شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
معرض فلسطين الدولي للحب

معرض فلسطين الدولي للحب

مدونة

السبت 1 أكتوبر 202201:20 م

أحببت هذا العنوان "معرض فلسطين الدولي للحب" لأنني شعرت في المعرض بالحب أكثر من شعوري بالكتاب، هكذا أنا أكتب ما أشعر، وسأترجم باقي المشاعر في مقالات تنشر تباعاً. وربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم!

افتتح معرض فلسطين الدولي للكتاب في مدينة رام الله في بلدة سُردا التي تقع إلى الشمال من مدينة القدس والتي تبتعد عنها مسافة خمسة عشر كيلومتراً وترتفع عن سطح البحر ما يقارب تسعمئة متر، ومنها يمكنك أن تشاهد البحر والجبال وعموم الأرض المسلوبة. كان اختيار المكان موفقاً من الناحية الرمزية، وإن كان الأمر برمته جاء عن طريق الصدفة عندما أعطى الرئيس مساحة ما عُرف وقتها بقصر الضيافة الذي تحول فيما بعد إلى مشروع لإنشاء المكتبة الوطنية، وجاءت الرياح بما لا تشتهي سفن الثقافة، فالكثير من الخبراء وأصحاب الدراية قالوا إن المكان لا يصلح لأن يكون مكتبة وطنية لأن القصر المشيّد على تلك المساحة غير مجهز لحفظ الكتب والمخطوطات القديمة ويحتاج إلى هندسة جديدة، إذ أسس ليكون قصراً للضيافة في دولة مستقلة عاصمتها "القدس الشرقية".

على سفح جبل ربما، أو هكذا خيل لي أنا ابن البحر الغشيم في أمر الجبال، لكن الطقس أخبرني في المساء أنني أشعر بالبرد، رغم ذلك كان المعرض يعج بالقادمين من كل أطراف البلاد، لم يكن معرَضاً حصراً بل ملتقى للوجوه واللهجات التي فرقها الجدار والحصار والحواجز والمطارات، وجوه فلسطينية عديدة، ووجوه عربية تعرفها بسرعة من فرط ثغرها البسّام، عُقد معرض الكتاب بدورته الثانية عشرة، حيث عقدت دورته الأولى عام 1996 في مدينة غزة في منتجع الشاليهات، وشهد حضوراً عربياً لافتاً شكل فيه ياسر عرفات رمزية أخرى للوجود الفلسطيني الرسمي الجديد آنذاك في قطاع غزة عقب اتفاقية أوسلو، ومن فرط الدلال العرفاتي لكل ما هو مصري وإكراماً لمشاركة الحاج مدبولي اشترى الرئيس كل الكتب في المعرض وقامت الوزارة بتوزيعها على المكتبات العامة والمدارس.

لم يكن معرَضاً حصراً بل ملتقى للوجوه واللهجات التي فرقها الجدار والحصار والحواجز والمطارات، وجوه فلسطينية عديدة، ووجوه عربية تعرفها بسرعة من فرط ثغرها البسّام

كتبت لنا الزيارة بعد محاولات عديدة للمشاركة في معارض الكتاب السابقة قوبلت برفض إسرائيلي، إلا أن هذه المرة وعلى غير العادة تمكن ما يزيد عن عشرين كاتباً وكاتبة من قطاع غزة من المشاركة في المعرض، وأظن أن وزير الثقافة د. عاطف أبو سيف قد اجتهد في متابعة الأمر مع الوزارات ذات الصلة وقد نجح في هذا المجال، ونجح أكثر في ترتيب أمور الوفد من ناحية الإقامة في الفندق، وترتيب بعض الزيارات الخاصة للمعرض والتقاء بعض الشخصيات السياسية.

عُقد المعرض بمشاركة ست عشرة دولة عربية وما يزيد عن 150 كاتبا، وشاعراً في الندوات التي أقيمت في صالون غسان كنفاني الملحق في العرض، إضافة إلى العديد من فعاليات الأطفال ورحلات المدارس التي لم تنقطع طيلة أيام المعرض بشكلها الجميل وحيويتها المعهودة، مما شكل نافذة مهمة لجميع من شاركوا في هذا الكرنفال الثقافي المهم للتعارف بعد سنوات عديدة من توقف المعرض بسبب كورونا والأحداث السياسية، خاصة مع تدفق عشرات المواهب الشابة التي تكتب وتقرأ بشكل مغاير عما أراده (آباء) الأدب ونظّاره، إلا (أن الحلو ما يكملشِ) على رأي أخوتنا المصريين، فإنني كنت أتوقع أن يكون هناك ترتيب لعقد ندوات أكثر عمقاً وحضوراً للكتاب القادمين من خارج الضفة الغربية سواء من أهلنا في الداخل المحتل أو قطاع غزة من أجل كسر الحاجز الذي القائم بسبب عدة حواجز ثقافية واجتماعية واحتلالية بالدرجة الأولى من أجل التشارك في الهم والأمل اليومي. إن المشاركة الفعلية هي بالانخراط في جدول وأعمال المؤتمر وليس الحضور الجسدي فقط والتقاط الصورة والتعارف وإن كان هذا الأمر مهماً جداً لا سيما أن أغلب المشاركين من قطاع غزة كانت زيارتهم هي الأولى لخارطة الوطن المتجزئة.

عُقد معرض الكتاب بدورته الثانية عشرة، حيث عقدت دورته الأولى عام 1996 في مدينة غزة في منتجع الشاليهات، وشهد حضوراً عربياً لافتاً شكل فيه ياسر عرفات رمزية أخرى للوجود الفلسطيني الرسمي الجديد آنذاك في قطاع غزة عقب اتفاقية أوسلو، ومن فرط الدلال العرفاتي لكل ما هو مصري وإكراماً لمشاركة الحاج مدبولي اشترى الرئيس كل الكتب في المعرض وقامت الوزارة بتوزيعها على المكتبات العامة والمدارس

كان الفن حاضراً على هامش المعرض، ربما ليس تجاهلاً، بقدر ما كان تواصلاً لغوياً مع اسم الفعالية "معرض الكتاب" فنحن كثيراً ما نضع الحواجز ونخترع المعاني المتحيزة لنحتمي فيها أو نتحجج على الأقل، فقد كان معرضاً للوحات بعنوان "الظل العالي" يضم مجموعة من اللوحات لفنانين فلسطينيين. وثمة معرض آخر يضم مئة لوحة لفنانين من قطاع غزة، ولا أدري لماذا تم الفصل بين المعرضين، أعلم أن النوايا حسنة، ولكن التخصيص هنا لا يخدم فكرة الوطن الواحد، لهذا لم يكن معرض اللوحات الغزية فاعلاً، وأعتقد أن زواره كانوا قليلين، لم أكن واحداً منهم، كما أن الاحتلال شارك في ذلك عندما منع دخول العديد من اللوحات على حاجز (بيت حانون – إيرز) لكن الأمر في مجمله حسن، الفعل نفسه محمود لثقتي أن النوايا كانت طبية.

انتهى المعرض، وأسدل الستار عن كرنفال ثقافي جميل جداً، كانت حسناته أكثر من هفواته، وهذا مرده إلى ترتيبات لا أعلم ما هي. فكثيراً ما كنت أسمع الهمز واللمز ولكن يبقى الأمر في طور التدافع من أجل الارتقاء بالمشهد الثقافي الفلسطيني بصورة عامة، وأهمس هنا في أذن المسؤولين عن تنظيم مثل هذه الاحتفالات الثقافية أن يهتموا أكثر بالكتاب الإلكتروني، ودخول عوالم الرقمنة لأن العالم القادم ليس هو عالم الكتاب، بل عالم اللوحة والصوت والفيديو، دون إغفال طبعاً أهمية الكتاب في التوثيق، وأن يجعلوا هذا المعرض سنوياً وأن يعقد في مكان آخر غير المكتبة الوطنية بسبب بعدها الجغرافي عن مركز المدينة وإقامته في مناطق حيوية كي يتسنى للمشاركين الخروج للتنزه وتناول الطعام وأمور أخرى لا تعلمونها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard