شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
عبيد أم موظفون؟... التشابه المذهل بين شقاء العمالة المهاجرة ومسلسل "سيفيرنس"

عبيد أم موظفون؟... التشابه المذهل بين شقاء العمالة المهاجرة ومسلسل "سيفيرنس"

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 4 أكتوبر 202211:21 ص

بدأت قبل عامين تقريباً بإعداد دراسة عن حياة العمال المصريين في الأردن، لا سيما العاملين في مجال الإنشاءات. أحاول باستمرار أن ألجأ إلى الأعمال الأدبية التي تناقش الاغتراب والتأقلم مع العمل في مجتمع جديد بحثاً عن مفردات أكثر توصيفاً للواقع، وللاستعانة بما في تلك المصادر من إفصاح نفسي وعاطفي للشخصيات المطروحة. في بحثي هذا عثرت على مسلسل سيفيرنس "Severance".

الاستقالة الصامتة

تابعت في الفترة الأخيرة "ميمز" عن مصطلحات جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي تصف ظواهر قديمة/ جديدة في العمل، سُميت بـ"الاستقالة الصامتة-الهادئة" و"الفصل الصامت-الهادئ عن العمل".
بدأت قبل عامين بإعداد دراسة عن حياة العمال المصريين في الأردن، سيما العاملين في مجال الإنشاءات، أحاول باستمرار أن ألجأ إلى الأعمال الأدبية التي تناقش الاغتراب والتأقلم مع العمل في مجتمع جديد. في بحثي هذا عثرت على مسلسل سيفيرنس "Severance"

تم تعريف الأولى بأنها القيام بمهام الوظيفة حرفياً دون إضافة إبداع أو حماس، وتعريف الأخيرة بعدم مكافأة أو زيادة راتب الموظفين/ات والعمال والعاملات لعدة سنوات مع أنهم يؤدون مهام العمل المطلوبة بصفة دائمة، فجلست لأكتب عن مسلسل "سيفيرنس" وتقاطعاته مع الدراسة التي أنشغل بها ولأتناول من خلالها تحليل مفاهيم العمل في محيط العمال المهاجرين.

المعنى الحرفي لعنوان المسلسل هو البتر أو الانقطاع التام، تستخدم الكلمة عادةً في سياق العمل عندما يستقيل شخص من وظيفته، وقد استعملها مؤلفو المسلسل في سياقها المادي أيضاً، إذ يتناول العمل فكرة التوصل إلى تكنولوجيا جديدة تمكن أصحاب العمل والموظفين من الفصل القاطع بين الحياة الشخصية والحياة المهنية عن طريق عملية جراحية في مركز الذاكرة في المخ تفصل أي صلة بين وعي شخصيات المسلسل أثناء عملهم عن وعيهم لحياتهم خارج العمل، مما يجعل كلاً منهم بمثابة شخصين يتشاركان جسداً واحداً.

يتناول العمل فكرة التوصل إلى تكنولوجيا جديدة تمكن أصحاب العمل والموظفين من الفصل القاطع بين الحياة الشخصية والحياة المهنية عن طريق عملية جراحية في مركز الذاكرة

في متابعة حلقات المسلسل، نجد أن الأسباب المتعددة للجوء الأبطال إلى العمل لدى مؤسسة "لومن" التي تعد رائدة في استخدام التعاقد المبني على البتر، تقدم حلاً قاطعاً وعملياً لمشاكل يعاني منها الكثيرون، مثل الرغبة في نسيان المآسي الشخصية أثناء أوقات الدوام أو ترك مشاكل الوظيفة في محل العمل.

نقف إلى جانب أبطال المسلسل في حيرة تجاه طبيعة عملهم في الموسم الأول فنكتسب معهم الإحساس العام بالاغتراب عن المحتوى الوظيفي الذي يعزز انفصالهم التام عن أية مشاعر شغف منطقي تجاه العمل أو أي إحساس راسخ بالإنتاج، يمنعنا صانعو المسلسل من خوض ذلك الجزء من التشويق في أول موسم، ولكن يتم طرح العديد من التأملات الأخرى.

جورج أوريل قال كل شيء

خيط التأملات فيه تساؤل عما قد ينتجه وعي الإنسان بسبب هذا البتر الذي يصبح جزءاً من حياة الأبطال اليومية. فنكتشف أن هذا الفصام/الانفصال ينتج عنه درجات متفاوتة من التعاسة والرغبة في ترك العمل تقابلها شركة "لومن" بعقوبات بدائية استعمارية النزعة، للجسد والوجدان كما في رواية جورج أوريل التي تحمل عنوان: 1984.
بيئة العمل التي تحتل النصيب الأكبر من مشاهد المسلسل عبارة عن طرقات بيضاء تؤدي إلى غرف بيضاء هي الأخرى يشعر فيها المشاهد والأبطال بالتيه في البداية بينما تزداد المعرفة بالمكان دون أي شعور بالألفة. تتاح الفرصة للموظفين/ات للسكن في مساكن الشركة وهي فكرة متكررة في جميع أنحاء العالم للمغتربين على وجه الخصوص، فنتطرق لنزعة المراقبة على الحياة الشخصية التي لا تفلت من هوس وطموح رأس المال، فهي تمثل مساحات للتوغل والتحكم والمراقبة كجزء معرفي من تكنولوجيا الإنتاج والاستهلاك.

تروج التكنولوجيا المستحدثة في المسلسل حلاً منتظراً يتطلب الموافقة وتقنين التراضي بين صاحب العمل والموظف مرة واحدة فقط تحدث في بداية التعاقد، وهي فكرة فيها الكثير من الأعذار للاستبداد بالموظف.

نصطدم كمتفرجين/ات ومعنا الأبطال بكل ما يندرج تحت مظلة المفاجئ، كل ما لم يتم احتسابه في تفاعلات الأبطال مع المنظومة الجديدة وفجاجتها تجتاح أحدهم باكتئاب مزمن آخره التماهي مع "المديوكرتي"، أو بكلمات أخرى تحدث مقاربة بين الأشياء في كل مناحي الحياة الوظيفية، كما يقول المصريون "كله محصل بعضه".

تمتلئ مشاهد المسلسل بفكرة المناظر المفرغة من عمق المحتوى"السبيكتاكل"، وكأن الحياة مكونة من واجهات تدعي الحياة كما في "ترومان شو" مثلاً. ثم يأتي طرح تراكم المعرفة والرغبة في فهم حقيقة الأشياء المزيفة كمعضلة لها أبعاد مختلفة على كل الشخصيات، وتطرح فكرة إمكانية مساعدتهم بعضهم لبعض في محاولة اكتشاف حقيقة ما وافقوا عليه حين تم تعيينهم.
تروج التكنولوجيا المستحدثة في المسلسل حلاً منتظراً يتطلب الموافقة وتقنين التراضي بين صاحب العمل والموظف مرة واحدة فقط تحدث في بداية التعاقد، وهي فكرة فيها الكثير من الأعذار للاستبداد بالموظف.

ففكرة التراضي في بداية التعامل فقط فكرة مغلوطة ومشوهة تبنى عليها الغالبية العظمى من علاقات العمل وأحياناً العلاقات الإنسانية والرومانسية على حد سواء.

نظام الكفالة كعبودية أبدية

نتعرض في المسلسل لخيط يطرح فكرة تهمنا كلنا بشكل نقدي مشوق، فاعتبار التراضي بين طرفي العقد حدثاً متفرداً والتعامل معه في أغلب أماكن العمل في العالم كلحظة لا يمكن الرجوع إليها يذكرنا بتعامل مجتمعاتنا مع غشاء البكارة كأنه مكمن القيمة الوحيد في التعامل بين الطرفين.
يتم اختزال العلاقة بأكملها في هذا القرار اللحظي بالموافقة، ما يضع أبطال المسلسل في معضلتهم الأساسية وهي طرح متجدد لاستحالة الفكاك من توقيعهم على عقود العمل. تظل الموافقة المبدئية فعلاً مصيرياً كما هي في حياة العمال والعاملات المهاجرين/ات الخاضعين/ات لأنظمة الكفالة التي تعطي نفسها مسميات مختلفة لتحسين مظهرها وادعاء الموضوعية والمساواة في التعامل مع الطرف الآخر، وأيضاً للتبرؤ من أية إيحاءات لضرورة تحقق مقومات "الهجرة"، وذلك عبر استخدام مصطلحات تمويهية مثل العمالة الوافدة أو العمالة الزائرة.

نظام الكفالة إسماً وموضوعاً يسلب العامل/ـة الحق في الاستقالة ويوقع بالعمال والعاملات في قبضة الاستغلال المستمر والطرد الناعم من المجتمع باستمرارية صارمة تعكر حياة الآلاف كل يوم، وتنهي أية تصورات لمستقبل متكامل الأركان في المجتمع الجديد مهما قدم.

تظل الموافقة المبدئية فعلاً مصيرياً كما هي في حياة العمال والعاملات المهاجرين/ات الخاضعين/ات لأنظمة الكفالة 

عملية اكتشاف حقيقة الوضع تأتي في المسلسل من خلال تسلسل كابوسي يرينا عالماً موازياً لا يتفق فيه الشخصي والوظيفي، فما نقبله على أنفسنا في العمل لا يمكن أن نقبله في حياتنا الشخصية بسبب لحظة الموافقة على العقد التي تتحول لمسألة حياة أو موت في حكاية أحد الأبطال.
الثواب والعقاب يقعان على أبطال المسلسل بشكل بدائي، فيعامل الموظفون/ات كما الأطفال ممن تخضعهم المدارس التقليدية والملاجئ الحكومية والسجون للعقاب باستخدام العنف الجسدي وتكرار الشعارات لكسر الإرادة، ولتمرير لغة تحقير من شأن الموظف/ـة. نشاهد أيضاً لمحات من وسائل الاستعباد السادية التي كان يستعملها السيد في تأديب العبيد والتي تسكن لها كثير من الأطروحات الأكاديمية في تأمل درجات متفاوتة من المتعة التي يشعر بها الجلاد أو المتحكم في مسارات العمل.
نجد الحرص على العقاب عند المطالبة بالحقوق من قبل الطرف الأضعف واستيلاء صاحب العمل على الحق في الاستقالة بطرق ملتوية وهو جزء لا يتجزأ من حياة العمالة الوافدة.
يتطرق المسلسل أيضاً للتعامل مع مفهوم المكافأة بشكله الطفولي في هيئة حلويات وفسحة راقصة لمدة دقائق وهي لا تنعكس على الحياة الشخصية. نرى في المسلسل عزل "الذات العاملة" كما المسجون من خلال التخلى عن "الذات الخاصة" التي تنتمي إلى الحياة خارج الشركة أولاً بالبتر التام، وبعد حين بالتجاهل الفج. فكأن تجاهل المشاركة في الدفع بالحياة الاقتصادية عامة وجودة الحياة تباعاً وبالتالي اكتساب الحق في  القرار يتم عزله وإنكاره بشكل قاطع كما يحدث مع العمالة المهاجرة في منظومة الكفالة، والتي تصور الثمن الوحيد لكل تلك القيم في الأجر القليل نهاية كل شهر أو يوم.
يصبح التجاهل الفج أسلوب حياة، فنواجه في هذا السياق عزل قيمة العمل واختزالها في الراتب الزهيد، يعتاد الموظف/ـة كما في المسلسل هذا المنهاج ولكنه لا يصدقه، فتظل الأكذوبة مربحة ومستمرة ولكنها تراكم حجماً لا بأس به من المظلومية التي لا تفارق وعي الطرف الأضعف.
تأتي المقاومة من خلال القنوات المشروعة كما يفعل الشرفاء والمستضعفون في كل العالم، والتي تبوء كلها بالفشل في سياق المسلسل، ثم نشاهد مقاومة الشركة هي الأخرى لبراعم الثورة داخلها لأنها تعكر صفو أعمالها وتهدد هيمنة التكنولوجيا الجديدة في أنحاء الولايات المتحدة والعالم.
التفاصيل الغامضة تملأ الموسم الأول ولكنه يأتينا بحفنة من الأسئلة الوجودية عما نتخلى عنه عندما نقدم على عقود العمل ونعتبر التراضي والموافقة فعل التزام أبدياً لا تمكن مراجعته ومساءلته وتحديثه بشكل دائم، وكيف تمس أشغالنا حياتنا الشخصية.
تستعرض حلقات المسلسل ما تربينا عليه من أدبيات العمل وحتمية الفصل التام بين الحياة الشخصية والحياة المهنية وكيف يعاني الموظف/ـة من فجاجة هذا المنطق، أحياناً في صور أكثر وضوحاً مثلما هو الحال عند المرض أو عند الحوامل والأمهات، وما تسلب من أحاسيس وامتيازات النساء.

نجد الحرص على العقاب في المسلسل عند المطالبة بالحقوق من قبل الطرف الأضعف واستيلاء صاحب العمل على الحق في الاستقالة بطرق ملتوية وهو جزء لا يتجزأ من حياة العمالة الوافدة.

يظل النفاق الصفة الأبرز لأصحاب العمل في التعامل مع مرؤسيهم/ن كما شاهدنا في شركة أمازون العملاقة مثلاً، ويظل السؤال الذي نجد أصداءه في كل مكان كما طرحته سيلفيا فيديرتشي في كتابها "كاليبان والساحرة: النساء، الجسد والتراكم البدائي"
Caliban and the Witch: Women, the Body and Primitive Accumulation:
"لماذا، وبعد 500 عام من تسلط الرأسمالية، في بداية الألفية الثالثة، يتم اعتبار التعامل مع العمال أجمع كأنهم شحاذون، وعالة، وسحرة، وخارجون عن القانون؟"

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard