"الصيّادون مهددون بفقدان وظائفهم"... التغيّر المناخي ومواسم تكاثر الأسماك في مصر

الأربعاء 22 يونيو 202201:15 م

لعبت التغيرات المناخية في مصر دوراً كبيراً في تغيير مواسم تكاثر الأسماك وكميات الطعام المستهلكة، وهو ما أثر بدوره على قطاع الصيد عموماً، والعاملين في هذا المجال خصوصاً، إذ باتت وظائفهم مهددةً إلى حد كبير وخاصةً في فترات انخفاض درجات الحرارة كما حدث هذا العام.

يأتي هذا في وقت تتراجع فيه إنتاجية مصر من الأسماك ضمن سواحلها، ويُعوَّض هذا التراجع بإنتاج المزارع السمكية التي تغطي الجزء الأكبر من الاستهلاك السنوي، الذي يزداد بدوره مع ازدياد عدد السكان. وعلى الرغم من أن هناك العديد من الأسباب وراء تراجع الإنتاج السمكي، إلا أن التغيرات المناخية تلعب دوراً مهماً في مواعيد تكاثر الأسماك وتغذيتها وفقاً لمختصين.

لعبت التغيرات المناخية في مصر دوراً كبيراً في تغيير مواسم تكاثر الأسماك.

وتتجلى العواقب الاقتصادية لتغير المناخ على مصايد الأسماك من خلال العديد من المتغيرات، منها سعر السمك وقيمته، وتكاليف الصيد، وتالياً دخل الصيادين وأرباح شركات الصيد.

ووفقاً لمصدر مسؤول في هيئة الثروة السمكية في مصر، تحدث إلى رصيف22، فقد تراجع إنتاج مصر من الأسماك المستخرجة من سواحل البحر الأبيض المتوسط والأحمر خلال السنوات الماضية، ليصل إلى 98،953 طنّاً عام 2019، في وقت قُدّر الإنتاج عام 2011 بـ122،303 أطنان، ويأتي ذلك في وقت يتزايد عدد السكان كل عام، إذ قُدّر عدد المصريين عام 2011 بـ81.4 مليون نسمة، فيما اقترب العدد أواخر عام 2019 من 100 مليون مصري.

تغيّر دورة التكاثر

في هذا الصدد، تقول الدكتورة عزة الجنايني، وهي أستاذة بيولوجيا المصايد في المعهد القومي لعلوم البحار في مصر، إن "التغيرات المناخية أثرت إلى حد كبير على موسم تكاثر الأسماك الذي تضاعفت مدته من 15 يوماً إلى شهر، كما تغير توقيت هذا الموسم بالنسبة إلى بعض الأنواع، فعلى سبيل المثال الأسماك التي تتكاثر في أيار/ مايو، باتت تتكاثر في نيسان/ أبريل، بالإضافة إلى تغيير عاداتها الغذائية وفقاً لدرجات الحرارة سواء كانت منخفضةً أو مرتفعةً".

ووفقاً لحديث الجنايني لرصيف22، أدى الانخفاض الشديد في درجات الحرارة خلال بعض فترات هذا العام إلى توقف عمليات الصيد تماماً، كما أثرت التغيرات على كمية الغذاء ومواعيد التكاثر، وتالياً على رحلات الصيد.

وتضيف: "إلى جانب ذلك نرصد نفوق أسماك في الأقفاص والمزارع الموجودة بالقرب من مصانع كيماويات تصرف مخلفاتها في المزارع. والأسباب الأساسية لنفوق الأسماك في البحيرات هي الاختناق بسبب نقص الأوكسجين أو زيادة الأمونيا، وتُعدّ درجات الحرارة المرتفعة عاملاً مساعداً في حدوث النفوق الجماعي".

في هذا السياق، تشير دراسة للدكتور أحمد دياب، الباحث في المعمل المركزي لبحوث الثروة السمكية، إلى أن "للتغيرات المناخية تأثيراً على المصايد الطبيعية والمزارع السمكية، إذ ينتج عنها ارتفاع في نسبة ثاني أكسيد الكربون مما يؤدى إلى زيادة ذوبانه في مياه المحيطات والبحار، إلى جانب زيادة حموضة المياه، مما يؤثر سلباً على نمو الأسماك وحياتها وتكاثرها، ويؤدي إلى تعديل في توزيع أسماك المياه العذبة والمالحة، مع توجه الأنواع السمكية في المياه التي ترتفع فيها درجة الحرارة نحو القطبين، وينعكس ذلك (...) على شكل تغيرات في سلسلة غذاء الأسماك، مما يعود بنتائج لا يمكن التكهن بها على صعيد التذبذب في إنتاجها".

التغيرات المناخية أثرت إلى حد كبير على موسم تكاثر الأسماك الذي تضاعفت مدته من 15 يوماً إلى شهر، كما تغير توقيت هذا الموسم بالنسبة إلى بعض الأنواع، فعلى سبيل المثال الأسماك التي تتكاثر في أيار/ مايو، باتت تتكاثر في نيسان/ أبريل

عادات الأسماك

يتفق الدكتور وائل التهامي، الأستاذ المساعد في اللا فقريات في كلية العلوم جامعة دمياط، مع رأي الجنايني، ويشير إلى تأثر الأسماك بالتغيرات المناخية في ما يخص العادات اليومية لها، مثل التغذية وفترات التكاثر والنمو، والتي تختلف مدتها المثلى من كائن حي إلى آخر. ويضيف شارحاً لرصيف22: "تأثير التغيرات المناخية ينصبّ بشكل أساسي على مواسم تكاثر الأسماك، وليس على اختفاء أنواع بعينها".

ويستكمل التهامي حديثه: "شهدت مصر خلال العام الماضي ارتفاعاً غير مسبوق في درجات حرارة المياه وصل إلى 33 درجةً، وهو ما لم يحدث من قبل، إذ كانت درجات الحرارة في الأعوام السابقة تتراوح من 28 إلى 30 درجةً، وهو ما أثر على الأسماك في البحيرات والمزارع".

وأشار المتحدث إلى أن الصيادين مهددون بفقدان وظائفهم نتيجة التأثير الواقع بسبب التغيرات المناخية، التي تُعدّ واحدةً من العوامل المؤثرة على القطاع عموماً، وتقدَّر نسبة العاملين في هذا القطاع ممن ستهدد تلك التغيرات عملهم بقرابة 20 في المئة.

مصدر للدخل

بكري أبو الحسن، شيخ صيادي السويس ونقيبهم، يرى هو الآخر أن التغيرات المناخية لها تأثير ليس قليلاً على قطاع الصيد، قائلاً في تصريح لرصيف22: "بعض أنواع الأسماك لا تتحمل ارتفاع درجات حرارة المياه، كما أن بعض الأنواع لا تتحمل برودة المياه أو عوامل جويةً أخرى، فعلى سبيل المثال تتأثر أسماك الشانشولا بشدة الرياح التي تعطل صيدها، إذ تبتعد عن مناطق التيارات البحرية نتيجة تأثرها السلبي بالهواء، وهو ما يؤدى إلى قلة تجمعاتها في السطح المائي".

تقدَّر نسبة الصيادين من ستهدد التغيرات المناخية عملهم بقرابة 20 في المئة.

وأضاف أبو الحسن: "نتيجة هذه التغيرات، باتت بعض أنواع الأسماك تأتي إلى سواحلنا قادمةً من دول الجوار لتلقي بيضها في شواطئنا وتهاجر بعد إلقائه، كأسماك البوري والبربوني والجمبري".

وضمن سياق متصل، قدّر أبو الحسن عدد العاملين في قطاع الصيد في مصر بمليونين ونصف مليون شخص كعمالة مباشرة وغير مباشرة، منهم مليون صياد كعمالة مباشرة. وأردف قائلاً: "خلال شهور منع الصيد في البحر الأحمر، يلجأ الصيادون المصريون إلى السفر إلى الخارج بحثاً عن الرزق، فيما يتأثر العاملون بالتغيرات المناخية المتعلقة بالرياح، إذ يتوقف الصيادون خلال فترات النوّ والتيارات البحرية، مما يؤدي إلى قلة الإنتاجية وفقدان جزئي للعمل".

وهنا يشير الدكتور عاصم عبد المنعم، الأستاذ المساعد والباحث في المعمل المركزي للمناخ الزراعي في مركز البحوث الزراعية في مصر، إلى أن التجارة الدولية للأسماك جعلت مساهمة مصايد الأسماك في الأمن الغذائي عالمياً أمراً ملموساً للغاية، وتشير تقديرات إلى أن عدد الذين يحصلون على دخل من العمل في مصايد الأسماك البحرية يبلغ نحو 260 مليون شخص على مستوى العالم.

ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "للتغيرات المناخية تأثير سلبي على المحيطات التي امتصت قرابة 90% من الحرارة الزائدة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري منذ سبعينيات القرن الماضي، وقد ازدادت موجات الحر البحرية بأكثر من 50% في الثلاثين عاماً الماضية، وعلى الصعيد العالمي من ارتفاع حرارة المحيطات بمقدار 1-4 درجات مئوية بحلول عام 2100".

خلال شهور منع الصيد في البحر الأحمر، يلجأ الصيادون المصريون إلى السفر إلى الخارج بحثاً عن الرزق، فيما يتأثر العاملون بالتغيرات المناخية المتعلقة بالرياح، إذ يتوقف الصيادون خلال فترات النوّ والتيارات البحرية، مما يؤدي إلى قلة الإنتاجية وفقدان جزئي للعمل

كل ذلك سيؤثر على الحياة البحرية وفق حديث عبد المنعم، إذ سيؤدي ارتفاع الحرارة وزيادة حموضة ماء المحيطات إلى فقدان الموائل والأنواع البحرية المختلفة، وتغيير بنية النظم البيئية في المحيطات، إلى جانب اختفاء لون الشعاب المرجانية أو تغيّره إلى الأبيض، وما سيصاحب ذلك من خسائر اقتصادية قد تصل الى نحو 5.6 مليار دولار لمصر فقط، إذا ما واصلت الحرارة ارتفاعها وبلوغها أعلى سيناريو لها عام 2100. "في نهاية المطاف سيؤثر ذلك من دون شك على اقتصاديات الصيد بشكل كبير"، يختم.

وتطرح الدراسة المذكورة للدكتور أحمد دياب مجموعةً من الحلول لمواجهة تأثير التغيرات المناخية على الأسماك، منها "الاتجاه نحو مساعدة أسماك المياه المالحة على التأقلم مع الملوحة المنخفضة أو المتوسطة، والاتجاه نحو تفريخ الأسماك البحرية، وإيجاد بدائل مسحوق السمك كمصدر للبروتين، وتقليل صرف الملوثات المختلفة في البحيرات، وإيجاد البدائل لأسماك المياه العذبة من خلال استنباط أصناف جديدة مقاومة للأمراض وتتحمل البرودة، مع ضرورة المتابعة المستمرة والدقيقة للحالة الصحية للأسماك خلال فترات ارتفاع الحرارة، أو نقص إمدادات المياه، والاهتمام بإضافة روافع المناعة إلى الأعلاف خلال هذه الفترة، لتحسين أداء الجهاز المناعي للأسماك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard