شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
خوف الطُّغاة من العلم الفلسطيني

خوف الطُّغاة من العلم الفلسطيني

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 18 يناير 202302:07 م

برز في الآونة الأخيرة حضور مكثّف للعلم الفلسطيني، من خلال سياقيْن أساسييْن: رفع العلم في مونديال قطر بكثافة وإصرار، وقرار شرطة إسرائيل حظر رفع العلم الفلسطيني في نطاق دولة إسرائيل، بإيعاز من وزير الأمن القومي الجديد، الكاهاني أيتمار بن غفير، كردّ فعل على الاحتفالات التي رافقت تحرر الأسير الفلسطيني كريم يونس.

وحتى اليوم ما تزال مسألة رفع العلم الفلسطيني في إسرائيل شأناً إشكالياً لم تعرف الدولة التعامل معه بدراية تامة.

سبق ذلك استشراس شرطة إسرائيل في منع رفع العلم أثناء تشييع الصحافية المغدورة شيرين أبو عاقلة، وقرار منع رفع العلم في المؤسسات التي تمولها الدولة في حزيران/ يونيو 2022. لهذه السياقات حيثيات مختلفة، لكنها تعيد تثبيت تشبّث الفلسطينيين ومناصريهم حول العالم بهذا العلم كأداة مقاومة ورفض لا تضاهيها اليوم أداة أخرى.

لم يبقَ شخص في العالم العربي إلا وتأثر بمشاهد رفع العلم الفلسطيني أثناء وبعد المباريات، عبر المدرجات وخارجها. كان يبدو لوهلة أن مونديال 2022 هو مونديال فلسطين.

في حديث أمس الثلاثاء مع الخبير والمحلل السياسي البروفيسور أمل جمال، قال إن علم فلسطين في المونديال "كان فعلاً رومانسياً. ألوان العلم الفلسطيني هي ألوان الأمة العربية كلها وهو مرتبط بهذه الأمة". الكثيرون عزوْا ذلك إلى رغبة الجمهور العربي بالاحتجاج على معاهدات التطبيع الأخيرة، فيما رأى البعض أن رفع العلم الفلسطيني بهذه الكثافة يؤكد مجدداً أن قضية فلسطين ما تزال حتى اليوم قضية الشعوب العربية الأولى، رغم أنها لم تعد القضية الأولى المركزية لدى العديد من الأنظمة العربية ومؤسساتها.

مع كل الحب والتأثر من حضور العلم الفلسطيني في المونديال، إلا أن هذا الأمر يثبت أيضاً أن التعاطف الشعبي الجارف في العالم العربي مع القضية الفلسطينية بات ينحصر في الأفعال الرمزية فقط

ولكن، ومع كل الحب والتأثر من حضور العلم الفلسطيني في المونديال، إلا أن هذا الأمر يثبت أيضاً أن التعاطف الشعبي الجارف في العالم العربي مع القضية الفلسطينية بات ينحصر في الأفعال الرمزية فقط، من ناحية رفع العلم أو كتابة المناشير على الشبكات الاجتماعية، وهذه الأفعال الرمزية لا تُفيد فلسطينَ بأمور محسوسة يُعوّل عليها، بل ينحصر أثرها الأساسي والأهم -برأيي- في تنفيس الناس عن غضبها واستيائها مما يحدث في فلسطين وحولها. هذه ممارسات صادقة وعاطفية لا شك، لكنها تدخل في المحصلة ضمن أفعال "أضعف الأيمان".

وحتى اليوم ما تزال مسألة رفع العلم في إسرائيل شأناً إشكالياً لم تعرف الدولة التعامل معه بدراية تامة. ففور انتهاء نكسة 1967 حظرت إسرائيل رفع العلم بالمرّة، إذ إنه كان يرمز في نظرها إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي تبنّت هذا العلم عند تأسيسها عام 1964. ولكن بعد إبرام اتفاقيات أوسلو، أصدر المستشار القضائي للحكومة عام 1994 توجيهاً للسلطات بعدم فتح ملف جنائي ضد من يرفع العلم، وأكّدت المحكمة الإسرائيلية هذا الأمر عبر قرار حكم صدر العام ذاته.

رغم أن العلم الفلسطيني الحالي وضع تصميمه الشريف حسين في حزيران/ يونيو 1916 ليكون علم الثورة العربية ضد الأتراك، إلا أنه راكَمَ من وقتها طبقات من المعاني والذكريات والشحنات العاطفية.

وقد أثار رفع العلم الفلسطيني في المونديال ردود فعل غاضبة وخائبة الأمل في إسرائيل، على المستوى الإعلامي والشعبي. فقد ترافق رفع العلم مع رفض الأغلبية الساحقة من المشجّعين العرب التحدث إلى وسائل إعلام إسرائيلية حضرتْ في الدوحة. بموازاة هذا الاستياء الإسرائيلي الكبير أثناء المونديال، أصدر بن غفير أمره بتطبيق حظر رفع العلم الفلسطيني، وهو أمر يأتي في سياق النهج الجديد الذي يسعى بن غفير لتثبيته استمراراً لحملته الانتخابية الأخيرة تحت شعار: "مَن صاحب البيت؟".

ويأتي هذا الحظر المُجدّد في سياق آخر ملاصق ولا يمكن تحييده في هذا السياق: حُمّى رفع الأعلام الإسرائيلية. فثمة فارق أساسي نراه اليوم في الشارع الإسرائيلي بين العلميْن: المركز واليمين يتسابقان بينهما حول من يرفع العلم الإسرائيلي ومَن الذي يُمثل قيمه بجدارة أكبر. أهو المركز السياسي الذي يضم ما يُسمونه هنا "اليسار الصهيوني" بمشروعه التاريخي الذي بدأ بتأسيس الدولة ومؤسساتها وقيمها ونظام حُكمها، أم اليمين بتدرجات أطياف تطرفه الذي يسعى لأخذ الدولة نحو يهودية نامية تطغى على المُركب الديمقراطي المُعلنَ فيها؟

كأن الطرفيْن يشدان العلم من الجهتيْن، ولا بد أن يستسلم أحد الطرفيْن ويتنازل عن الإمساك بهذا العلم أو أن يتمزق العلم في النهاية. هذا هو الوجه النقيض لمحاربة رفع العلم الفلسطيني: لا مكان اليوم لاستحضار ما يُمثله هذا العَلم لأن إسرائيل الرسمية (مؤسسات وإعلاماً) نجحت في طمس وإخفاء مُجرّد وجود احتلال في الضفة الغربية وحصار على قطاع غزة، ولا مجال لرفع العلم في ضمن هذا التعتيم الخانق والقاتل على ما يحدث "وراء الجبال العالية"، لأن مجرد رفعه يُذكّر بكل هذا.

رغم أن العلم الفلسطيني الحالي وضع تصميمه الشريف حسين في حزيران/ يونيو 1916 ليكون علم الثورة العربية ضد الأتراك، إلا أنه راكَمَ من وقتها طبقات من المعاني والذكريات والشحنات العاطفية. يقول بروفيسور جمال: "العلم الفلسطيني هو استحضار لوجود غائب يضاهي الهيمنة الإسرائيلية والإغلاق على كل بديل ممكن لهوية الزمان والمكان. إنه يُشكل أصالةً تنافس المفهوم التاريخي للعلم الإسرائيلي. التماهي مع العلم، على المستوى الوطني المحلي وعلى المستوى العربي العام، هو بديل للانتماء الإسرائيلي الضيق".

حين يرفع فلسطيني هذا العلم، في الضفة أو غزة أو الداخل أو المخيمات والشتات، فإنه يرفع قطعة قماش غاصّة بالمعاني والذكريات والأحلام، أكبر بكثير من الألوان الأربعة التي تؤلفه

العلم الفلسطيني يحمل النكبات والانتصارات، ودموع الحزن والفرح. مرةً نراه يرفرف عالياً ومرةً يكون ملطخاً بدماء الفلسطينيين. وهو اليوم من أكثر الأعلام شهرةً في العالم إثر تحوله إلى شعار ورمز لكل المناضلين والثائرين على المظالم. أما على مستوى العالم العربي فقد تجذّر هذا العلم كرمز أول وأسطع لمدينة القدس والمسجد الأقصى، وهو يشكل لدى كل فلسطيني يُغني النشيد الوطني رمزاً لفداء فلسطين: "بحق القسم تحت ظل العلم/ بأرضي وشعبي ونار الألم/ سأحيا فدائي وأمضي فدائي/ وأقضي فدائي إلى أن أعود".

لذلك، حين يرفع فلسطيني هذا العلم، في الضفة أو غزة أو الداخل أو المخيمات والشتات، فإنه يرفع قطعة قماش غاصّة بالمعاني والذكريات والأحلام، أكبر بكثير من الألوان الأربعة التي تؤلفه.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard