لماذا نحتاج إلى الرقص في غمرة الاكتئاب؟

الخميس 24 نوفمبر 202203:05 م

"لا يفنى في الله من لا يعرف قوة الرقص... ارقص عندما تنكسر[...] ارقص في قلب المعارك. ارقص عندما تثخنك الجراح. وارقص في تمام حريتك".

جلال الدين الرومي. 

"44% من المصريين يعانون القلق والاكتئاب، و31% على الأقل يعانون اكتئاباً مرتبطاً بتناول المواد المخدرة". هذه النتيجة التي نشرتها شبكة منظمة "بورغن بروجكت" لرصد ومكافحة الفقر (موقعها محجوب في مصر)، تؤشر إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية بين المصريين في ظل نقص حاد في قدرة الأفراد على الوصول للرعاية النفسية الاحترافية والعلاج، ما يفاقم استخدامهم المواد المخدرة والمهدئات غير الموصوفة طبياً، بحسب دراسات عدة، منها الدراسة التي أعدتها سنية عمرو وآخرون عن علاقة الإساءة في مرحلة الطفولة ولجوء الشباب في مصر إلى المواد المخدرة في ظل نقص الرعاية النفسية.

قال المغني الأمريكي جيمس براون ذات مرة: "إن معظم مشاكلنا يمكن حلها بالرقص". تتفق معه سولين الدكاش، الإخصائية النفسية اللبنانية التي تزور القاهرة بشكل دوري لإقامة جلسات العلاج بالرقص والحركة.

الجسد لا يكذب، وكذلك الحركة، يمكنك ملاحظة ذلك في انكماش جسدك إذا كنت حزيناً أو مكتئباً، وارتياحه عندما تسمع خبراً سعيداً. هذا هو الأساس الذي تُبنى عليه مدرسة العلاج النفسي بالرقص والحركة

تقول سولين لرصيف22 إن التحديات التي تؤثر على الصحة النفسية للفرد والمجتمع  في ازدياد، في ظل ما يحدث محلياً وعالمياً، وفي ظل نمط الحياة المتسارع والاستهلاكي، الذي يسبب الكثير من الضغوط، مما يعزز الاحتياج لمساحات الترفيه والتعبير عن الذات والعلاج بالفن.

 وكلما زادت التحديات والضغوط تفاقم أثرها، خصوصاً مع وجود عوامل أخرى مثل صدمات الطفولة أو الصدمات الجماعية، وكلما ازداد احتياج الأفراد للعلاج النفسي،  وبحسب منظمة الصحة العالمية أصاب الاكتئاب 3.8% من السكان في العالم، أي ما يقرب من 280 مليون شخص. والاكتئاب في أسوأ حالاته يمكن أن يؤدي إلى الانتحار إذا تُرك من دون علاج. 

كسر الجليد

كانت سولين هي مفتاح تعرفي على عالم العلاج بالرقص والحركة، في ورشة مجانية للصحة الجنسية والإنجابية، كانت تستخدم الحركة كأداة لـ"كسر الجليد" بيننا، وأداة للإحماء قبل التدريبات. في الحقيقة كانت علاجات الرقص بالنسبة لي غير منطقية، أو بعيدة عن تفكيري بالرغم من أن لي تاريخاً طويلاً مع العلاج النفسي.

الجسد لا يكذب، وكذلك الحركة، يمكنك ملاحظة ذلك في انكماش جسدك إذا كنت حزيناً أو مكتئباً، وارتياحه عندما تسمع خبراً سعيداً. هذا هو الأساس الذي تُبنى عليه مدرسة العلاج النفسي بالرقص والحركة، فيحيط العلاج بالحركة والرقص بالجانب الجسدي والنفسي والاجتماعي لأجل توازن الفرد وعافيته، ولأجل اندماجه في المجتمع.

"لا يفنى في الله من لا يعرف قوة الرقص... ارقص عندما تنكسر[...] ارقص في قلب المعارك. ارقص عندما تثخنك الجراح. وارقص في تمام حريتك".
- جلال الدين الرومي

جذور قديمة

تعود جذور استخدام الرقص والحركة في تحسين الصحة النفسية والعقلية إلى نشأة مدارس الرقص المعاصر في نهايات القرن الـ19، إذ نشأت حركة الرقص المعاصر انطلاقاً من فكرة أن الرقص يمكنه أن يتجاوز الترفيه وأن يصبح وسيلة للتواصل. 

في العام 1916، أسس أحد أعمدة العلاج النفسي كارل غوستاف يونغ للرابط بين الرقص والحركة والعلاج النفسي، لكن ورقته العلمية حول تلك العلاقة لم تنشر حتى العام 1957، على الرغم من تداولها على نطاق واسع في المجتمع العلمي المعني بالعلاج النفسي والصحة النفسية.

وربما اطلعت ماريان تشيس إحدى مؤسسات منهج العلاج بالرقص والحركة على تلك الورقة قبل أن تبدأ في تطبيق منهجها في العام 1942 في أحد المستشفيات الأمريكية. 

بفضل ماريان وزملاء لها، ظهرت مدرسة العلاج النفسي بالرقص والحركة في أربعينيات القرن الماضي. وطبقاً لجمعية العلاج بالرقص الأمريكية، فإن العلاج بالرقص هو استخدام الحركة لتحسين الحالة النفسية. وتعرّف سولين هذه المدرسة العلاجية بأنها طريقة جمعية لتطوير الذات وتعزيز القدرة على التواصل مع الآخرين ومع الحياة والعالم من حولنا. 


عملت سولين الدكاش في مصر ثماني سنوات، فقد كانت موجودة في مصر منذ العام 2014  لدراسة السيكودراما والعمل في مجال تخصصها الأساسي، وهو المسرح الاجتماعي والدراما الإبداعية. وفي مصر تعرفت لأول مرة على العلاج بالحركة والرقص إذ شاركت في ورشة نظمت في إطار مؤتمر الجمعية المصرية للعلاج الجمعي. ثم جذبها الرقص، وقررت أن تتخصص به. ثم بدأت بتيسير مجموعات العلاج بالحركة والرقص في مصر ولبنان.

سافرت الدكاش لاحقاً إلى إيطاليا لتتعلم في مدرسة العلاج بالحركة والرقص التعبيري – العلائقي، وأكملت جزءاً من دراستها في مصر، واستضافتها مؤسسة الرخاوي للتدريب والأبحاث، التي اعتُمِدَت مؤخراً كمقر للمدرسة للعلاج بالحركة والرقص التعبيري -العلائقي في مصر، بعد أن استضافت عدة ورشات تدريبية منذ العام 2017، وكانت هذه الخطوة هي الأولى من نوعها في العالم العربي. وكذلك استضافت المدرسة التعبيرية- العلائقية لمرة واحدة في لبنان قبل تفاقم أزمته الاقتصادية. 

في السنوات الأخيرة أصبح الرجال أكثر إقبالاً على طلب العلاج النفسي. ولكن بلا شك لا يزال إقبالهم على العلاج بالرقص متواضعاً جداً

بين الاحتياج والوصم

على الرغم من أن المصريين يحبون الرقص لا يزال البعض يصمه، كما يُنظر أحياناً لنوعية هذه المدارس على أنها "نخبوية". لكن سولين ترفض اعتبار ذلك أحد العناصر التي تفرق بين العمل في مصر ولبنان. تقول: "هناك اختلاف طبيعي في التفاعل من مجتمعٍ لآخر، لكن لا يمكن استخلاص فروق وتعميمها. لكن يمكن القول إن هناك أحياناً فروقاً بين فئات المجتمع الواحد، فمثلاً هناك فروق بين الأجيال في تقبلهم لهذا النوع من العلاج، وكذلك قد نجد تشابهاً بين المجتمعات المختلفة، مثلاً بعض أوجه التشابه بين النساء الناجيات من العنف بشكل عام، والعنف الجنسي بشكل خاص في علاقتهن مع المساحة وأجسادهن والآخرين".

قرأت ذات مرة أن الرجال أيضاً لديهم أزمات مع أجسادهم، على عكس الشائع. يبدو أننا كلنا نمتلك شكوكاً بشأن أجسادنا، وأوزاننا، تصل أحياناً إلى إحساس أننا محبوسون داخل أجسامنا، بسبب الضغوط المجتمعية التي نحملها على عاتقنا، وبسبب التصورات  المتوقعة عن أجساد الذكر والأنثى. كل ذلك يجعل علاقتنا بأجسادنا سيئة على العموم. ومن أهداف العلاج بالرقص والحركة تحسين علاقة الفرد مع جسده.

يلفت هذا سولين أيضاً التي لاحظت إقبال الرجال كذلك على ورش العلاج بالرقص. وترى أنه في السنوات الأخيرة أصبح الرجال أكثر إقبالاً على طلب العلاج النفسي. ولكن بلا شك لا يزال إقبالهم على العلاج بالرقص متواضعاً جداً. وترى المعالجة اللبنانية أن هناك اختلافاً واضحاً بين الأجيال، فـ"من هم في العشرين مثلاً، يكونون أكثر إقبالاً من الرجال الأكبر سناً. بينما إقبال الإناث أكبر بكثير من الرجال". لكنها تؤكد أنه يجب أن لا ننسى أن العلاج بالفنون هو مجال جديد في عالمنا العربي. وهي تتوقع أن ينتشر أكثر مستقبلاً.

بسبب الصعوبات الاقتصادية التي نعيشها جميعاً قد يعتبر البعض العلاج النفسي رفاهية، لا سيما عندما يكون  بواسطة الرقص. وقد استخدمت سولين مع النساء في السجون الدراما العلاجية والعلاج بالحركة والرقص في سياقات أخرى مع  اللاجئات أو الناجيات من العنف. وتتم دعوة هؤلاء النساء في معظم الأحيان من قِبل مؤسسة يثقن بها وبفعل هذه الثقة، فهن يأتين مستعدات لأي تجربة جديدة، ولديهن تعطّش لاستكشاف وتطوير الذات والتعبير عنها، وكذلك تعطّش للقاء والتفاعل مع نساء أخريات تتشابه ظروفهن الحياتية.

تقول: "حتى في الحالات التي تشترك بها النساء بشكل فردي ضمن برنامج ممّول من مؤسسة ما، من دون أن تكون قد شاركت في أنشطة سابقة أو حصلت على خدمات أخرى، يأتين بوعي مبدئي لاحتياج الجسم للحركة. ويمتلكن بعض المعلومات عن علاقة الحركة بالصحة النفسية. لذلك فهن لا يعتبرنها رفاهية لأنهن قد وصلن إلى حالة من الضغط تحتم عليهم الاهتمام بصحتهن النفسية، وجعل هذا أولوية لا رفاهية، خصوصاً أنهن لن يكنّ منشغلات بتأمين الكلفة ودفعها، لأن الجلسات مجانية ومموّلة من جهات مانحة للمؤسسات التي تنظمها".

لكن، كما تقول سولين، في حال اضطرت النساء المهمشات، أو اللواتي لديهن ظروف صعبة، إلى دفع بدل الجلسات، فقد تُعتبر هذه الجلسات حينها رفاهية، إذ يصعب على العديد منهن الوصول إلى الاكتفاء الاقتصادي.

وتختم  الدكاش أن مدرسة العلاج بالرقص والحركة ترتكز على التجربة "هنا والآن"، وهو يمكن أن يكون علاجاً مكمّلاً لعلاجات أخرى لتحقيق أفضل النتائج للفرد. وفي بعض الأحيان قد يكون العلاج بالحركة والرقص كافياً. ويعتمد هذا على طبيعة المعاناة لدى الأفراد ومدى حدّتها. وهذه المدرسة تصلح لأي شخص، لكنها تفيد بشكل خاص الأفراد الذين يجدون صعوبة في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم كلامياً.

وتعتقد المعالجة الشابة "أننا لا نحتاج مدرسة الرقص والحركة للعلاج فقط، إنما للتواصل كذلك. فيُستخدم العلاج بالحركة والرقص أيضاً في أطر تنموية او تربوية،  مثل العمل مع الموظفين في المؤسسات لأجل بناء أو تعزيز ديناميات صحية بين أفرادها، وزيادة الإبداع الفردي الذي يؤثر بدوره على الإبداع الوظيفي".

ومثلما يتواصل النحل عن طريق الرقص، ربما نحتاج أن نتخلى عن الكلام قليلاً أو نتواصل بأجسادنا للتعبير عن ذواتنا لكي نشعر بذوات الآخرين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard