شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
حين يثير التحدث بالفارسية السخريةَ

حين يثير التحدث بالفارسية السخريةَ

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والفئات المهمشة

السبت 29 أكتوبر 202206:37 م

لا أنسى التنمر والسخرية اللذين عانيت منهما في المدرسة الإعدادية والثانوية وقد كان يوجهان لي من قبل أقراني بسبب طريقة كلامي عند النطق باللغة الفارسية. كغيري من الأهوازيين في إيران نتحدث العربية حتى السابعة من العمر ثم نذهب إلى المدرسة لنتعلم ونتحدث بلغة أخرى لا تشبه لغتنا، فعادة ما نصبح فريسةً لسخرية المعلمين أو الطلاب.

لا يتحدث عرب إيران في جنوب غربي البلاد اللغةَ الفارسية (كما الأكراد والأتراك وكثير من القوميات الأخرى) سوى في محيط الدراسة والمؤسسات الحكومية، ودون ذلك فالعربية حاضرة معنا في كل مكان ومع كل شخص، من الحديث اليومي في المنزل حتى اللعب مع الأطفال والشتائم وقت الشجار، وحين نردد كلمات الأغاني، ومع الأقارب والأحبة في الديوانية أو المضيف، وعند البكاء على الأحبة الراحلين أو الترحيب بالضيوف ولقاء الحبيبة وجميع الشؤون الاجتماعية.

وإذا ما أردنا الحديث مع الآخرين، تصبح اللغة فارسيةً بنكهة عربية شهيرة، فننادي صديقنا الفارسي "علي" (بلفظ العين) بينما يُلفظ "ألي" في الفارسية، ونقول لهم في الصباح "صبح بخير"، فيردون "سُبه بخير"، ويجب أن أنادي صديقي "طارق": "تارق"، كما يكسرون الميم في اسم مهدي بدل فتحه، وأقول لهم بالفارسية إن لقبي "حَيدري" وينادونني "هِيدري"، والأمثلة كثيرة.

نحن نفخم ونرخم الأحرف على أساس تجويد لغتنا حين الحديث باللغة الفارسية، ونتكلم ببعض المفردات العربية أثناء الفارسية، لأننا لم نجد لها معادلها فوراً، وكذا نبطئ في الكلام أحياناً كي نبحث في الدماغ عن مفردات فارسية قليلة الاستخدام في حياتنا.

لا أنسى التنمر والسخرية اللذين عانيت منهما في المدرسة الإعدادية والثانوية وقد كان يوجهان لي من قبل أقراني بسبب طريقة كلامي عند النطق باللغة الفارسية

وترك ذلك أثراً كبيراً على شخصيات البعض. في المدرسة، ما زلت أذكر زميلي المتفوق، وبدأ يختصر كثيراً من أحاديثه بالفارسية حتى لا تهتز صورته أمام الطلاب، إذا ما زل لسانه بمفردة عربية لم يجد لها في الفور بديلاً بالفارسية في ذهنه، أو إذا ما أخطأ في تشكيل الجمل، فيصير ضحية سخريتهم الجارحة.

وما زلت أذكر زميلتي ذات العينين الخضراوين في الجامعة والتي كانت تأتي كل صباح إلى الأهواز قادمة من مدينة الحميدية، فكانت ترفض إلقاء محاضرة في الصف وتستبدلها بكتابة مقال بحثي فحسب. بل ما زلت أتذكر تصرفاتي، إذ كنت أجلس في المقعد الأخير في الصف كي لا يسألني الأستاذ لأضطر إلى ردّ لم أكن قادراً من أجله على التحدث دون لهجة عربية واضحة، فأتحفظ خشية من تنمر الأستاذ والطالبات.

عرب يستهزؤون ببعضهم في الحديث بلغة أخرى

لم يكن الأمر يقتصر على الفرس، بل حتى السكان العرب الذين يلفظون الفارسية الفصيحة، يستهجنون طريقة كلام أبناء جلدتهم، وهذا ما يعقّد ويصعب الأمر، ويزيد من غضب المواطن العربي داخل إيران، فإنه في معرض مزاح جارح أو سخرية قاسية ليس من المواطن الفارسي فحسب، بل لا يرحمه العربي الذي يتقن الفارسية كذلك، وهكذا تصبح اللهجة لدى البعض مرتبطة بجملة من الصفات السلبية والصور الذهنية المسبقة.

ليس هذا فحسب، بل يبدو أن الأمر بات سباقاً بيننا نحن العرب، فيتنمر الأفصح منا على الأقل فصاحة في كلامه. كيف تطور الأمر بنا حتى أمسى ضحيةُ السخرية هو الساخر في مكان آخر؟ لم أنس مزاحي الثقيل مع جليل من طريقة أمّنا في الكلام، التي بدأت تدرُس ضمن خطة محو الأمية في البلاد وهي فوق سن الـ40، وباتت قادرة تماماً على محادثة جارتنا الكردية، بالفارسية.

وزاد الاستهجان والجمل الجارحة بالإضافة إلى أسباب أخرى من التسريع في استبدال العربية بالفارسية والتخلي عن لغة الأم في محيط المنزل لدى الكثير من الأسر المتعلمة الأهوازية، تخفيفاً عن إزعاج قد يصل إلى مسامعهم من شخص اعتاد ألا يفكر قبل أن يلقي مزحة سخيفة قد تتسبب بأذى نفسي وإحراج أمام الناس.

أتذكر تماماً أستاذنا العربي في جامعة الأهواز، الحاصل على شهادة الدكتوراه في علم النفس من جامعة لانكستر البريطانية، والذي كان يحدثنا عن إزدواجية اللغة لدى عرب إيران والمشاكل الحاصلة في الدراسة ومنها التنمر، وهو واحد من الضحايا أثناء العهد الملكي الذي كان مغرماً بالحديث بالعربية في المدارس، ليقرر في ما بعد أن يطرد العربية من منزله ويفتح الباب على الفارسية ليس إلا، لكيلا يصبح ابنُه حسين ضحية هذا الأمر.

وعندما اعترضته في الصف وتخدثت عن فوائد تعدد اللغات لدى الأطفال، وقدرتهم على فعل ذلك، جاء الرد منه: "يمكن تعلمُ العربية في ما بعد"، ونسي أنه عندما لا نتعلم لغة الأم في المنزل فنحن نبتعد شيئاً فشيئاً عنها وعن من يتحدث بها، ومما يعقّد تعلّمَها في الكبر هو عدم وجود آلية تجبرنا على ذلك في البلاد، فالنظام الدراسي في إيران يتم عبر اللغة الرسمية (الفارسية) فحسب.

هجر العربية

ليست بقليلة تلك العوائل التي حذت حذوَ أستاذنا الجامعي، ظناً منهم أن تعلم العربية ممكن خارج إطار البيت وفي سن أكبر، بيد أن صديقي محمود ورغم أنه تخطى 33 عاماً من عمره، مازال يأسف على عدم تعلمه لغة الأم في البيت ومن قبل أهله، ويلومهم على ذلك، بالرغم من أنهم كانوا يتقنونها جيداً.

تطور الأمر في عقود من الزمن، فضعفت الشخصية وقلت الثقة بالنفس وأصبحت النظرة للفارسية بأنها لغة التحضر والحداثة، والعربية لغة الدار والدين، حتى تحفظ البعضُ من السكان العرب على الحديث بلغة الأم، بل ويرون فيها نقصاناً لذاتهم، وأنكروا حتى طريقة كلامهم بالفارسية.

أدركت حينها أنني في بلد اللهجات، فإيران التي تضم القومية الآذرية والتركمانية والكردية والبلوشية، يتحدث جميعهم فيها بالفارسية على طريقتهم، ولا يسمحون باستهزاء الآخرين منهم

بعد دخولي التلفزيون الحكومي في الأهواز كمراسل تلفزيوني، والذي كان يبث بالفارسية والعربية (لساعات محدودة)، طلبتْ مني مذيعة النشرة الفارسية وكانت لها مسؤولية في قسم الأخبار أن أعدّ التقارير للنشرة الفارسية إلى جانب النشرة العربية، فرفضتُ ذلك لأنني كنت أخجل من طريقة كلامي بالفارسية.

"معظمنا نتحدث بطريقة غير فصيحة، ما عليك إلا أن تبدأ ولا تستحي من ذلك فكلنا نتحدث بلهجات مختلفة"؛ هذا ما أتذكره من كُبرى، سيدة من قومية الألوار ومتزوجة من طبيب عربي كان قد جاء بها من مدينة بُروجِرد بمحافظة لُرستان.

أدركت حينها أنني في بلد اللهجات، فإيران التي تضم القومية الآذرية والتركمانية والكردية والبلوشية، يتحدث جميعهم فيها بالفارسية على طريقتهم، ولا يسمحون باستهزاء الآخرين منهم. وحتى الفرس أيضاً يتشعبون إلى قبائل ومناطق مختلفة تتحدث كلُّ شريحة منهم، اللغةَ الرسمية بلهجة محلية يكون الانتماء جلياً فيها.

تراجعت عن قراري وتصالحت مع نفسي، وعلمت أن اللهجة ليست مؤشراً على جهل أو نقص معرفة، ولا عن رقي أو تخلف، وشجعني الكثير من زملائي الإيرانيين على إنتاج الكثير من التقارير الصحافية الفارسية، فلم يسخر مني سوى قليل منهم، وكثير من أصدقائي العرب، ويعود ذلك إلى ضعف في الشخصية وقلة الثقة بالنفس كما ذكرت، نتيجة عقود من آثار مؤذية.

شجعني الكثير من زملائي الإيرانيين على إنتاج الكثير من التقارير الصحافية الفارسية، فلم يسخر مني سوى قليل منهم

وعندما سكنت في مدينة أخرى بعيدة عن مسقط رأسي، لم أجد من يستهجن لهجتي إلا قليل من الفاشيين، فبتّ أنطق لغة إيرانية بلون عربي. إنها فارسية بهوية أهوازية. كما واحتفظت بلغتي العربية في التواصل والأحاديث مع الأهل وأبناء جلدتي غير مكترث بالآخرين، ولا ضير في أن أعرّف من حولي على لغتي خلال الأوقات غير الرسمية، لأنها جزء من هويتي.

ولا بد من الذكر أن الأمر بات أفضل خلال السنوات الأخيرة، فوعي المجتمع الإيراني قد تطور في هذه القضية، وزاد الاهتمام بالأدب العربي وترجمته في الوسط الثقافي الفارسي، وظهر كثير من الفنانين العرب سطع نجمهم في إيران لا سيما في مجال الموسيقى. كما نرى في إيران خلال السنوات القليلة الأخيرة أن تحدث الفارسية باللهجة المحلية لم يعد محلّ استهزاء بالقدر الذي كان عليه من قبل، بل يعدّ قيمة ولطفاً في بعض الأحيان، وذلك ما يحاول بعض الفنانين من خارج طهران التأكد عليه.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

الإعلام بوق السلطة

تهدف وسائل الإعلام المُحتَكرة من قبل الأحزاب السّياسيّة والميليشيات إلى مصادرة الإرادة الشعبيّة، والتعتيم على الحقوق، والاعتداء على الحريات، ونشر الفتنة وبثّ خطاب الكراهيّة.

حتى لا يكون اللاجئون/ ات، وأصحاب الهمم، والأقليات الدينية، ومجتمع الميم-عين وغيرهم/ نّ من مهمّشي المجتمع كبش فداء، ساهم/ ي معنا في إنتاج صحافةٍ أكثر استقلاليةً.

Website by WhiteBeard