البقاع محطّ رحال الصيادين... لا يبالون بالكلفة ولا بالقوانين

الخميس 24 نوفمبر 202203:23 م

تبدأ رحلة صيد الطيور فجراً. قبل شروق الشمس، يتوجه الصيادون في لبنان إلى "المقوص" الذي عادةً ما يكون في مناطق البقاع التي تعبر فيها الطيور المهاجرة، في القاع، وحربتا، والفاكهة، وغيرها من المناطق التي تُعدّ مقصداً للصيادين، مع العلم بأن في لبنان نحو 30 منطقةً من البقاع إلى الجنوب تمر فيها الطيور المهاجرة. ينتشرون على شكل خطوط، تشكل الحدود غير المرسومة بين صياد وآخر، فلا أحد يتعدى على منطقة أحد؛ هكذا تقول أخلاقيات الصياد، التي تجد أحياناً من يُخالفها، فتشكل سبباً لخلاف من هنا وامتعاض من هناك.

يشكل البقاع ومناطقه الجردية مقصداً لمحبّي الصيد وهواته في هذا الوقت من العام، كون خريطة طريق الطيور المهاجرة التي تبدأ في القليعات في الشمال، وتصل إلى دير ميماس بالجنوب، تمر بسهول البقاع وجروده، وهذه المساحات "البور" تُتيح للصيادين ممارسة الصيد براحة أكبر.

خريطة أعدها البروفسور في علوم البيئة والطيور البري والتنوع البيولوجي والغابات اللبناني، غسان رمضان جرادي.

المطوق هدف الصيادين

يُعدّ لبنان بحسب "المجلس العالمي لحماية الطيور"، ثاني أكبر مسار للطيور على مستوى العالم، وهنا الحديث عن طيور نادرة وأخرى جارحة، وهي لا تؤكل ومهمّة بيئياً، بالإضافة إلى الطيور التي يتم صيدها بكثرة كالمطوق، الذي هو بحسب أبي علي حمدان، وهو صياد قديم لم يعد قادراً على ممارسة هوايته، من أبرز الطيور التي يتم اصطيادها، مشيراً في حديث لرصيف22، إلى أن موسم صيد المطوق يبدأ نهاية تشرين الأول/ أكتوبر، حتى نهاية العام.

يُعدّ لبنان بحسب "المجلس العالمي لحماية الطيور"، ثاني أكبر مسار للطيور على مستوى العالم، وهنا الحديث عن طيور نادرة وأخرى جارحة

بحسب أبي علي، فإن المطوق الذي يأكل حبوب القمح المنثورة في الحقول في هذه الفترة من العام يُعدّ بمثابة "مصيبة" تقع على رؤوس المزارعين، ومن هنا يقوم الصيادون في البقاع باصطياده وأكله، خلال هجرته هرباً من صقيع أوروبا.

تقليد سنوي مُكلف

"هو تقليد سنوي"، يقول أحمد حسن وهو أحد الصيادين المتوجهين من بيروت إلى البقاع مساءً، مشيراً إلى أن انتظار الشتوة الأولى طال هذا العام، الأمر الذي أخّر ممارسته لهوايته المفضلة حتى منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر.

تبدأ مغامرة الصياد عند وصوله إلى شتورا، حيث يقصد أحد محال بيع الخرطوش للتزوّد بها. يقول حسن لرصيف22: "داخل المحل دائماً ما تجد أشخاصاً يتحدّثون عن ‘المرق’، والمقصود به كثرة أعداد الطيور المهاجرة في وقت معيّن. فعندما يسمع الصياد أن ‘المرق’ جيد، فهذا يعني أن الصيد سيكون ممتعاً ومثمراً، وسيجعله بحاجة إلى شراء الكثير من علب الخرطوش، ونحن نعلم أن وجود هؤلاء الأشخاص داخل المحل هو جزء أساسي من عملية التسويق للبيع، كوننا سمعنا سابقاً كلامهم وفوجئنا بغياب الطيور".

لا شكّ أن الأزمة الاقتصادية أثّرت على هذه الهواية، فالصيد يُعدّ من الهوايات المُكلفة، أولاً بسبب ارتفاع كلفة التنقل بسبب غلاء المحروقات، وثانياً لأن أسعار الخرطوش ارتفعت هذا العام عن العام الماضي، ما بين 10 إلى 20 في المئة، إذ يُشير أحمد الذي يقصد البقاع برفقة 4 من أصدقائه للصيد، إلى أن "صندوق الخرطوش مكوّن من 10 علب، في داخل كل علبة 25 خرطوشةً، وكان يبدأ سعره من 50 دولاراً أمريكياً، بينما هذا العام يبدأ السعر من 65 دولاراً، ويصل إلى حدود الـ80 دولاراً، بحسب النوعية، ما يعني أن سعر الخرطوشة الواحدة يبدأ بنحو 26 سنتاً، ويصل إلى 32 سنتاً، أي ما يُعادل اليوم على سعر الصرف الحالي، ما بين 10،400 ليرة لبنانية، و12،800 ليرة لكل خرطوشة"، وفي حال كان المرق جيداً فيمكن للصياد أن يصرف الصندوق كاملاً في يوم واحد، وهذا ما يجعل هذه الهواية مكلفةً.

"هذه الأسعار، التي تعتمد على الدولار، قلّصت أعداد الصيادين المواظبين على ممارسة هوايتهم"؛ يقول طوني، وهو أحد أصحاب محال بيع الخرطوش في منطقة شتورا البقاعية ومحيطها التي تضم أكثر من محلّ شهير لبيع أدوات الصيد كعفيش، عاصي، رميا، والصياد وغيرها، مشيراً في حديثه لرصيف22، إلى أن رحلة الصيد كانت تجمع ما بين الصياد المحترف والأشخاص الذين يريدون قضاء وقت ممتع، ومع ارتفاع الأسعار تقلّصت أعداد الفئة الثانية.

رحلة الصيد كانت تجمع ما بين الصياد المحترف والأشخاص الذين يريدون قضاء وقت ممتع، ومع ارتفاع الأسعار تقلّصت أعداد الفئة الثانية، فماذا عن الفئة الأولى وماذا فعلت؟ 

أما بالنسبة إلى سوق أسلحة الصيد، فقد ضعُف كثيراً، يقول الرجل، ويضيف: "سلاح الصيد يُعدّ من المقتنيات الثمينة التي تستمر من جيل إلى جيل، وفي حال كان السلاح أصلياً ومصنوعاً بجودة فإنه يعيش لأجيال، لذلك لا يحتاج الصياد إلى تغيير سلاحه بشكل دوري، أما الذين يريدون شراء أسلحة جديدة فأعدادهم ليست كبيرةً مع مسألة انهيار العملة المحلية في لبنان".

هواية للخارجين عن القانون؟

يقول أحد الصيادين الذين التقيناهم في سهل الجبّولة بين منطقتي اللبوة ورأس بعلبك، إن "هواية الصيد في لبنان هي للخارجين عن القانون بسبب غياب الدولة عن متابعة تنظيم هذه الهواية"، فالدولة وبالرغم من إقرارها قانون الصيد البري رقم 580 في شباط/ فبراير عام 2004، والذي نظّم كيفية الحصول على رخص الصيد، التي تُعدّ أمراً ضرورياً وأساسياً لممارسة هذه الهواية، إلا أن التطبيق جاء منقوصاً كما الحال في تطبيق كل القوانين التي يقرّها المجلس النيابي.

في العام 2012، وعلى متن القرار رقم 198/ 1، ورد نص واضح وصريح عن كيفية الاستحصال على رخصة للصيد البري، إذ نص القرار في مادته الأولى على متطلبات التقدم بطلب الحصول على الرخصة، وفي مواده الأخرى على تنظيم الطلب وكيفية دراسته من قبل وزارة البيئة التي تُقدَّم الطلبات إليها، وتصدر عنها خلال مهلة شهرين من تاريخ تسجيل كل طلب في قلم الوزارة، على أن يكون عدم الرد بمثابة قرار ضمني بالرفض.

لم يكن تقديم طلب الرخص عشوائياً، بل نص القرار رقم 212/ 1، على ضرورة إجراء المتقدم بطلب للحصول على ترخيص للمرة الاولى، امتحاناً ملزماً عليه النجاح فيه لأجل استكمال المعاملة، ما يُشبه امتحان القيادة، إذ من غير المنطقي منح رخصة لشخص لا يُجيد استخدام سلاح الصيد، أو غير مؤهل جسدياً ونفسياً لذلك.

قانون الصيد البري رقم 580 نظّم كيفية الحصول على رخص الصيد، التي تُعدّ أمراً ضرورياً وأساسياً لممارسة هذه الهواية

كانت مسألة الترخيص مساعدةً بعض الشيء لضبط الصيد، تقول مصادر مسؤولة في وزارة البيئة، مشيرةً الى أنه بالرغم من سوء التطبيق في كثير من الأحيان بسبب عدم تجاوب القوى الأمنية مع هذه المسألة، إلا أن الوزارة كانت تُصدر تراخيص كثيرةً ما يعني أن الصيادين الذين يريدون ممارسة هوايتهم يهمهم أن تكون قانونيةً، لكن في الآونة الاخيرة تبدّل كل شيء بالنسبة إلى انتظام العمل العام.

أين أصبح القانون؟

في أيلول/ سبتمبر عام 2020، أعلنت وزارة البيئة عن البدء بتلقّي طلبات رخص الصيد البري عبر جميع مراكز ليبان بوست وذلك لموسم الصيد البري الممتد من 22/9/2020 ولغاية 15/2/2021، ولم يُفتح موسم الصيد مجدداً.

بحسب مصادر معنية في وزارة البيئة، فإن موسم الصيد يُفتح بناءً على توصية تصدر للوزارة من قبل المجلس الأعلى للصيد البري، مشيرةً عبر رصيف22، إلى أن المجلس لم يُدعَ بعد إلى جلسة هذا العام، وتالياً يستمر إقفال موسم الصيد لهذا العام كما كان مقفلاً العام الماضي.

تكشف المصادر أن "المجلس يجتمع بناءً على طلب وزير البيئة الذي يفكر في هذا الموضوع بعد طلبات عديدة من قبل صيادين وأصحاب مصالح متعلقة بالصيد وأصحاب نوادي الصيد"، مشيرةً إلى أن "إقفال الموسم يعني أن كل من يمارس هواية الصيد يُعدّ مخالفاً للقانون، ويمكن للقوى الأمنية أن تطبق عليه القانون والمادة 14 منه تحديداً".

هناك صيادون لا يلتزمون لا بالقانون ولا بالأخلاق، فيصطادون كل أنواع الطيور حتى تلك النادرة والجارحة، ما يتسبب في كثير من الأذى للطبيعة والحياة فيها، فكيف يستفيدون من غياب الدولة؟

وتنص هذه المادة على أنه "يعاقَب بالحبس حتى شهر وبغرامة توازي خمسمئة ألف ليرة أو بإحدى هاتين العقوبتين، وبسحب رخصة الصيد من سنة إلى ثلاث سنوات، كل من ضُبط، وهو يمارس الصيد خارج الموسم أو الأوقات التي يُسمَح الصيد فيها"، وبحسب المادة 15 التي تنص على أنه "يعاقَب بالحبس وبالغرامة المنصوص عليها في المادة السابقة أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفي مطلق الأحوال، بإتلاف الأجهزة ومصادر السلاح، كل من يصطاد دون رخصة".

الصيّاد وأخلاقه

لا يُبالي الصيادون وأصحاب محال بيع عدة الصيد بعدم فتح الموسم لهذا العام، فالصياد ينتظر هذا الوقت لكي يُمارس هوايته المفضّلة، وأصحاب المحال ينتظرونه لتحقيق الأرباح، مع التأكيد أن الطرفين يعلمان بأن "أحداً" ليس في وارد تطبيق القانون أو ملاحقة المخالفين، مع العلم أن صيادين كثراً لا يلتزمون لا بالقانون ولا بالأخلاق، فيصطادون كل أنواع الطيور حتى تلك النادرة والجارحة، ما يتسبب في كثير من الأذى للطبيعة والحياة فيها.

وبما أن الرقابة غائبة عن هذا الفعل، فإن الأمور متروكة لأخلاق الصياد، سواء كان سيلتزم بما هو مسموح بصيده من أنواع، أو الاعتداء الصارخ على الطبيعة وقتل أنواع لا يسمح القانون باصطيادها، أو ممارسة الصيد في فصل الربيع على سبيل المثال حيث تقوم الطيور في هذا الفصل بالتزاوج والتوالد والتعشيش ورعاية صغارها، كذلك يشهد فصل الربيع هجرة الطيور عبر لبنان من مواقع إشتائها في إفريقيا إلى أوروبا وآسيا، لذلك عادةً ما كان ينتهي موسم الصيد القانوني الذي كانت تفتحه وزارة البيئة قبل حلول هذا الفصل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard