شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"تهدف إلى حلّ الأزمات بطريقة علمية"... مبادرات بيئية في "أيام الابتكار الأخضر" في لبنان

"تهدف إلى حلّ الأزمات بطريقة علمية"... مبادرات بيئية في "أيام الابتكار الأخضر" في لبنان

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الثلاثاء 18 أكتوبر 202203:49 م
Read in English:

Environmental initiatives in Lebanon aim to solve crises in innovative ways

أزمات بيئية بالجملة يعيشها لبنان منذ سنوات، ولا يزال، من تكدّس للنفايات وانتشار المكبّات العشوائية، إلى تلوّث الأنهار والينابيع، ورداءة جودة الهواء، وغيرها الكثير من المشكلات التي لم تُعالج بطريقة فعّالة، والذي يدفع الثمن أولاً هو الشعب الذي تتدهور صحته يوماً بعد آخر، في ظل تقاعس الدولة عن القيام بواجباتها.

لكن لو غابت الدولة، فالمواطن الذي يرى بعين المدرك لم يغِب، وحضر ليسد هذا الفراغ، ويبتكر ويجترح الحلول، لإنقاذ بيئته وأهله ووطنه من أتون التلوث القاتل، ولهذا اجتمع عشرات المبتكرين والناشطين البيئيين في بيروت الأسبوع الفائت، ضمن فعالية حملت عنوان "أيام الابتكار الأخضر Green Innovation Days"، في سعي إلى التباحث بالأفكار التي يمكن العمل عليها لتحسين وضع البيئة في لبنان، بدعوة من مؤسسة "بيريتيك Berytech".

يسعى لبنانيون لابتكار واجتراح الحلول، لإنقاذ بيئتهم وأهلهم ووطنهم من أتون التلوث القاتل.

رصيف22، حضر الفعالية والتقى مع عشرات الفاعلين والفاعلات في المجال البيئي، والذين عرضوا ابتكارات تسعى إلى مواءمة الواقع الصعب اليوم في لبنان، وقد بدأت نشاطها بالفعل في السوق المحلية، طارحةً حلولاً غير مألوفة لعدد من أهم الأزمات التي تعانيها البلاد.

النفايات الصلبة مقابل المال

على صعيد النفايات وتكدّسها في الطرقات، أو طمرها بطريقة متخلّفة في الوديان والجبال، وهي مظاهر باتت مألوفةً في لبنان اليوم، كان لمبادرة "Drive Throw" التي أطلقها مؤسس مبادرة "إدارة نفايات لبنان" الناشط البيئي بيار بعقليني، حيّز كبير لمعالجة هذه الكارثة.

يشرح بعقليني، لرصيف22، الفكرة التي تعتمد على المواطنين الذين يقصدون مركز المبادرة في بيروت، ومن سياراتهم يسلّمون أكياس النفايات التي يفرزونها في منازلهم، ويتقاضون عن كل كيلوغرام مبلغاً من المال حسب نوع النفايات، ويتابع: "يستطيع الناس أن يقبضوا المال فوراً، أو يتبرعوا به لحسابات جمعيات نتعاون معها، مثل دور العجزة والمعوقين ومراكز أمراض سرطان الأطفال".

أما النفايات التي يتم استلامها، فيلفت بعقليني إلى أن شركة إدارة نفايات لبنان تعمل على تدوير كل هذه المواد من كرتون وورق وبلاستيك وحديد وتنك وألمنيوم وفلّين، لإعادة استعمالها في السوق المحلية أو لتصديرها إلى خارج لبنان.

الغاز من النفايات العضوية

من جهة أخرى، لم تغِب أهمية معالجة النفايات العضوية عن بال أصحاب المبادرات، فشركة "biowaytse" وجدت حلاً ملائماً، فابتكرت جهازاً يحوّل المواد العضوية إلى غاز يُستعمل للطبخ.

وتقول المشاركة في هذا المشروع الدكتورة ياسمين جبلي، في حديثها إلى رصيف22: "بدأت الفكرة عندما كنا نعمل على دراسة بحثية تُعنى بمكب طرابلس، وهنالك اكتشفنا أن 48% من النفايات الموجودة هناك هي نفايات عضوية، فبدأنا نفكر: لماذا لا نسعى إلى إيجاد حل ونمنع وصول النفايات العضوية إلى المكبات؟ وهنا نشأت الفكرة".

يقصد الناس مركز مبادرة Drive Thow في بيروت، ومن سياراتهم يسلّمون أكياس النفايات التي يفرزونها في منازلهم، ويتقاضون عن كل كيلوغرام مبلغاً من المال حسب نوع النفايات. يستطيعون أن يقبضوا المال فوراً، أو يتبرعون به لحسابات جمعيات مثل دور العجزة والمعوقين

وتشرح جبلي أنBiowaytse عبارة عن آلة تساعد المطاعم الكبيرة والمتوسطة أو المزارع الصغيرة على تحويل النفايات العضوية التي تصدر عنها، مثل روث الحيوانات في المزارع، إلى غاز للطبخ وسماد لتخصيب التربة.

أما عن كيفية عمل هذا الجهاز، فتقول جبلي: "نضع في الآلة نفايات عضويةً بعد تحضيرها عبر وضع المياه وكيس من البذار الخاصة التي نزوّدها بها. ننتظرها 14 يوماً ونبدأ بزيادة جميع النفايات العضوية الموجودة من بقايا طعام وخضار وفاكهة بشكل يومي، فتتحوّل داخل هذه الغرفة الموجودة في الآلة إلى غاز، أما المياه التي تبقى والرواسب فتُستعمل كسماد عضوي".

وتلفت جبلي، إلى أن الجهاز يتضمن قطعةً لتنقية الغاز، فيُسحب منه ثاني أوكسيد الكاربون، وغازH2S المسؤول عن الرائحة الكريهة التي تصدر من النفايات العضوية.

وتضيف: "بدأنا عام 2019، وعقدنا الكثير من اللقاءات مع المطاعم وأصحاب المنشآت والمزارع والناس، وتفاجأنا بردة الفعل التي كانت مشجّعةً جداً، فالجميع مهتمون بتخفيف أزمة النفايات بأيّ طريقة، وكانوا يسألوننا دوماً عن توقيت طرح الجهاز في السوق. وعام 2020، دخلنا مع بيريتيك وصممنا النموذج الخاص بنا، وبدأنا مع أحد المطاعم في بيروت كنموذج".

ويهدف مبتكرو هذا الجهاز إلى التخفيف من كلفة الغاز المستهلكة في المطاعم، عبر إنتاجه من المواد العضوية، وإيجاد حلول للنفايات العضوية صديقة للبيئة في الوقت نفسه، كذلك التخلص من العصارة التي تصدر عن النفايات والتي تُعدّ خطرةً جدّاً على البيئة، خصوصاً إذا وصلت إلى الآبار الجوفية.

لماذا لا نسعى إلى إيجاد حل ونمنع وصول النفايات العضوية إلى المكبات؟

تؤكد المتحدثة أن هذه الآلة هي الأولى في لبنان، و95% من مكوناتها صناعة لبنانية، مع السعي إلى أن تكون مكوناتها مصنعةً بالكامل في لبنان. وتتابع: "جرّبناها وأثبتت نجاحاً كبيراً، حتى الآن ركّبنا ثلاثة أجهزة، والرابع سنضعه في الخدمة آخر الشهر الحالي في مطاعم جامعة البلمند".

وتختم بقولها: "يعاني لبنان من مشكلة كبيرة في موضوع النفايات، وإذا بقي المعنيون يتعاملون معها بالطريقة نفسها، فلن نصل إلى بر الأمان".

مخبز على حرارة الشمس

ولأن لبنان عانى خلال الأشهر القليلة الماضية من أزمة رغيف، بسبب غلاء أسعار المازوت والطاقة والطحين، الأمر الذي أدّى إلى تدنّي نسبة إنتاج الخبز وخلق مشكلةً كبيرةً، أطل المبتكر توفيق حمدان، بالفرن الذي يعمل على حرارة الشمس، ويشير في حديثه إلى رصيف22، إلى أن الفكرة من هذا الابتكار هي توليد الطاقة النظيفة من الشمس، عن طريق تحويلها مباشرةً إلى حرارة تُستخدم في فرن آلي، ويتم إنتاج ما يقرب من الطن من المخبوزات يوميّاً في الفرن الذي رُكّب هذا الجهاز عليه في بلدة قبرشمون في قضاء عاليه.

وينوّه حمدان بأنه في العام 1975، ابتكر مهندس أمريكي مكثّفات الطاقة الشمسية، لكن لم تُستعمل سوى في توليد الطاقة، أما موضوع استخدامها في أجهزة مثل الأفران، فهو أمر غير مطروق، وفي إفريقيا مثلاً هناك ابتكار لإنتاج 40 كيلوغراماً من المخبوزات يومياً، لكن بتقنية مختلفة، إذ تعتمد على فرن مجهّز بمرايا تركّز أشعة الشمس ويتم الخبز من خلالها.

ويقول حمدان: "هذا الابتكار فعال جدّاً، ويعطي طاقةً توازي أربعة أضعاف ما تعطيه ألواح الطاقة الشمسية التي تُستعمل في المنازل والمؤسسات"، ويشير إلى أن المخابز والأفران في لبنان لديها مصاريف ضخمة جدّاً خلال الشهور الستة الأخيرة، خصوصاً لناحية المازوت أو الطحين، فهذان العنصران هما الأساس في هذه الصناعة وارتفاع سعرهما رفع كلفة الرغيف، لكن استعمال الجهاز الذي يعتمد على الشمس، سيخفّض كلفة إنتاج الرغيف بحدود 35% وفق تقديراته، وتالياً ينخفض سعره، وفي الوقت نفسه سيخفف استعمال المشتقات النفطية المضرّة بالبيئة.

دعم الابتكار

منذ عام 2002، تعمل "بيريتك"، وهي مؤسسة لبنانية رائدة في النظام البيئي لرواد الأعمال، لتوفير بيئة مؤاتية لإنشاء وتطوير الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتعزيز الابتكار والتكنولوجيا وريادة الأعمال. منذ العام 2002، استضافت بيريتك أكثر من 350 شركةً ناشئةً، وساعدت أكثر من 4،300 رائد أعمال، وخلقت أكثر من 3،500 فرصة عمل في لبنان. واليوم تدير المؤسسة التي تأسست من قبل جامعة "القديس يوسف"، أكثر من 30 برنامجاً محلياً وإقليمياً لقطاعات مختلفة تستهدف الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتعتمد على تأمين نظام بيئي كامل لرواد الأعمال المبتكرين لإنشاء وتطوير شركاتهم ومشاريعهم.

المخابز والأفران في لبنان لديها مصاريف ضخمة جدّاً خلال الشهور الستة الأخيرة، خصوصاً لناحية المازوت أو الطحين، فهذان العنصران هما الأساس في هذه الصناعة وارتفاع سعرهما رفع كلفة الرغيف، واستعمال الجهاز الذي يعتمد على الشمس سيخفّض كلفة إنتاج الرغيف بحدود الثلث

وهدفت بيريتك من خلال مؤتمرها الأخير، "أيام الابتكار الأخضر"، إلى تسليط الضوء على اتجاهات الاقتصاد الدائري، والتركيز على الابتكارات في قطاعات المياه والنفايات والطاقة والغذاء والنقل في لبنان، والتوفيق بين المستثمرين المحتملين والشركات الناشئة المبتكرة. وهي في العام الفائت دعمت 690 شركةً ناشئةً ومتوسطة الحجم، 41% منها تبتكر في مجال التكنولوجيا النظيفة عبر قطاعات متعددة.

ويشير مدير المؤسسة مارون شماس، إلى أهمية الابتكار الذي تعطيه المؤسسة الأولوية الكبرى، لأنه من خلال رؤيتها سيكون الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف، سواء كنا نتحدث عن رجال الأعمال أو المستثمرين أو العلماء.

وقد بدا هذا واضحاً خلال الفعالية، حيث عُرضت أفكار لبنانية جديدة عدة، وبدعم من الشركات المساهمة أصبحت مشاريع قائمةً وناجحةً، ودخلت السوق المحلي من أبوابه الواسعة، ساعيةً إلى طرح حلول علمية ومجدية لعشرات الأزمات البيئية في لبنان، كخطوة عملية بعيداً عن النظريات التي بقيت حبراً على ورق ولم تكبح جماح الأزمات يوماً. يأمل جميع من التقاهم رصيف22، بأن تحلّ هذه الابتكارات، علمياً، الأزمات البيئية، وتمهد الطريق لمصادر جديدة من وسائل الطاقة النظيفة وبكلفة زهيدة، والأهم من هذا أن تخلق فرص عمل لمهندسين وعمال ومختصّين، وتالياً تحرّك العجلة الاقتصادية.

أفراداً، يمكننا تحسين الكثير مما يدور حولنا اليوم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard