الزراعة فيقول: "قبل بدء موسم هطول الأمطار أشرع في العمل على الأرض من خلال إصلاحها وتهيئتها للزراعة قبل غرس البذور، ويمر نمو البذور عقب زراعتها بمراحل متعددة تتطلب الاعتناء والعمل حتى موسم الحصاد بعد مرور ستة أشهر، لتبدأ مرحلة حصد الثمار التي يطلق عليها المزارعون أيام الخير".

الزراعة هي الحل لتردّي الأوضاع المعيشية لأنها تساهم في الحد من البطالة والفقر وتحسّن ظروف الناس الزراعية، خاصةً أن 75%من اليمنيين يعيشون في الريف، والجانب الزراعي مرتبط بالأمن الغذائي، بذلك فإن الجدوى الآن ليست فقط اقتصاديةً بقدر ما تتعلق بتحقيق اكتفاء ذاتي

"اكتفاء ذاتي"

تعتمد غالبية سكان المناطق الريفية في اليمن على الزراعة في تأمين الغذاء لأفراد عائلتهم، فيحققون الاكتفاء الذاتي سنوياً، خصوصاً الذين يبذلون جهوداً كبيرةً في العمل وتهيئة الأراضي خلال الفترة الزراعية التي تبدأ في منتصف نيسان/ أبريل وتستمر حتى أواخر أيلول/ سبتمبر من كل عام.

بالنسبة لقاسم فإن إجمالي المحاصيل الزراعة لهذه السنة يكفي لتأمين الغذاء لأفراد عائلته لنحو عام كامل، مشيراً إلى أنه يشتري الاحتياجات الأخرى مثل السكر والزيوت من نصف الراتب الذي يحصل عليه كل أربعة أشهر من حكومة الحوثيين.

ويضيف شارحاً: "في الموسم الزراعي الذي انتهى في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، حصلت على نحو 450 كيلوغراماً من الذرة البيضاء، و150 كيلوغراماً من القمح، ونحو 20 كيلوغراماً من البقوليات المتنوعة بين الفول والفاصوليا"، لافتاً إلى أن كمية المحاصيل في العام الماضي كانت أكثر من هذا العام بسبب عدم هطول الأمطار الكافية في الموسم الزراعي. ويشير إلى أن تكلفة شراء هذه الكميات من الأسواق قد تصل إلى نحو 290 ألف ريال يمني (قرابة 500 دولار أمريكي). في حين يبلغ متوسط الرواتب الشهرية في اليمن 33 ألف ريال.

ويقول الحداد إن "الزراعة هي الحل لتردّي الأوضاع المعيشية لأنها تساهم في الحد من البطالة والفقر وتحسّن ظروف الناس الزراعية، خاصةً أن 75%من اليمنيين يعيشون في الريف، والجانب الزراعي مرتبط بالأمن الغذائي، بذلك فإن الجدوى الآن في ظل أزمات القمح العالمية ليست فقط اقتصاديةً بقدر ما تتعلق بتحقيق اكتفاء ذاتي حتى وإن كان عالي الكلفة".

وبحسب الحداد، مع استمرار التوسع في زراعة المزيد من المساحات في الجوف والسهل التهامي، ومناطق عبس في حجة، وكذلك في مأرب وأبين وحضرموت، ستتقلص الفجوة الحاصلة بين الحاجة والإنتاج المحلي، وستخفّ فاتورة الاستيراد، ما سينعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد اليمني.

شغف اليمنيين بالزراعة

تماماً مثل قاسم، يعتمد محمد نعمان (55 عاماً)، على الزراعة في تأمين الغذاء لأفراد عائلته، ويحقق الاكتفاء الذاتي من الحبوب المتنوعة لسنة كاملة حتى يعود الموسم الزراعي في العام الذي يليه.

هناك بوادر إيجابية في زراعة العديد من المحاصيل الزراعية، خاصةً الحبوب، في عدد من المحافظات.

ينحدر نعمان من منطقة جبلة في محافظة إب، ويعمل في الزراعة وتربية الثروة الحيوانية منذ طفولته، فهو ورث ذلك عن أجداده الذين كانوا يعتمدون على الأراضي الزراعية، فهي مصدر دخلهم الوحيد الذي يعتمدون عليه في تأمين الغذاء لأفراد عائلتهم.

يقول نعمان، لرصيف22، إنه يقضي معظم أوقاته في العمل على إصلاح الأرض، فهو يستغل فترة هطول الأمطار الموسمية في فصل الصيف في زراعة الحبوب مثل الذرة والشعير والقمح والبقوليات، كما يستغل أرضه في الشتاء بزراعة الخضروات معتمداً على مياه الآبار القريبة من المزرعة.

وفي حين يحرص نعمان على الزراعة والاهتمام بالأرض، يقول الخبير الحداد: "هناك بوادر إيجابية في زراعة العديد من المحاصيل الزراعية، خاصةً الحبوب، في عدد من المحافظات، وفي حال استمر الاهتمام بالجانب الزراعي بهذه الوتيرة فقد يحقق اليمن اكتفاء ذاتياً خلال سنوات".

وأضاف الحداد أن ثمة تجارب جيدةً في زراعة القمح اليمني في محافظتي الجوف وذمار، مشيراً إلى أن الحصاد الذي جرى في أودية تهامة للذرة الشامية والذرة الرفيعة وعلف الدخن هذا الموسم كان كبيراً، وهو ما قد يدفع بالجهات الحكومية في صنعاء نحو التوسع بشكل أكبر في زراعة هذه الحبوب.

والحبوب هي المحصول الزراعي الأول في اليمن، إذ تحتل المساحات المزروعة بها قرابة نصف الأراضي الزراعية في البلاد، بنحو 512 ألف هكتار من إجمالي مليون هكتار من الأراضي الزراعية، وتليها زراعة القات التي تبلغ مساحتها 16% من إجمالي المساحات الزراعية، ثم الأعلاف التي تُزرع في مساحة نسبتها 12%، في حين تصل مساحة زراعة الفواكه بأنواعها إلى 8% فقط.

الزراعة والحرب

كما هو الحال مع العديد من جوانب الحياة، لم تكن الزراعة في اليمن بعيدةً عن تأثيرات الحرب التي تعصف بالبلاد منذ ثماني سنوات، إذ شهد القطاع الزراعي تدهوراً كبيراً بفعل أزمة المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، وغلاء الأسمدة والمبيدات الزراعية، وتراجع نسبة هطول الأمطار الموسمية، بالإضافة إلى ارتفاع الضرائب والجمارك الحكومية على المزارعين، وملاك مزارع الخضروات والفواكه.

وبحسب وزارة الزراعة والري التابعة لحكومة الحوثيين، فإن "إجمالي أضرار وخسائر القطاع الزراعي المباشرة في اليمن منذ بداية الحرب إلى أيلول/ سبتمبر 2022، قرابة 7.5 مليارات دولار، في حين تجاوزت كلفة الأضرار والخسائر غير المباشرة في هذا القطاع 103 مليارات دولار".

كان قاسم يعمل موظفاً حكومياً في التربية والتعليم في مدينة إب الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، لكن عقب إيقاف صرف رواتب الموظفين فضّل العمل في الزراعة، فاستأجر أرضاً زراعيةً وعمل على إعادة إصلاحها وزراعة محاصيل أبرزها الذرة والبقوليات، معتمداً على مياه الأمطار الموسمية

وصرح وزير الزراعة في حكومة الحوثي، عبد الملك الثور، في مؤتمر صحافي قبل أشهر، بأن "الأضرار المباشرة تمثلت في مباني ومنشآت الجمعيات الزراعية والمنشآت المائية والأسواق الزراعية ومراكز الصادرات والمستودعات والمخزن، في حين أن الأضرار المباشرة شملت استهداف أنابيب نقل المياه والمحميات والمشاتل الإنتاجية والثروة الحيوانية وقطاع الدواجن ومناحل العسل".

ونتيجةً لكل ذلك، يواجه المزارعون في اليمن صعوبات كبيرةً، إذ يقول قاسم: "الصعوبات كثيرة، من بينها ارتفاع أسعار الأسمدة، وانعدام المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، إلى جانب انخفاض هطول الأمطار في بعض المواسم".

يوافقه في الرأي الخبير الاقتصادي الحداد قائلاً: "التحديات التي تواجه المزارع اليمني كثيرة، وأبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وكذلك الأسمدة والمبيدات المختلفة، خصوصاً في السهول والأودية". ومع ذلك يرى أن " كبار المزارعين تغلبوا على أزمة الوقود وارتفاع أسعارها بالطاقة المتجددة، وحققوا نجاحاً كبيراً في هذا الجانب". ويختم حديثه بالقول إن "تضاريس اليمن متنوعة وقابلة للزراعة، ولإنعاش القطاع الزراعي والاستفادة منه لا بد أيضاً من تفعيل الدراسات والبحوث الخاصة بالزراعة".

أفراداً، يمكننا تحسين الكثير مما يدور حولنا اليوم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard