"يا أبواب الأهواز أموت حنيناً"... ماذا جرى بيني وبين مظفر النواب؟

الجمعة 20 مايو 202208:22 م

كم علي أن أؤمن بالرؤيا، بالنوم حتى الضحى، بالارتجافات الخفيفة في القلب تأتي في شوارع عريضة فأصرف النظر عنها، وبالدلالات التي تبدو لي صغيرة مثل ثانية من الوقت ثم تتسع وكأنها عام؟

كنت في بيروت، وكنا في مهرجان شعري، أنا ومحمود درويش. كان من المقرر أن نعود إلى لا أعرف أين، فترافقنا في سيارة "فان". تحدثنا عن كثير من الأشياء، عني وعنه. تبادلنا أرقام الهواتف في منتصف الطريق، ثم واصلنا الحديث بحميمية وكأننا نعرف بضعنا بعضاً منذ وقت طويل، والوقت الطويل في الحلم هو "الأزل". كنا نعرف أن الطريق سينتهي، غير أنها كانت بداية تعرف من قرب، فغمرتني الغبطة أنني سأكون على تواصل معه.

وأفقت من الحلم برنة جرس البيت. بقيت لساعات في البيت وفي الحلم الذي لم يستند ولو بقدر رأس اصبع على السريالية، فأكاد أن ألمس تضاريسه وأنا أفتح الستائر المطلة على الزقاق لتفيق النباتات حتى تبين لي أن محمود درويش توفي منذ سنوات.

هو الذي كنت في الأهواز موعودة باتصال به، قد يتبعه لقاء. وكنت قد نشرت ترجمة لقصيدته في صحيفة إيرانية مرموقة: "سيجيء يوم آخر"، حين سمعت الخبر تلك الليلة. كان عام 2008.

***

تمرّ ليالٍ كثيرة في طهران، نسير بالسيارة عند نهاية الليل من شمالها إلى جنوبها ونستمع إلى أغانٍ، غالباً ما أكون أنا "الدي جي" في اختيارها. أستمتع كثيراً بهذا الطقس، وبأنانية أبث أغاني عربية، كثير منها عراقية، أعرف أنني وحدي التي أفهمها.

بدأ شوقنا منذ سمعنا الخبر: مظفر النواب سيأتي إلى الأهواز، ليقيم أمسية شعرية. في اليوم الموعود اتجهنا نحو ساحة البلدية في مركز المدينة، أنا وجمع غفير بما تحمل عبارة "جمع غفير" من معنى. انتظرنا أمام القاعة، ثم انتظرنا، ولم يأت الشاعر

يحاول صديقي أو أصدقائي أن يستشفوا منها بعض الكلمات ليفهموا معناها، وأفكر هل يخطر ببال أحد غيري أن يسمع في هذه المدينة الكبيرة، بين شوارعها وطرقاتها السريعة، وفي هذه الساعة من الليل مثل هذه الأغاني؟

سعدون جابر؛ أحبّ هذا المطرب، وأسمعه كثيراً. قال صديقي: فهمتها، وترجم إلى الفارسية "مو حزن لكن حزين"، ليكون حديثنا عن مظفر النواب. استمع صديقي بشغف، مثلما كان يسمعني نوري (الجراح) ذات مساء ونحن نتمشى في شوارع تونس، قبل أمسية شعرية، وكنت أعبّر عن حبي لمظفر، وأهميته في الشعر الشعبي. أتذكر أن نوري سمعني باهتمام أيضاً، وكان ربيع تونس منعشاً عام 2017.

وقبل كل هذا، وحين أتذكر في هذه اللحظة تلك الأيامَ كأنها حدثت في "الأزل"، رغم أننا كنا على عتبات القرن الواحد والعشرين. في الأهواز كنا، وكنت يافعة بدأت منذ سنوات كتابة الشعر بالعربية، وأقرأ بوجدٍ وبخجلٍ، في بعض الأمسيات والاحتفالات التي كانت تقام بالعربية في ظلّ الجو المفتوح آنذاك وخلال فترة رئاسة محمد خاتمي.

بدأ شوقنا منذ سمعنا الخبر: مظفر النواب سيأتي إلى الأهواز، ليقيم أمسية شعرية. وكأننا في حلم. في اليوم الموعود اتجهنا نحو قاعة البلدية في مركز المدينة، أنا وجمع غفير بما تحمل عبارة "جمع غفير" من معنى. انتظرنا أمام القاعة، ثم انتظرنا، ولم يأت الشاعر.

قيل إنه مُنع من المجيء إلى الأهواز، فلا أمسية ستكون له ولا تنتظروا. كان في إيران، في طهران، ولكن ليس في الأهواز.

الأهواز- جسر الهلالي أو الجسر المعلق

كان يحدث في بعض الأحيان أن يتم وقف أمسية عربية ما، دون أن يُشرح السبب، ولكن بالنسبة لمظفر النواب؟ كان أمراً غير متوقع أبداً. ربما كان يدور في خلَده أنه سيزور المدينة التي وقف على أبوابها قبل عقود، عندما هرب من البطش والطغيان في العراق، ونادى: "يا أبواب بساتين الأهواز

أموت حنيناً

يا أبواب الأهواز... أموت حنيناً".

"نسيتُ على أبواب الأهواز عيوني". نسيتها، وهل كنت بدورك تتوق إلى زيارة الأهواز مرة أخرى يا مظفر؟ وهل حلمت بها بعد ذلك؟ في أحلامٍ آتية ربما سيجيبني، ولكن في ذلك اليوم لم يكن هناك أحد ليردّ على سؤال تلك الطفلة التي كنتها: ماذا كان يهدّد أمن المدينة أن يأتي مظفر النواب ونراه؟

كنا كأعلام منكّسة نمشي في شوارع الأهواز نحو بيوتنا أو أي مكان آخر. أتذكر أننا لم نركب السيارات. كأننا كنا في مظاهرة سلمية نمشي صامتين وصامتات، أنا والجمع الغفير، وصديقتي فاطمة التي تكبرني ببضع سنوات، وكانت تكتب الشعر أيضاً، وتشجعني دائماً. كان جلياً على ملامحنا أننا كم نحب بعضنا بعضاً.

قالت فاطمة: "لنتجه إلى مركز اتصال بالقرب من حيّنا، ونتصل به". وكنا نقصده في حال وجود اتصالات بهواتف خارج المدينة. كان مظفر قد بقي في طهران. لا أعرف كيف حصلنا على رقم الفندق الذي كان يقيم به في طهران. دخلنا الحجرة معاً، وطلبنا الرقم، وكان صوته يأتي من بعيد. قلنا فقط إننا كنا ننتظرك في الأهواز. قلنا إننا نكتب الشعر بالعربية، ونحبّ شعرك، ونحبّك.

دخلنا الحجرة معاً أنا وصديقتي، وطلبنا الرقم، وكان صوته يأتي من بعيد. قلنا فقط إننا كنا ننتظرك في الأهواز. قلنا إننا نكتب الشعر بالعربية، ونحبّ شعرك، ونحبّك

كنا نحب شعره ونحبه. في بيتنا كان ديوانه "للريل وحمد"، وكتاب يضم قصائده بالفصحى. كثيراً ما كنت أدخل غرفة أخي التي تحتوي على كتب عربية وأشرطة موسيقية، بينها شريط واحد مكتوب عليه بخط النسخ: "مظفر النواب". أضع الشريط في الجهاز فيقرأ، وأفتح الكتاب. أنظر إلى الكلمات وأنظر إلى صوته، ثم إلى الغلاف وعليه صورته واضعاً سلسلة ذهبية حول عنقه. تلك السلسلة التي لم أقل له إنني أحبها على ذلك الغلاف، رغم أنني لم أحب السلاسل الذهبية. ولم أكن لأقولها حتى إن كان ذلك اليومُ اليومَ، وقد كبرت وتخلصت من بعض ذلك الخجل.

انتظرناه ولم يأت؛ هو الذي وقف في الأهواز قبل عقود عندما هرب من العراق إلى الأهواز عام 1963 إثر تعرّض الشيوعيين لحملات اعتقال واسعة، وكتب صارخاً: "في العاشر من نيسان بكيتُ على أبواب الأهواز".

وها أنا، أسمع خبر رحيله، وليس لي إلا أن أتلو معه على مدينتي التي لا تحث اليوم سوى على الحزن:

"يا أبواب الأهواز... أموت حنيناً".

كما وليس لي إلا تلك الأشياء التي قالها لي محمود درويش في الحلم، ما لم يكتبها في دواوينه وفي أي مكان آخر، منتظرة حلمي الأول الذي سيُتبع بأحلام يحدثني فيها مظفر النواب عن أمور غير مندرجة في أي ديوان، فأذهب نحو الستائر، أفتحها، وأحدث نفسي: "يا للسعادة! كان معي". ثم ما يعتريني طوال النهار هو "مو حزن، لكن حزين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard