شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
الكثير من الخوف والكثير جداً من العزلة... عن الرهاب الاجتماعي

الكثير من الخوف والكثير جداً من العزلة... عن الرهاب الاجتماعي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الثلاثاء 24 يناير 202311:30 ص

"اكتبي يا شيماء عن الرهاب الاجتماعي": تقول صديقتي التي لا ترغب في رؤية أحد، ولا تريد لأحد أن يراها. تخشى مقابلات الصدفة، وتخاف المواعيد المؤجلة. تحكي لي عن أم زميلة ابنها التي كانت تهاتفها وهي بالشارع، وعرفت أنها قريبة فباغتتها بطلب المقابلة. تهرّبت صديقتي وأخبرتها أنها وصلت المنزل... الأمان هو المنزل.

لدي سرير كبير، عرضه 180 سنتيمتر، يحمل كل منها جزءاً من مخاوفي التي لم أبح بها إلا له. السرير ذو الأعمدة المرتفعة يعرف عني أكثر مما يعرف أي شخص آخر، يعرف كم مرّة تهرّبت من اللقاءات، كم مرة أغلقت الزرّ المضيء الذي يجعلني متاحة أغلب الوقت على تطبيقات التواصل، لأنني في الواقع "غير متاحة" أبداً.

في طفولتي، كنت أعتقد أنني طفلة انطوائية: لا أحب أن أذهب للأقارب، أو أبيت لأيام لدى أبناء عمومتي كما يفعل أشقائي. كنت دائمة الاختباء في ظلّ أمي حتى في نومي، كنت أكوّر نفسي بداخلها لأعود جنيناً باحثاً عن الدفء، كما كنت أخبرها، لكني كلما كبرت أعدت اكتشاف طفولتي من جديد، وعرفت أنني لم أكن أفتقد الدفء بل الأمان، ولم أجده.

يلازمني الرهاب الاجتماعي منذ سنوات، كطيف بقى من آثار اكتئاب حاد استمر لسنوات، دقات قلب متسارعة مع كل مرّة يرنّ فيها الهاتف: المكالمات الضرورية ثقيلة، وغير الضرورية ليست في الحسبان من الأساس. الخروج من المنزل مأساة ينتفض لها كامل الجسد، مقابلة الغرباء لأول مرة فيلم رعب لا يمكنني تحمله، ينتهي في أغلب الأحوال قبل بدايته، فيغرق جسدي في نهر ثقيل لا أستطيع الحراك فيه، فأعتذر عن اللقاء. يدي تتعرّق مع كل مجاملة بأنني امرأة جميلة ولافتة، هل رأيت امرأة في الأربعين تتعرّق يداها، ليس لأنها خجلة، لكن لأنها لا تود سماع تلك الكلمة.

للجسد ذاكرة لا تنسى، تتذكر يدى المرة الأولى التي قيل لي فيها: "أنت السبب" ومنذ ذلك الحين تحمّلني يدي مسؤولية ما يحدث، وفي كل مرة خفت فيها من شيء، كان يحدث، لم يخب ظني أبداً، ولم تجف يدي

للجسد ذاكرة لا تنسى، تتذكر يدى المرة الأولى التي قيل لي فيها: "أنت السبب" ومنذ ذلك الحين تحمّلني يدي مسؤولية ما يحدث، وفي كل مرة خفت فيها من شيء، كان يحدث، لم يخب ظني أبداً، ولم تجف يدي.

على مدار سنوات، أجدت رسم صورة مختلفة عني عبر المواقع الافتراضية، افترضت لي شخصية أخرى، تضحك طيلة الوقت، ساخرة من الحياة ومصاعبها، لا مبالية لأغلب ما يحدث. نجحت الحيلة واعتقد الجميع أن السيدة (ش) هي تلك القوية، الحادة، التي يخافها البعض، حتى كان أغلب من يحاول الاقتراب منها يخبرها" :احنا بنخاف منك"، وكان ذلك أمراً يجعلني سعيدة لأن يدي لا تتعرق.

لكن الأمر كان يتجدد مع كل دعوة للقاء، ومع كل اعتذار، وكل حجّة اخترعتها كيلا أذهب لاحتفال أو دعوة أو خروجة عادية أو حتى مجرد نزهة مع أصدقاء، حتى اعترفت للجميع: "أعاني من الرهاب الاجتماعي"، ولم يصدقني أحد ولن يفعل.

اعتبر البعض الأمر مزحة مثل الكثير مما أقول، والبعض الآخر رآه تعالياً. لم أناقش، الأمر لا يتعلق بهم، أنا فقط من تعرف ومن تعاني، أخاف أن تتكرّر الكلمات: "أنت السبب"، وأخاف ألا تتوقف يدي عن التعرّق حتى وهي تكتب تلك الكلمات..

"يرتبط الرهاب الاجتماعي بالثقة بالنفس، وأنا شايفك واثقة بنفسك جداً": يقول طبيبي النفسي الذي أخبرته عن معاناتي ورغبتي المستمرة في الانعزال، "العقاقير ليست مجدية مع الرهاب، تمنحك الجلسات مزيداً من الثقة، لكن بالفعل أنت لا تحتاجينها، أنت تحتاجين فقط لأن تعرفي أنك لست السبب، وأن ما يحدث كان سيحدث في كل الأحوال، لم تفعلي شيئاً لتشعري بالذنب".

أنهيت رحلتي مع العلاج النفسي بثلاثة من الأطباء والقليل من التحسّن والكثير من اللاجدوى، لكني لا أزال أنتظر ما وجده "ويل" في نهاية الفيلم، أنتظر أن أعرف أنني لم أكن السبب

يعيد حديث الطبيب مشهد روبين ويليامز مع مات ديمون، في فيلمي المفضلgood will hunting. يجسّد روبين دور الطبيب النفسي لـ ويل، الشاب عبقري الرياضيات، الذي يرفض الاعتراف بموهبته، ويخشى الاقتراب من أي شخص خوفاً من فقدانه، يهرب ويستمر في الهروب، فقط كيلا يواجه ماضيه المضطرب والإساءات التي واجهها طفلاً. في المشهد، يواجه الطبيب روبين مريضه بصور ما تعرض له في طفولته البشعة، وهو يردّد له it's not your fault.

يخبره "ويل" أنه يعرف ذلك، لكن طبيبه يصرّ: "لا، أنت لا تعرف.... It's not your fault".

ينتفض "ويل" من شدة الألم ويواجه ذاته الحقيقية للمرة الأولى، وهو يحتضن طبيبه  الذي يخبره أنه ليس خطأه بقوّة.

لم اختبر أبداً ذلك الحضن، ولم يخبرني أحد أن ما حدث لم يكن خطأي. حكم الجميع أنني المذنبة في كل المواقف، لهذا هربت من كل شيء، حميت نفسي بالاختباء. كان ذلك أهون لدي من اتهام جديد.

الأمان والقبول، تلك المنحة التي لم أنلها أبداً، لمتُ الجميع لكني أعرف أن لا شيء بأيديهم يجعل يدي لا تتعرّق، حتى طبيبي النفسي جعلني السبب في اختلاط الأدوار عليه، فوضعني في قائمة البلوك لأنه أخطأ في حق مهنته وتعاطف معي.

أنهيت رحلتي مع العلاج النفسي بثلاثة من الأطباء والقليل من التحسن والكثير من اللاجدوى، لكني لا أزال أنتظر ما وجده "ويل" في نهاية الفيلم، أنتظر أن أعرف أنني لم أكن السبب، فأترك ذات الخطاب الذي تركه البطل لصديقه بأنه "سيذهب ليجد فتاته". أنا أيضاً أريد أن أذهب لكن لأجد نفسي.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard