أشغال تضررت أو توقفت... كيف تؤثر تقلّبات المناخ على العمالة الموسمية في مصر؟

الثلاثاء 30 أغسطس 202201:21 م

لجأت نرمين عبد العزيز، وهي مرشدة سياحية، إلى الأشغال اليدوية قبل عامين، كمحاولة منها لتغيير مجال عملها، بسبب عدم استقرار أوضاع السياحة في مصر، وتناقص أعداد الأفواج السياحية نتيجة عوامل عدة، منها جائحة كورونا، والتغيرات الملحوظة على أحوال الطقس في البلاد.

تقول السيدة ذات الأعوام التسعة والأربعين، لرصيف22: "كنا معتادين على الأفواج السياحية التي لم نعد نراها بالكثرة ذاتها الآن. في الصيف ترتفع درجات الحرارة كثيراً، وجزء كبير من السياح لا يتحملها". وتضيف أنها لجأت إلى تعلّم فن "الديكوباج"، أو التزيين باستخدام الورق، بسبب حبها للمشغولات اليدوية، وباتت تحترف صناعة الأكسسوارات المنزلية كمهنة رديفة.

كنا معتادين على الأفواج السياحية التي لم نعد نراها بالكثرة ذاتها الآن.

ومع تحول التغيرات المناخية إلى قضية رئيسية يواجهها العالم كله الآن، لما لها من تأثير واضح على مختلف المجالات، بدأت هذه التغيرات تهدد استقرار العديد من مجالات العمل في مصر، لا سيما المجالات الموسمية، مما يدفع العاملين فيها إلى البحث عن بدائل تضمن لهم قوت يومهم.

لم يعد مناخ مصر كما كان في السابق، يتميز باعتداله، سواء في الشتاء أو في الصيف، بل ثمة تغيرات طرأت على درجة الحرارة، إذ أصبح المصريون يلاحظون مثلاً سقوط ثلوج غير مألوفة في محافظات بحرية كما حدث في مدينة الإسكندرية خلال الشتاء الماضي، وارتفاعاً واضحاً في درجة الحرارة صيفاً مع ارتفاع نسبة الرطوبة.

الثلوج تزعج الغردقة

يعمل أحمد منتصر، وشهرته "شارلي"، مطرباً يحترف نمط الغناء الغربي في أحد النوادي الليلية في مدينة الغردقة في محافظة البحر الأحمر. يعتمد عمله في الأساس على نشاط حركة السياحة التي تنتعش شتاءً في هذه المدينة، بفعل طقسها المعتدل وشمسها الساطعة طوال العام، لكن بسبب التغيرات التي بدأت تتضح فيها مؤخراً، تراجعت الرحلات السياحية الوافدة إليها.

يقول شارلي لرصيف22: "ضعفت السياحة بشكل ملحوظ في السنوات الثمانية الأخيرة، والأفواج السياحية التي كنا معتادين عليها قلّت، حتى أن بعض شركات السياحة غيّرت وجهاتها الشتوية بعيداً عن مصر".

ومن هذه التغيرات الملحوظة، نزول الثلوج في المدينة العام الفائت، وهو أمر لم تعتد عليه من قبل، الأمر الذي دفع بعض السياح لنشر مقاطع مصورة على مواقع التواصل يشتكون فيها من البرودة الشديدة غير المعتادة، وكذلك اجتياح السيول التي تنتج عنها خسائر بشرية ومادية، وتسبب توقف نشاط المدينة بالكامل.

الشتاء يغيّر طبيعة بعض المهن

أصبح الصيادون في منطقة رأس البر التابعة لمحافظ دمياط، يعانون من الموجات المناخية القاسية خلال فصل الشتاء والتقلبات الجوية المفاجئة، والتي تكاد أن تعرّض حياتهم وممتلكاتهم من المراكب للخطر، هذا بحسب أحمد طرابية، وهو صاحب مركب للنزهة. ويؤكد طرابية، أن تبعات التغير المناخي لم تقف عند هذا الحد، بل أثرت أيضاً على استقرار حركة "المعديات الصغيرة" أي مراكب النقل التي يستقلها المواطنون من رأس البر إلى المناطق المجاورة.

وتتسم مراكب الصيد بصغر حجمها وقلة الأدوات المساعدة على الإنقاذ فيها، والتي قد يلجأ إليها الصيادون متى تعرضوا للرياح الشديدة أو العواصف، مما يدفعهم اليوم إلى الاستعانة بأدوات أكثر تطوراً ومتابعة النشرات الجوية، لتجنب الخروج في أثناء العواصف الصعبة التي باتت تتكرر بكثرة.

وبسبب الموجات الباردة التي أصبحت تشهدها رأس البر مؤخراً، تأثرت حركة المجتمع العامة مثل المدارس شتاءً، ويتعرض المواطنون لصعوبة الانتقال من العزب إلى المدينة، ويضيف طرابية: "تضطر وسائل النقل للعمل في الظروف المناخية الصعبة خاصةً تلك التي تقلّ المواطنين إلى المدارس أو المشافي".

وفي سياق آخر، وفي مدينة الجيزة، يعيش محمد الوجيه، الذي يعمل تاجر إبل، ويجد وفرةً كبيرةً من الإبل داخل سوق براقش خلال فصل الخريف، لكن مع حلول فصل الشتاء وانخفاض درجة الحرارة، تنكمش حركة البيع والشراء بسبب عدم تحمّل الإبل لدرجة الحرارة المنخفضة مما يؤثر على صحتها بشكل سلبي، ويظهر ذلك واضحاً في عيونها بشكل خاص. يقول الوجيه لرصيف22: "الجِمال لا تتحمل البرد، لذلك أضطر إلى بيع الجمل بسعر أرخص من سعره الحقيقي، وقد يصل الفرق إلى أربعة آلاف جنيه، عوض أن يموت".

أصبح الصيادون في منطقة رأس البر التابعة لمحافظ دمياط، يعانون من الموجات المناخية القاسية خلال فصل الشتاء والتقلبات الجوية المفاجئة، والتي تكاد أن تعرّض حياتهم وممتلكاتهم من المراكب للخطر

ويصل عدد الجمال التي يبيعها الوجيه بنصف سعرها إلى 250 جملاً وفق تقديراته، في حين لم يكن هذا الأمر يحدث على الإطلاق قبل عشر سنوات.

ونظراً إلى كونه تاجر جملة، فإنه لا يتعرض للخسائر الكبيرة مقارنةً بالجزارين، أو التجار الصغار الذين يعرضون الجمال في مزادات للبيع حتى يتمكنوا من حمايتها من برد الشتاء والعواصف المفاجئة التي ازداد نشاطها خلال الفترة الماضية بالإضافة إلى هطول الأمطار، كما يحاولون تهيئة أماكن المزادات كي تكون دافئةً، أو تدفئة الإبل نفسها بواسطة أغطية من الصوف توضع على ظهرها.

العمل اليومي أصبح أكثر صعوبةً

يقول محمد علي، وهو مهندس ميكانيكي، في حديثه إلى رصيف22، إن التغيرات المناخية أثرت بشكل مباشر على إنتاجية العمال في المشروعات الهندسية، إذ يتوقف العمل أحياناً بسبب ظروف الطقس، ما يعني إهداراً للوقت.

الجِمال لا تتحمل البرد، لذلك أضطر إلى بيع الجمل بسعر أرخص من سعره الحقيقي.

ويلفت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، وارتفاع نسبة الرطوبة، وكذلك العواصف الترابية، تتسبب في انخفاض إنتاجية العمال بنسبة 20%. ويضيف: "بالرغم من وجود أدوات حديثة في عمليات البناء تساعد مثلاً في حمل الأوزان الثقيلة بدلاً من أن يحملها العمال على أكتافهم، إلا أن درجات الحرارة المرتفعة تمنعهم من الاستمرار في عملهم لثماني ساعات متواصلة كما كانوا في السابق. اليوم يعملون لأربع ساعات ثم يتوقفون لعدم قدرتهم على الاستمرار". كما يشير إلى انخفاض معدل الأمان بالنسبة إلى العمال في المشروعات الإنشائية في المدن الساحلية، بسبب العواصف المتكررة.

ويؤكد المتحدث أن ذلك كله دفع إدارات الأمن والسلامة في المشروعات الهندسية إلى وضع خطط تضمن سلامة العمال، مثل تقليل عدد ساعات العمل في النهار، وتوزيع زجاجات مياه عليهم كل 20 دقيقةً، وإيقاف العمل ببعض الأدوات أو الأجهزة التي يصعب استخدامها في الظروف المناخية الصعبة، ويضرب مثالاً، منع استخدام الرمل في إزالة الصدأ من بعض المعدات بسبب الرياح الشديدة، واستبداله بالغارنيت بالرغم من أن تكلفته أعلى بست مرات.

بدائل وإجراءات للحماية

يشير محمد عماد، وهو مهندس سلامة وصحة مهنية في شركة شنايدر إلكتريك الفرنسية، خلال حديثه إلى رصيف22، إلى أن التغيرات المناخية فرضت إجراءات مهمةً للحفاظ على سلامة العمال عند تنفيذ المشروعات الهندسية.

وتنقسم هذه الإجراءات بين التحكم الإداري، مثل تقليل فترات التعرض للحرارة أو البرودة، وارتداء معدات الوقاية المناسبة مثل السترات والملابس الثقيلة والطاردة للمياه والبدلات والأحذية الواقية والقفازات في الشتاء، وتوفير السوائل الباردة والإسعافات الأولية اللازمة وارتداء الملابس القطنية العاكسة للحرارة في الصيف.

ويتضمن الشق الثاني إجراءات التحكم الهندسي، ومنها توفير التكييف أو مظلات، إذا كان المكان يسمح بذلك، والتهوية المناسبة لمكان العمل عن طريق فتح فتحات لتغيير الهواء، وعزل الأماكن التي تنتج منها حرارة مثل المولدات الكهربائية، إلى جانب تدريب كل العمال على كيفية مواجهة الحرارة أو البرودة أو أي تغييرات مناخية تحدث في أثناء العمل.

بالرغم من وجود أدوات حديثة في عمليات البناء تساعد مثلاً في حمل الأوزان الثقيلة بدلاً من أن يحملها العمال على أكتافهم، إلا أن درجات الحرارة المرتفعة تمنعهم من الاستمرار في عملهم لثماني ساعات متواصلة كما كانوا في السابق. اليوم يعملون لأربع ساعات ثم يتوقفون

بدورها، تشير رشا عبده، أستاذة الاقتصاد في الأكاديمية العربية للعلوم المالية، في حديثها إلى رصيف22، إلى أن الحل لمساعدة العمال الموسميين هو تخصيص منح حكومية تُصرف لكل عامل غير رسمي، خلال حدوث تقلبات جوية تمنع العمال من مزاولة نشاطهم.

بينما يرى الخبير البيئي منير بشرى، أن واجب الحكومة المصرية وضع خطة طوارئ قوية أمام تحديات التغير المناخي، وبموجبها يتم تحويل كل أزمة مناخية ومحاولة استغلالها في خلق فرص عمل للعمالة الموسمية. وضرب مثالاً السيول التي أصبحت تضرب منطقة التجمع الخامس في مدينة القاهرة الجديدة، وأشار إلى عمل قنوات داخلية تحت الأرض لسحب مياه السيول ثم استغلال هذه المياه بعد ذلك في مهام أخرى.

ويؤكد في حديثه إلى رصيف22، على ضرورة الاهتمام بالتكيّف مع ظروف التغير المناخي وسبل التعايش معه، بحيث يتم عمل دورات تدريبية تنفذها المجالس المحلية من شأنها تدريب العمال وتأهيلهم لوظائف عمل جديدة تناسب الأوضاع المستقبلية.

وبرأي محمد كارم، وهو خبير في هيئة تنشيط السياحة، على العمال الموسميين البحث عن فرص عمل دائمة، أو اكتساب حرف جديدة يكون تأثير التقلبات المناخية عليها منخفضاً وليس خطيراً، وذكر مثالاً المهن التي تعمل في قطاع السياحة، وينصح بضرورة البحث عن فرص عمل في الفنادق التي تعمل طوال العام، وتستقبل سياحاً من جميع الجنسيات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard