"الله يجيرنا من هالضحكة"... عن رهاب السعادة والخوف الدائم من الفرح

الثلاثاء 5 يناير 202105:41 م

هناك شعور مريب يجتاح بعض الأفراد حين يلاحظون بأن كل شيء حولهم جيّد لدرجة يصعب تصديقها.

والواقع، إن هؤلاء لا يستطيعون التغلب على شعورهم بالخوف الذي يصل لحدّ الرهاب من السعادة المفرطة، وعندها تأخذ مظاهر البهجة والفرح منعطفاً آخر في أذهانهم، فيتولد لديهم نفور غير عقلاني من الشعور بالسعادة والخشية من المشاركة في أي نشاط ممتع، هذه الظاهرة تُعرف بالشيروفوبيا أو "رهاب السعادة".

النفور من السعادة

بشكل عام، تعدّ السعادة والرفاهية مكوّنين أساسيين لحياة ناجحة ومرضية.

في العام 2012، حددت الأمم المتحدة يوم 20 مارس اليوم العالمي للسعادة، للاعتراف بأهمية الرفاهية كهدف عالمي لجميع الناس، بخاصة وأن السعي وراء السعادة لطالما شكل محوراً رئيسياً للأبحاث النفسية ووسيلة ضرورية لتحسين نوعية الحياة.

ومع ذلك، قد نصادف بعض الأشخاص الذين يعانون من الخوف المفرط من السعادة، الأمر الذي يؤدي إلى تجنب المواقف السعيدة والمبهجة، في سياق ما يعرف بظاهرة Cherophobia المشتقة من الكلمة اليونانية "شيرو" والتي تعني "الابتهاج".

بمعنى آخر، يمكن تعريف "رهاب السعادة" على أنه النفور الذي يشعر به المرء من الشعور بالسعادة، فيخشى المشاركة في الأنشطة التي تتسم بالمتعة، مع العلم بأن النشاط بحدّ ذاته ليس مصدر الخوف، بل الخشية من أن يحدث شيء فظيع في حال سمح الشخص المعني لنفسه بأن يشعر بالسعادة.

وبالرغم من أنه لم تتم دراسة ظاهرة الشيروفوبيا بكثافة، كما أنه لم يتم تعريفها بشكل دقيق، بخاصة وأن رهاب السعادة غاب عن الطبعة الخامسة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطربات الذهنية (DSM-5)، ولكن بعض الخبراء النفسيين يسعون لمناقشة هذا الرهاب والبحث في العلاجات المحتملة.

شكل من أشكال القلق؟

يصنّف بعض الأطباء النفسيين رهاب السعادة كشكل من اشكال اضطراب القلق، وهو شعور غير منطقي أو مبالغ به بالخوف من أخطار محتملة، وفي حالة رهاب الشيروفوبيا، يرتبط القلق بالمشاركة في الأنشطة التي يُعتقد بأنها تجلب السعادة.

يمكن تعريف "رهاب السعادة" على أنه النفور الذي يشعر به المرء من الشعور بالسعادة، فيخشى المشاركة في الأنشطة التي تتسم بالمتعة، مع العلم بأن النشاط بحدّ ذاته ليس مصدر الخوف، بل الخشية من أن يحدث شيء فظيع في حال سمح الشخص المعني لنفسه بأن يشعر بالسعادة

والمفارقة أن المصاب بهذا النوع من الرهاب ليس بالضرورة أن يكون شخصاً حزيناً، بل يتجنّب عادة النشاطات التي تبعث له الشعور بالسعادة والفرح، أما الأعراض المرتبطة برهاب السعادة، فيمكن أن تشمل التالي:

-الشعور بالقلق من فكرة الذهاب إلى مناسبة اجتماعية ممتعة، كالحفلات الموسيقية.

-رفض الفرص التي يمكن أن تؤدي إلى تغييرات إيجابية في الحياة، بسبب الخوف من حدوث شيء سيء.

- رفض المشاركة في الأنشطة التي تُعتبر ممتعة.

هذا وتتضمن بعض الأفكار الرئيسية التي قد يعبر عنها الشخص المصاب بالشيروفوبيا ما يلي:

-الشعور بالسعادة يعني أن شيئاً سيئاً سيحدث لي.

-السعادة تجعلني شخصاً سيئاً.

-إظهار السعادة هو أمر سيء بالنسبة لي، لأصدقائي وعائلتي.

-محاولة البحث عن السعادة هي مضيعة للوقت والجهد.

في العام 2013، أنشأ الباحثون مقياساً للخوف من السعادة بغية مقارنة هذه الظاهرة عبر 14 ثقافة، إذ يمكن لهذا المقياس أن يساعد الأخصائي/ة على تقييم ما إذا كان الشخص المعني يعاني من أعراض رهاب الشيروفوبيا، بحسب بعض العبارات، من بينها: أفضّل ألا أكون فرحاً جداً، لأن الفرح عادة ما يتبعه الحزن/ غالباً ما تأتي المصائب بعد حظ سعيد/ الفرح المفرط له بعض العواقب السيئة...

وبالتالي من خلال تصنيف هذه العبارات، على مقياس يتراوح من 1 إلى 7، وفق مدى موافقة الطرف الآخر، قد يتمكن الشخص المختص من تقييم مدى الخوف من السعادة.

أسباب الشيروفوبيا

في بعض الأحيان، يمكن أن ينشأ رهاب السعادة من الاعتقاد بأنه إذا ما حدث شيء جيّد لشخص ما، أو إذا كانت حياته تسير على ما يرام، فمن المتوقع حدوث شيء سيء.

نتيجة لذلك، يخشى المصابون برهاب السعادة من المشاركة في الأنشطة التي تنطوي على البهجة والسعادة، لأنهم يعتقدون أنه بإمكانهم درء حدوث شيء سيء بمجرد الامتناع عن الشعور بالسعادة، وفي العادة يحدث هذا بعد تعرّض الشخص المعني لحدث صادم، سواء كان جسدياً أو عاطفياً.

في مدوّنة على موقع سيكولوجي توداي، ناقشت الطبيبة النفسية كاري بارون، بعض الأسباب المحتملة للإصابة برهاب الشيروفوبيا، مشيرة إلى أن "هناك الكثير من الحديث عن السعي وراء السعادة هذه الأيام".

وأضافت: "قد يبدو من غير المعتاد أن يخشى شخص ما هذه المشاعر الإيجابية. إذا كان ذلك بسبب رابط السعادة/العقاب في الطفولة، فقد يكون أكثر شيوعاً مما نعتقد".

على سبيل المثال، يمكن أن ينبع رهاب السعادة من الخوف من الصراع مع شخص عزيز، أو نتيجة تجربة سيئة مرتبطة بحدث معين، بخاصة حين يكون الشخص المعني معتاداً على حدوث شيء سيء مباشرة بعد حدث سعيد: "إذا كنتم تنفرون من المتعة، فقد يكون ذلك بسبب الغضب أو العقوبة أو الإذلال"، وفق ما قالته بارون، موضحة أن مثل هذه الأحداث السيئة التي نصادفها على طول الطريق، تقتل الفرحة وتجعلنا نخشى من الشعور بالمتعة، على اعتبار أن "الوحشية قادمة".

واللافت أن الشخص الانطوائي هو أكثر عرضة للإصابة بالشيروفوبيا، لا سيّما وأنه يفضل في العادة القيام بالأنشطة بمفرده أو مع عدد قليل من الأشخاص، ويُنظر إليه على أنه متحفّظ، وقد يشعر بالخوف أو عدم الراحة في الأماكن الصاخبة.

وفي السياق نفسه، تُعد الكمالية من الشخصيات التي ترتبط برهاب السعادة، فقد يشعر الأفراد الكماليون أن السعادة هي سمة للأشخاص الكسالى وغير المنتجين، ولذلك يتجنّبون الأنشطة التي يمكن أن تجلب لهم السعادة لأنهم يعتبرونها من دون فائدة.

في حديثها مع موقع رصيف22، أوضحت الأخصائية في علم النفس، لانا قصقص، أن رهاب السعادة قد يبدأ من مرحلة الطفولة، بخاصة حين يقوم الأولاد بتصرفات تعتبر جدّ طبيعية في عمرهم، كاللعب بالوحل وتلطيخ ملابسهم، غير أن لحظات السعادة هذه يتبعها عقاب من الأهل: "عندها يربط الأولاد السعادة بالقصاص".

وفي السياق نفسه، كشفت قصقص أنه في مراحل عمرية مختلفة، قد يختبر المرء أحاسيس مفعمة بالسعادة، ليستيقظ في اليوم التالي على خبر محزن أو يتعرض لصدمة معيّنة، فيربط العقلُ الشعورَ بالسعادة بالمواقف الصادمة، ويعتبر أن كل فرحة ستتبعها أخبار حزينة وصادمة.

وتحدثت لانا عن بعض السلوكيات الخاطئة وطرق التفكير السامة التي يرزح تحتها بعض الأشخاص الذين يعانون من رهاب السعادة، كالقول باستمرار: "الله يجيرنا من هالضحكة، من بعد الضحك في أسى، لمّا الواحد بيضحك كتير بيسمع خبر مش حلو..."، مشيرة إلى أن هذه العبارات تحوّلت إلى أقوال يتداولها الناس بكثرة في جلساتهم، وأثّرت على إدراك العقل البشري للسعادة.

وبالرغم من كل الضغوطات التي نعيشها في أيامنا هذه، والجو العام السوداوي الذي يخلق روتيناً حزيناً، شدّدت لانا قصقص على ضرورة أن يفكر المرء بشكل إيجابي وعقلاني، وعدم السماح للأفكار السامة بأن تحكم قبضتها على حياته: "ما لازم نخلي هودي الأفكار غير العقلانية تسيطر علينا وتتحكم بحياتنا، لازم نعمل الإشياء يلي بتخلينا نكون سعيدين... مع كل هالحزن يلي موجود لازم نضل نفتش على الفرح يلي بخلّينا نكمّل بحياتنا".

تجاوز رهاب السعادة

نظراً لكون مرض الشيروفوبيا لا يعتبر اضطراباً نفسياً بحدّ ذاته، فإنه لا يوجد أدوية مصدق عليها من قبل هيئة إدارة الغذاء والدواء، كما أنه لا يوجد علاجات محددة يتبعها الشخص المصاب لعلاج هذه الحالة، ومع ذلك هناك بعض الحلول المقترحة والتي تشمل:

-العلاج المعرفي السلوكي، الذي يساعد الشخص على التعرف على أنماط التفكير الخاطئة وتحديد السلوكيات التي يمكن أن تساعده على التغيير.

-أساليب الاسترخاء، مثل التنفس العميق، كتابة اليوميات أو ممارسة الرياضة.

-العلاج بالتنويم المغناطيسي.

-التعرض لأحداث تثير السعادة، لمساعدة الشخص على تغير طريقة تفكيره والاقتناع بأن السعادة ليس لها بالضرورة آثار سلبية.

يمكن أن ينبع رهاب السعادة من الخوف من الصراع مع شخص عزيز، أو نتيجة تجربة سيئة مرتبطة بحدث معين، بخاصة حين يكون الشخص المعني معتاداً على حدوث شيء سيء مباشرة بعد حدث سعيد

الجدير بالذكر أن النفور من السعادة لا يحتاج بالضرورة إلى علاج، بخاصة وأن بعض الأفراد يشعرون بالأمان عندما يتجنّبون السعادة، وعليه يمكن القول إن بعض الحالات لا تحتاج إلى علاج، ما دام رهاب السعادة لا يتدخل في نوعية حياة الأشخاص أو يؤثر على حياتهم المهنية.

أما في حال كان رهاب السعادة مرتبطاً بصدمة سابقة أو نزاع أو مأساة معيّنة حدثت في الماضي ويؤثر على جودة حياة المصاب/ة، فهذا يتطلب التعاون بين الشخص المعني والأخصائي/ة للتغلب على المخاوف، من خلال معالجة السبب الأساسي وتغيير طريقة التفكير.

في الختام، إن أفضل مكان للبدء فيه هو البحث في الماضي، حتى يتمكن الشخص المصاب برهاب السعادة من محاولة تعلم التسامح مع إضاعة الوقت والاستمتاع باللحظات السعيدة، دون الخشية من العواقب السلبية والربط بين اللذة والألم.

صحيح أن التعامل مع هذه الحالة قد يستغرق بعض الوقت، ولكن في نهاية المطاف قد يتمكن المرء من تجاوز رهاب السعادة، البدء في العيش والاستمتاع في اللحظة الحالية، من دون التفكير بما قد يحمله الغد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard