كأس العالم في ميزان السياسة و"الحقوق"... قطر تفرض إيقاعها وأجندتها

الثلاثاء 22 نوفمبر 202203:57 م

انطلق الحدث الكروي الأشهر في العالم، والذي يحظى دوماً بزخم كبير، لكن الدورة هذه كانت، منذ آذار/ مارس 2009، محط تساؤلات وانتقادات، أي منذ لحظة إعلان الفيفا في ذلك التاريخ إعطاء قطر حق استضافة كأس العالم 2022، وما رافقه من ضجة على مستويات متعددة ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في تنحّي رئيس الفيفا السابق سيب بلاتر، عن منصبه عام 2015، بعد فضائح متتالية تتعلّق بالفساد في المنظمة الكروية الأكبر عالمياً.

يوم الأحد، 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، انطلقت فعاليات البطولة. معها، كانت الأنظار كلّها تتجه إلى العاصمة القطرية الدوحة واستضافتها، وهي الدولة التي تستمد الكثير من تشريعاتها من الشريعة الإسلامية، فضلاً عن احتضانها للكثير من الإسلاميين المبعدين من بلدانهم، ولا يقتصر هؤلاء على جماعة الإخوان المسلمين. لذا كان السؤال الدائم: كيف ستتعامل الدوحة مع جماهير غفيرة متعددة، وتحديداً تلك الغربية وعاداتها واختلافها الجذري مع تلك الموجودة في الدوحة؟

مجتمع الميم-عين

تحدث الكثيرون عن متطلبات الجماهير الغربية، ومنها الخمور التي يفضلها على سبيل المثال مشجعو المنتخب الإنكليزي الذين اعتادوا على شربها كطقس أصيل داخل الملاعب وخارجها، ولكن اليوم عليهم الالتزام بقرار الدولة المضيفة منع الخمور، الذي سبق الحدث بيومين، أي بعد وصول الجماهير لمتابعة منتخباتها، وتماهت معه الفيفا، ليصبح أمراً واقعاً.

علقت العديد من الاتحادات على قرار الفيفا بمنه ارتداء شارات "حب واحد" بأنها تشعر بإحباط شديد من القرار غير المسبوق

أما الأهم، فهو حضور مجتمع الميم-عين وعزمهم السابق على رفع علم قوس القزح الذي يرمز إليهم، وكان الجميع ينتظرون كيف سيكون التعامل مع هذا الواقع، خاصةً بعد التصريحات المتضاربة من المسؤولين القطريين والتي تراوحت بين الرفض القاطع ومن ثم الكلام عن الترحيب بكل الثقافات والاختلافات، وصولاً إلى قانون الدولة الذي يُجرّم مجتمع الميم-عين، والترويج له، بشكل جازم.

أعلن قادة منتخبات 10 دول أوروبية، هي إنكلترا وويلز وبلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا والنرويج والسويد وسويسرا وهولندا، أنهم سيرتدون شارة One Love في مباريات دوري الأمم وكأس العالم 2022 في قطر، قبل أن تتدخل الفيفا وتحسم الجدل من خلال إصدارها بياناً تمنع فيه ارتداء هذه الشارات والالتزام بالشارات التقليدية، ما اضطر منتخبات إنكلترا وويلز ودول أوروبية أخرى، إلى الإعلان عن أنها لن ترتدي شارة "One Love" (حب واحد)، لدعم مجتمع الميم-عين في مباريات كأس العالم في قطر، بسبب التهديد بمنح بطاقات صفراء لمن يرتديها.

وقال بيان مشترك صادر عن سبعة اتحادات لكرة القدم، إنها لا تستطيع وضع لاعبيها "في وضع يمكن أن يواجهوا فيه عقوبات رياضيةً"، وجاء في البيان: "نشعر بإحباط شديد من قرار الفيفا الذي نعتقد أنه غير مسبوق"، ولا أحد يعلم إلى الآن هل سيسفر هذا الأمر عن خلاف بين هذه المنتخبات و"فيفا"؟

أكثر من ذلك، شهد اليوم الأول والثاني للحدث العالمي، منع السلطات القطرية للجماهير التي ترتدي إشارات وملابس ترمز إلى مجتمع الميم-عين من دخول الملعب لمشاهدة المباريات، وهو ما حصل مع الصحافي غرانت وال الذي احتُجز لنحو نصف ساعة، بسبب ارتدائه قميصاً عليه علم قوس القزح، وطُلب منه نزعه، قبل أن يُسمح له بالدخول، ومن بعدها تم الاعتذار إليه، من قبل مسؤول أمني في ملعب الريان، ومن قبل الفيفا.

ساحة سياسية

في حفل الافتتاح، حضر كثر من قادة الدول، تحديداً تلك التي تتخاصم سياسياً. في المشهد، يظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وفي الخلفية أمير قطر تميم بن حمد مبتسماً، وأُطلق على هذه المصافحة "مصافحة المونديال"، وهو اللقاء المباشر الأول من نوعه منذ تولّي السيسي رئاسة مصر، وبعد قطيعة طويلة، وتقارب بدأ يلوح في الأفق في الأشهر القليلة الماضية.

يقول المحلل السياسي السعودي، مبارك آل عاني، لرصيف22، إن المونديال هو مناسبة لما يمكن تسميته بدبلوماسية الرياضة، إذ كان هناك تخطيط واضح لأن تلتقي القيادات السياسية المختلفة في ما بينها لتكون فرصةً لإذابة الخلافات وحلحلة القضايا العالقة.

المونديال هو مناسبة لما يمكن تسميته بدبلوماسية الرياضة، إذ كان هناك تخطيط واضح لأن تلتقي القيادات السياسية المختلفة في ما بينها لتكون فرصةً لإذابة الخلافات وحلحلة القضايا العالقة

كذلك، استغل لاعبو المنتخب الإيراني مباراتهم الأولى مع إنكلترا، للإعلان عن اعتراضهم على النظام الحاكم وتضامنهم مع المحتجين الإيرانيين في ظل الاحتجاجات المستمرة في بلادهم، فامتنعوا عن أداء نشيد بلادهم الوطني، وقابلهم الجمهور الإيراني بالتصفيق وحمل رايات "المرأة، الحياة، الحرية".

وتشهد إيران منذ قرابة شهرين، احتجاجات أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني (22 عاماً)، بعد ثلاثة أيام من توقيفها من قبل شرطة الأخلاق، لعدم التزامها بالقواعد الصارمة للّباس التي تفرضها السلطات الإيرانية.

الروابط الخليجية

ساهم كأس العالم وإقامته في دولة قطر في فك، بشكل رسمي وعملي، حالة الحصار التي ظلّت لسنوات تعاني منها، كما بات جزءاً من توطيد العلاقات الخليجية وخاصةً السعودية والإماراتية مع الدوحة، فيما باتت البحرين في الظل من دون تحرك يُذكر.

وسيّرت السعودية العديد من رحلات الطيران، لمن يحملون بطاقات "هيّا"، لزيارة المملكة لمدة 60 يوماً، وذلك تماشياً مع الوجهة الجديدة للمملكة في الانفتاح على العالم وتشجيع السياحة في داخلها، في تطبيق لرؤية 2030 التي سبق أن أعلن عنها ولي العهد محمد بن سلمان، قبل سنوات.

وبقيت دولة البحرين بعيدةً عن المشهد، إذ لا وجود لرحلات جوية مباشرة حتى اليوم ولا خلال المونديال، ولا مناطق للمشجعين، والقليل من الإعلانات للبطولة التي تبعد مسافة رحلة قصيرة عن شواطئ المنامة.

بات المونديال جزءاً من توطيد العلاقات الخليجية وخاصةً السعودية والإماراتية مع الدوحة، فيما بقيت البحرين في الظل 

في المقابل، حضر نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي محمد بن راشد، حفل الافتتاح، في إشارة واضحة إلى الانفتاح المستجد بين البلدين، وقال في تغريدة له على موقع توتير: "الدوحة ستكون عاصمة الرياضة العالمية لمدة شهر من اليوم، حفظها الله، ووفّق شعبها وقيادتها لكل نجاح وسداد"، فيما فنادق دبي والإمارات بشكل عام تكتظ بالجماهير التي أتت لتشجع منتخباتها وتتنقل بين الدوحة ودبي لهذا الغرض.

ويقول المحلل السياسي السعودي، حمود الرويس، لرصيف22، إن "العلاقات الخليجية متجذرة بين قيادات وشعوب الخليج مهما طرأ من أحداث وإحداها العلاقات القطرية مع دول الخليج منذ 1997 بعد انقلاب الشيخ حمد بن خليفة على والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، والتوترات التي أدت إلى سحب السفراء من الدوحة في 2014 و2017 والتي أنهاها حكماء الخليج في قمة العلا".

استثمار متعدد

منذ قمة مجلس التعاون الخليجي التاريخية التي عُقدت العام الماضي في مدينة العلا في السعودية، والتي شهدت النهاية الرسمية للخلاف الخليجي، تحسنت علاقات قطر مع مصر والسعودية، وبدرجة أقل مع الإمارات. لكن على الرغم من ذلك، لم يكن هناك إصلاح حقيقي للعلاقات بين الدوحة والمنامة، إذ يقول مسؤول تنفيذي في إحدى الصحف البحرينية لموقع Middle East Eye، إن هناك تعليمات من الحكومة البحرينية لتخفيف حدة تغطية أحداث كأس العالم في قطر. 

يضيف الرويس: "نعلم جميعاً أن الرياضة وبالذات كرة القدم تُعدّ من القوى الناعمة التي تؤثر بها الدول وتتأثر بها الشعوب وتكون إحدى أدوات التقارب في كثير من أحداثها. وكأس العالم فرصة لمد الجسور بين دول المنطقة بالرغم من أننا لم نشاهد هذا التقارب في كأس آسيا 2019، والتي استضافتها قطر ولعبت فيها منتخبات السعودية والامارات، لأن الأجواء السياسية كانت متوترةً، لذا لم نشاهد مناظر التقارب التي نشهدها حالياً بين القيادات بعد المصالحة الخليجية".

هناك حرص على استثمار كأس العالم لتكون هناك لقاءات خليجية وعربية، كلقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الجزائري، وهو لقاء مهم جداً، وأيضاً لقاء الرئيسين المصري والتركي

من جهته، يشير العاتي إلى أن "تنظيم دولة خليجية وتحديداً قطر لكأس العالم فرصة لجذب الأنظار سياسياً ورياضياً واقتصادياً إلى منطقة الخليج، لتثبت أنها الأجدر في تنظيم مجموعة من القضايا، وبالفعل مثّل كأس العالم فرصةً لدول الخليج لتبدي تلاحماً مع بعضها البعض، وهو ما تمثّل من خلال عرضها منح الشقيقة قطر كل ما يلزم في سبيل إنجاح هذا الحدث الكروي العظيم".

ويؤكد العاتي على أن هناك حرصاً على استثمار كأس العالم لتكون هناك لقاءات خليجية-خليجية وعربية، وعلى سبيل المثال لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الجزائري، وهو لقاء مهم جداً، وأيضاً لقاء الرئيسين المصري والتركي، ما يؤكد على أن هناك تنسيقاً للّقاءات السياسية لإذابة الجليد، كما مثّل كأس العالم فرصةً لتعبير الشعوب عن رفضها لأنظمتها كما حدث مع المنتخب الإيراني الذي عبّر عن رفضه لسياسات بلاده".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard