شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
لا نريد أن نكون "حسناوات" ولا أن نتعرض للتنمر... مشجّعات مغربيات على مدرجات ملاعب قطر

لا نريد أن نكون "حسناوات" ولا أن نتعرض للتنمر... مشجّعات مغربيات على مدرجات ملاعب قطر

حياة

السبت 26 نوفمبر 202205:32 م

"لم نتعرض للتحرش داخل المدرجات، حيث ذهبنا تلبيةً لروحنا الوطنية، لتشجيع منتخب بلادنا، لكننا للأسف واجهنا جميع أشكال التحرش والتنمر، بتداول صورنا على مواقع التواصل الاجتماعي"؛ بهذه العبارات انطلقت سلمى (اسم مستعار)، متحدثةً عن تجربتها في حضور أول حدث رياضي بالنسبة لها، مشيرةً في حديثها لرصيف22، إلى أنها لم تكن تتوقع "هذه الكمية من التنمر. نعم أعترف بأنني لا أفهم في تقنيات كرة القدم، لكن من حقي حضور المباراة، ونشر صوري من دون أن أخلق الحدث".

على غرار سلمى، فتيات كثيرات، ذهبن إلى قطر، خصّيصاً من أجل متابعة أجواء المباريات، والاستمتاع بأجواء هذا "العرس الكُروي" الذي لا تُتاح الفرصة دوماً لحضوره، لكنهن بمُجرد نشر صورهن داخل الملاعب، على حساباتهن الشخصية، تم تداولها بين جل الصفحات الكبرى على مواقع التواصل الاجتماعي، مع تعليقات على أشكالهن، وتقييم مستوى ثقافتهن الكروية، فسُلطت الأضواء عليهن، وأصبحن "الحدث".

"هوس التشجيع"... يصل إلى النساء

تقول إيمان، وهي واحدة من الشابات المغربيات اللواتي انتقلن إلى  قطر، من أجل حضور مباريات المنتخب المغربي، إن "ثقافة تشجيع مباريات كرة القدم لم تعد حكراً على الرجال، ولم يعد ولوج الملاعب عيباً، لكن لماذا عاد التنمر والتحرش بنا، بهذا الشكل؟"، مضيفةً: "والله إن صورتي وأنا في الملعب، وعلى كتفي علم المغرب، جالت صفحات الوطن العربي، والغريب في الأمر، أن كل التعليقات على شكلي، إما تنمّر أو تحرش، وهما أمران غير مرغوبين، ويحزّان في النفس".


"كأن الملاعب فضاء ذكوري محض، وغير مرحب بنا فيه كإناث؛ هكذا استوعبت الأمر في بادئ الأمر"؛ تقول إيمان، في حديثها إلى رصيف22، مردفةً أنه "حان الوقت لتتغير هذه النظرة الدونية إلى المرأة المشجعة، ويتوجب علينا كإناث انتزاع مكانتنا عُنوةً داخل الملاعب الرياضية، إذ إن الأمر عادي جداً، ويدخل في إطار التشجيع، وكذلك في إطار الوطنية، فهل هذه الأخيرة كذلك خاصة بالرجال حصراً؟".

فتيات كثيرات، ذهبن إلى قطر، خصّيصاً من أجل متابعة أجواء المباريات، والاستمتاع بأجواء هذا "العرس الكُروي" الذي لا تُتاح الفرصة دوماً لحضوره، لكنهن بمُجرد نشر صورهن داخل الملاعب، تعرضن للتنمر

في هذا السياق، تقول هيام الهادف، وهي صحافية وخريجة المعهد الملكي لتكوين أطر الشباب والرياضة، إن "الساحرة المستديرة، كونها من أهم الرياضات، ليست حكراً على الرجال فقط، ومن الحيف والظلم الاعتقاد بأن المرأة لا تفقه شيئاً في كرة القدم، فاليوم أضحى الإعلام يتحدث عن المنتخبات النسوية، ويوليها اهتماماً كبيراً بعد الإنجازات التي حققتها، كما تدير إناث التحكيم في العديد من المباريات النهائية، إذ تم اختيار 6 سيدات للتحكيم في مونديال قطر، بعدما أصبحت قائمة الحكام الدوليين في الفيفا موحدةً تجمع بين الجنسين".

"قمة الانحطاط الأخلاقي والإنساني التنمر على صور الفتيات الموجودات في المونديال، وتفريغ العُقد النفسية بهذه الطريقة المستفزة والمقززة"؛ تؤكد هيام في حديثها إلى رصيف22، مشيرةً إلى أن "المرأة هي الأم والأخت والزوجة والخالة والصديقة التي قدّمت الشيء الكثير للمجتمع إنسانياً وفكرياً وعلمياً وأخلاقياً، ولا يمكن اختزالها بعدما كرّمها الله، في جسد أو صورة للتنمر عليها".

"لم نتعرض للتحرش داخل المدرجات، حيث ذهبنا تلبيةً لروحنا الوطنية، لتشجيع منتخب بلادنا، لكننا للأسف واجهنا جميع أشكال التحرش والتنمر، بتداول صورنا على مواقع التواصل الاجتماعي"

كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، خلال مُجريات كأس العالم السابق في روسيا، سنة 2018، قد دعا إلى "التوقف عن بث صور المشجعات الحسناوات، على شاشات التلفاز، للحد من القضايا المرتبطة بالتحرش الجنسي"، وذلك بعد جُملة من الشكاوى التي وصلت إليه، وبعد تركيز عدد من القنوات على بث صور النساء المُشجعات، وكذا عقب نشر منصّة وكالة التصوير الصحافي "غيتي إميدجيز"، مجموعةً من الصور لـ"أكثر مشجعي كأس العالم إغراءً"، التي لم تكن تضم غبر صور لمشجعات، قبل إلغائها في وقت لاحق، وتقديمها اعتذاراً على ذلك.

"الوطنية تجمعنا"

بالرغم من نص "المادة 3" من أنظمة "الفيفا" على أن "أي تمييز من أي نوع (...) ممنوع منعاً باتاً ويعاقب عليه بتعليق العضوية أو الطرد"، والحديث المُستفيض، لسنوات طوال، عن نبذ التمييز ضد النساء، في كافة وسائل الإعلام، إلا أن التأكيد غاب عن الرقابة داخل مواقع التواصل الاجتماعي، بين رُوّاده من جل الفئات المجتمعية، ممّن يسمحون لأنفسهم بإعادة نشر صور المُشجّعات، والتعليق عليها بناءً على لباسهن أو شكلهن أو انتقاد حضورهن في الملاعب، وكأنهم يسمحون لأنفسهم بـ"الوصاية عليهن"، وهو الأمر الذي رفضته جُملة من الفتيات، على مدى اليومين السابقين من انطلاق فعاليات كأس العالم، مؤكدات على جملة "الوطنية تجمعنا".


تقول ماجدة آيت لكتاوي، صحافية ومهتمة بقضايا النوع الاجتماعي، إن "النساء بتن جزءاً لا يتجزأ من ملاعب كرة القدم، خاصةً خلال تظاهرات ضخمة وعالمية كمنافسات كأس العالم، وهن نساء لديهن ولاء لفرقهن ويعملن على تشجيعها ودعمها عبر الحضور في المدرجات، وهو تحول ملحوظ في علاقة النساء بالرياضة، وقد تعدى الأمر إلى احتراف إعلاميات وصحافيات ومصورات عالم الصحافة الرياضية التي كانت حكراً على الرجال حتى وقت قريب".

"تعقّب صور المشجعات والمتفرجات في ملاعب كرة القدم، خاصةً منهن الجميلات والشابات والمثيرات، استمرار للأفكار والصور النمطية التي تلاحق النساء عموماً والمشجّعات في ملاعب كرة القدم خصوصاً وترسيخ للتمييز"؛ تؤكد ماجدة في حديثها إلى رصيف22، مبرزةً أن "تداول هذه الصور على مواقع إعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تأكيد على تصنيف معيّن يضع النساء في قالب الجمال والجاذبية عوض اهتماماتهن الرياضية، الأمر الذي يسلط الضوء على الطريقة التي يتم تقييم النساء بها في المجال الرياضي، ويعطينا لمحةً عن التصورات المجتمعية والمُقولبة الجاهزة التي يُمكن أن تجعل النساء المشجّعات تحت أنظار العالم وأضواء المصورين. لا يهم حضورهن ولا تشجيعهن ولا حتى دموعهن، لأن الأهم أن تكون لافتةً للانتباه وذات جمال مثير".

"تعقّب صور المشجعات والمتفرجات في ملاعب كرة القدم، خاصةً منهن الجميلات والشابات والمثيرات، استمرار للأفكار والصور النمطية التي تلاحق النساء عموماً والمشجّعات في ملاعب كرة القدم خصوصاً وترسيخ للتمييز"

من جهته، يؤكد عبد الإله حمدوشي، رئيس المنظمة المغربية "إشعاع للمبادرة والحوار"، على أنه "لا عاقل يمكنه القبول بحملات التنمر والسخرية التي تطال الإنسان عموماً، فما بالك بالنساء من مشجعات المنتخب المغربي لكرة القدم، اللواتي لا يحق لأحد المس بحريتهن في التعبير واللباس أو غيرهما، ما دامت هذه الحرية لا تخالف القوانين ولا تمس بحرية الآخر؟"، معتقداً في الوقت ذاته أن "التنمر الذي يطال صور المشجعات، لا يقتصر على استهداف هذه الفئة فحسب، بل أصبح حالةً شبه عامة على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، ومن خلال بعض الصفحات والشخصيات التي أصبحت تمتهن التفاهة والسخرية البذيئة والسب من دون التقيد بأي ضابط أخلاقي أو قانوني".

"إننا أمام جمهور كبير أصبح يطبّع مع الكلام النابي والسخرية من جنس الإنسان أو شكله، من دون تنديد ولا استنكار، الأمر الذي صار يشكل خطراً على البنية النفسية والفكرية والأخلاقية لأطفالنا وشبابنا"، يضيف حمدوشي في حديثه إلى رصيف22، رافضاً التنمر وعادّاً أنه "مظهر من مظاهر التخلف، والمس بحقوق وحرية الآخرين في الاختلاف بما لا يتعارض مع القانون".

يظل المشجّعون لكرة القدم، يُمثّلون "اللاعب 12" في كافة البطولات، نظراً إلى دورهم في تحفيز اللاعبين، سواء كن فتيات أو شباناً، ويظل "كأس العالم" محفلاً رياضياً، ومشهداً بارزاً، تختلط فيه الرياضة بالسياسة والموسيقى والثقافة؛ ويبقى التشجيع داخل المدرجات من حق الرجال كما من حق الفتيات، اللواتي خضن غمار السفر، ليُشجعن، ويصدحن بأصوات اهتزت لها ملاعب قطر، بعيداً عن أي نوع من "التحيز الجندري" على مواقع التواصل الاجتماعي.

Website by WhiteBeard