شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
في "مونديال قطر"... غاب المنتخب المصري وحضرت "الكبدة الإسكندراني"

في "مونديال قطر"... غاب المنتخب المصري وحضرت "الكبدة الإسكندراني"

حياة نحن والمهاجرون العرب

السبت 26 نوفمبر 202201:21 م


في مارس/ آذار الماضي، خرج منتخب مصر نهائياً من التصفيات المؤهلة لمنافسات كأس العالم المقامة حالياً في قطر، بعد هزيمته أمام منتخب السنغال.

بكى لاعبو المنتخب المصري للتفريط في فرصة التأهل، واعتذر كابتن المنتخب محمد صلاح، وأنهى اتحاد الكرة عقد المدرب وأعلن عن تقديم شكاوى ضد ممارسات جماهير السنغال "التي تسببت في ضياع ركلات الترجيح".

بدأ المونديال من دون مشاركة للمنتخب كان المصريون يتمنونها، إلا أن البصمة المصرية لم تغب عن أرض المونديال، ولكن من دون خوف من "ظلم التحكيم" أو ممارسات الجماهير، ممثلة في الكرات التي تركلها أرجل اللاعبين وتسجل بها الأهداف في المباريات، طرأت فكرة لإداري مصري يعمل في قطر ليضع أكل الشارع المصري في قلب المونديال.

عربة الكبدة الأولى في قطر

أحمد البسيوني، مصري يبلغ من العمر 37 سنة، ويعمل مديراً إدارياً في إحدى شركات الأدوية القطرية، تلخصت فكرته في إبراز الثقافة المصرية بما تشمله من مأكولات، وأمثال شعبية، وأغان، وغيرها، من خلال تقديم "سندوتشات الكبدة الإسكندراني" لجمهور المنتخبات العالمية في منطقة "المسلية"، بالقرب من مركز المواصلات الخاص بملاعب مدينة الدوحة، وفي محيط استادي خليفة والسد.

حلم خريج كلية الحقوق وزوجته الطبيبة البشرية بمشروع "عربية الكبدة" في قطر حيث يقيم منذ 13 عاماً، وبدأ في الإجراءات وخضع للمراجعات القانونية والصحية التي مكنته من بدء مشروعه أثناء المونديال.

منذ الدقائق الأولى توافد عليه زبائن من شتى الجنسيات

يقول البسيوني لرصيف22 إن اختياره "الكبدة" جاء لكونها واحدة من أكثر الأكلات الشعبية انتشاراً في مصر، وكون طريقة طهوها وتقديمها المعتمدة على عربة خشبية صغيرة الأبعاد، تجعلها حاضرة في كل شارع مصري تقريباً وقابلة للإنشاء والتفكيك بسهولة وسرعة. كما يعتقد البسيوني أنها واحدة من الأكلات التي تبقى في ذاكرة السائحين بعد خروجهم من مصر، كما لاحظ من إشادة أصدقائه القطريين بها بعد كل إجازة يقضونها في مصر.

تأسيس مطعم أو كافيتريا واستخراج سجل تجاري وتصريح للعربة، كانت خطوات لازمة تسبق محاولة الحصول على مساحة في الأماكن المخصصة لعربات الأكل السريع في منطقة احتفالات كأس العالم، يوضح البسيوني أن هدفه من البدء مع البطولة كان جذب السياح وتعريفهم بالثقافة المصرية، فاعتمد في تجهيز العربة على لافتات تحمل أمثالاً شعبية مصرية وتشغيل أغانٍ لأم كلثوم وعبدالحليم حافظ. مضيفاً أنه كاد يفقد الأمل تخوفاً من ضيق الوقت، إلا أن المصادفة لعبت دوراً كبيراً، عندما تواصل معه صديق قطري لاستشارته في أمر يخص عمله، وعلم أنه مستوفي الشروط الخاصة بحلمه، وحين أخبره البسيوني برغبته في تنفيذ الفكرة، عرض عليه الانضمام له تحت بند الشراكة الإستراتيجية الذي يعجل من الإجراءات إن كان الشريك في المشروع قطرياً، ليتحقق الحلم.

الكبدة الاسكندراني واحدة من الأكلات التي تبقى في ذاكرة السائحين بعد خروجهم من مصر، كما لاحظ من إشادة أصدقائه القطريين بها بعد كل إجازة يقضونها في مصر

قبل يومين من انطلاق المونديال بدأت عربة "على بركة الله" عملها، بعد افتتاح باستعراض من فولكلور صعيد مصر.

يُقدم أحمد البسيوني ساندوتش الكبدة بـ10 ريالات (2.75 دولار أمريكي) وطبق أرز باللبن بالسعر ذاته. لم يتوقع الإقبال والتعليقات الإيجابية. يقول إنه منذ الدقائق الأولى توافد عليه زبائن من شتى الجنسيات، موضحاً أنه قرر أن تكون الأسعار "في المتناول" كوسيلة لجذب الانتباه، فأقل سعر للساندوتش في محيطه 18 ريالاً (4.94 دولار أمريكي).

ثقافة العمل

طوال 13 عاماً قضاها في قطر تنقل البسيوني في مجال الأعمال والإدارة، فأسس شركة مقاولات وتوقف عن العمل بسبب تعثرات مالية نتيجة المقاطعة بين مصر وقطر، ليستقر في عمله الحالي كمدير إداري ومالك أول عربة كبدة في قطر، يوضح أن الطبخ هوايته المفضلة وخبرته عن الكبدة  كانت منذ فترة الثانوية العامة، حيث عمل مع شقيقه الأكبر لفترة صغيرة على عربة كبدة في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، إلا أن المسؤول عن تحضير الكبدة في عربته الجديدة شيف يحمل الشهادة الصحية، مضيفاً أنه كممثل لمصر لا بد أن يُقدم مستوى عالياً من النظافة والتميز.

لم يخف أحمد وزوجته من التعليقات السلبية التي قد يتعرضان لها في حالة إقامة المشروع ذاته في مصر، يقول إن الأمر في قطر مختلف، فثقافة "البزنس" هي الأساس، مبيناً أنه في حالة نجاح مشروع "الكبدة"؛ سيتفرغ له ويترك وظيفته الإدارية في شركة الأدوية

لم يخف أحمد وزوجته من التعليقات السلبية التي قد يتعرضان لها في حالة إقامة المشروع ذاته في مصر، يقول إن الأمر في قطر مختلف، فثقافة "البزنس" هي الأساس، فهناك زملاؤه على درجات وظيفية أعلى كثيراً وأسسوا مشاريعهم الخاصة. المهم أن يعمل شيئاً يحبه، موضحاً أنه قد يتفرغ للمشروع بشكل كامل في حال تحقيقه لنجاح كبير.

سعادته بالمشاركة في كأس العالم على طريقته الخاصة لم تُنسه سعادته بعودة العلاقات بين وطنه الأم وبلد الإقامة، موضحاً أن المصالحة سهلت الكثير من الأمور على المصريين المُقيمين في قطر، من نقل الكفالات، والاستقدام العائلي، والزيارات متمنياً أن يُفتح المجال لاستخراج"فيزة" العمل للمصريين في الفترة القادمة، مضيفاً أن التعاملات بين المصريين والدولة القطرية كانت في حالة جيدة طوال فترة المقاطعة ولم تتأثر بها. 

قصص المهاجرين وتفاصيلها تعكس حال بلادنا، كما تعكس ما كنا نسعى إليه في هذه البقعة من الأرض. توثيق التجارب سيتيح لنا بناء المجتمعات التي نرجوها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

نؤمن في رصيف22، بأن متابعة قضايا العرب خارج العالم العربي، في المنفى، هي أيضاً نظرة إلى أنفسنا، وإلى الأسباب التي اضطر -أو اختار- من أجلها الكثيرون إلى الهجرة بحثاً عن أمانٍ في مكانٍ آخر، كما أنها محاولة للفهم وللبناء وللبحث عن طرائق نبني بها مجتمعات شاملةً وعادلةً. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard