شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"لقمة الطعام مغمّسة بالدم"... عن أم جهاد و"القبّار الذهب" في ريف حمص

"لقمة الطعام مغمّسة بالدم"... عن أم جهاد و"القبّار الذهب" في ريف حمص

حياة

الجمعة 2 سبتمبر 202205:44 م

تفرش وشاحها الأزرق لترمي عليه ما قطفت يديها التي جار عليهما الزمن، من العمل والتعب، على أمل أن يكون مجموع المال الذي ستتقاضاه يكفي رمق يوم صعب يمر عليها وعلى أطفالها. تنزف الدم من يديها، وهي تجمع حبات القبّار، ولكنها تنسى كل هذا الألم حين تتذكر لمعة الفرح في عيون أطفالها حين تشتري لهم ما يحتاجونه من طعام وشراب. هي أم جهاد من ريف حمص الشرقي التي تخرج من منزلها الساعة الخامسة صباحاً قبل بزوغ الشمس، لجمع أكبر كمية من القبّار على نية بيعها في نهاية نهار مضنٍ.

صعبة ومرهقة

تجد الخمسينية مردوداً مادياً إضافياً خلال أشهر الصيف، بعدما فقدت زوجها في الحرب. تقول لرصيف22: "في الماضي، كنا نخرج لزراعة أرضنا باللوز والفسق الحلبي، لكن الحرب والقصف أتيا على جميع أشجارنا بعدما تشردنا، واليوم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة لا نستطيع فلاحة الأرض وزراعتها، فكل شيء أصبح باهظ الثمن والدعم الزراعي الذي نسمع به هو عبارة عن أقوال وليس عن أفعال. لذلك أخرج أنا وأطفالي للعمل على شكل ورشات؛ البعض يجمع، والبعض يفرز، بهدف كسب الوقت وجمع أكبر كمية من القبّار".

لا تظهر نبتة القبّار سوى في موسم الصيف، وتحديداً في معظم قرى ريف حمص الشرقي وريف حماه وإدلب، وهي تنتشر عند أطراف الطرق الترابية

ومع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في الأرياف الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، حيث أصبح معظم السُكان تحت خط الفقر، ما زال الأهالي يبتكرون الوسائل ويتحدون ظروفهم ويبحثون عن شتى السبل التي من شأنها أن تساعدهم على البقاء، بحسب أم جهاد.

تقول: "لقمة الطعام أصبحت مغمّسةً بالدم، فقطاف القبّار صعب جداً، ومرهق، بسبب انتشار الأشواك ضمن هذه الشجيرة بالإضافة إلى الحر الشديد وقد يستغرق قطف الكيلو الواحد ساعات طويلةً".

ما هو القبّار؟

لا تظهر نبتة القبّار سوى في موسم الصيف، وتحديداً في معظم قرى ريف حمص الشرقي وريف حماه وإدلب، وهي تنتشر عند أطراف الطرق الترابية وبين أشجار اللوز والعنب وضمن الأراضي الجافة ذات التربة الفقيرة جداً، فهي حراجية مقاومة للجفاف، ارتفاعها يتراوح ما بين 50 و100 سم.

تعطي النبتة أزهاراً ورديةً كبيرةً بيضاء وجميلة، وثماراً عنبيةً ذات لون أخضر قطرها من 2 إلى 4 سم، وبعد نضج هذه الثمار، تنشطر كاشفةً عن لُبّ أحمر لذيذ يحتوي على كمية كبيرة من البذور، وتعطي النبتة من 1 إلى 3 كغ من البراعم الزهرية بعمر ثلاث سنوات، ويمكن أن تبقى في الأرض لـ30 سنةً.

وتحتوي البراعم الزهرية على غلوكوسيدات كبريتية مشابهة لتلك الموجودة في الخردل، بالإضافة إلى مادة الروتين التي تُعدّ من المواد المضادة للأكسدة، لذلك يُستخدم منقوع قشرة الجذر كمادة مليّنة ومدرّة للبول ومدرّة للطمث ومنشّطة، كما يُستعمل في حالات الروماتيزم والشلل وآلام الأسنان وتنشيط الكبد والطحال، وتُستعمل الأوراق بعد سحقها على شكل كمادات في أمراض المفاصل، كذلك في تحضير بعض أنواع المخللات والمقبلات والحساء والبيتزا والسلطات.

من نقمة إلى نعمة

يقول الخبير الزراعي المهندس مهند الأصفر، لرصيف22: "تحولت هذه النبتة من نقمة لدى المزارعين إلى المصدر الرئيسي للدخل للأهالي في أكثر من 150 قريةً سوريةً، وأقبل المزارعون على العناية والاهتمام بهذه النبتة بعد ازدياد الطلب عليها والتنافس من قبل التجار والمستثمرين لشراء كامل الكميات الموجودة بهدف تصديرها".

لقمة الطعام أصبحت مغمّسةً بالدم، فقطاف القبّار صعب جداً، ومرهق، بسبب انتشار الأشواك ضمن هذه الشجيرة بالإضافة إلى الحر الشديد وقد يستغرق قطف الكيلو الواحد ساعات طويلةً

ويشير إلى أن القبّار تنمو بشكل برّي في المناطق شبه الصحراوية ولكن عمد بعض المزارعين إلى زراعتها ضمن الحقول، بعد أن وصل سعر كيلو الأزهار منه إلى أكثر من 25 ألف ليرة سورية، وهي لا تحتاج إلى الري ولا إلى أسمدة، ما يجعلها زراعةً مناسبةً لسكان المناطق شبه الصحراوية".

يقول الأصفر: "في الماضي كانت فوائده مجهولةً لدى معظم السوريين، في المقابل نجد الشركات الأجنبية تتهافت لشراء محصول القبّار السوري، فهو يدخل كعنصر في صناعة المنتجات الدوائية، والغذائية، كما نجد ثماره تُقدّم كوجبات رئيسية في المطاعم وبسعر مرتفع كما هو الحال في تركيا مثلاً وغيرها من الدول الأوروبية، وفي أمريكا، حيث يتم تصنيعها كنوع من المخللات المحفوظة".

ويتوقف عند الإجحاف الذي يلحق بالعاملين في هذا المجال، إذ لا يتعدى أجرهم 2،000 ليرة سورية في الساعة، بالرغم من أن التاجر يبيع بسعر مرتفع جداً، لافتاً إلى أن "القبّار يُعد محصولاً رئيسياً وإستراتيجياً، ولكن لا يوجد أي نوع من الدعم الحكومي له بالرغم من ضرورة تعاون المجتمع المحلي لإيجاد الطرق المناسبة لتصنيعه وتسويقه ونشر زراعته في المناطق الجبلية".

قواعد متّبعة

القاعدة المتبعة في تسعير كيلو القبّار تعود إلى حجم الحبة، فالحبات الصغيرة تُطلب أكثر من الكبيرة، لذلك يقوم التاجر بدفع ما بين 7 إلى 9 آلاف ليرة سورية، أي ما يعادل دولارين، مقابل الكيلو، مبرراً دفع هذا المبلغ بأن هذه النبتة لا تكلّف سوى الجهد البشري في مراحل جمعها، أما بالنسبة إلى نقلها فيكون على عاتق التاجر المشتري.

زراعة الشعير والقمح الذي يحتمل ظروفاً أقسى لم ينقذ المزارعين من خسائرهم بسبب الارتفاع الباهظ في أسعار كل ما يتعلق بالشأن الزراعي

ويتّبع البعض نوعاً من التكتيك لحفظ القبّار وكسب المال المضاعف حيث يتم تخليله مثل الخيار والفليفلة الخضراء من خلال إضافة الملح والماء وحفظه في براميل كبيرة على أمل بيعه في فصل الشتاء بسعر يصل إلى 25 ألف ليرة سورية للكيلو الواحد، أي ما يعادل 7 دولارات بدلاً من بيعه بسعر منخفض جداً خلال موسمه.

يقول أبو منيب، من ريف حمص، لرصيف22: "المزارعون في السابق، كانوا يحرقون هذه النبتة البعلية، لاعتقادهم بأنها تضر بمزروعاتهم، لكن سرعان ما تبدّل الحال وأصبحت مصدر رزق للكثير من العائلات"، وهو نفسه أصبح يهتم بها أكثر من اهتمامه بأشجاره المثمرة مثل الزيتون واللوزيات والكرمة، وذلك لمردودها الأعلى، منبّهاً إلى أن نبات القبّار يُعدّ مأوى للأفاعي، بسبب شكل أوراقه الكثيفة الممتدة على الأرض، لذلك يجب توخّي الحذرَ عند العمل في قطاف القبّار.

التصحّر يصيب المنطقة

أصبح الاهتمام بالأرض مهمةً صعبةً جداً تؤرق الفلاح، لا سيما في ظل ظروف البلاد وما خلّفته من شح في المحروقات، الأمر الذي رفع تكاليف استئجار الماكينات الزراعية فأصبحت حراثة الأرض مكلفةً جداً، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المبيدات الحشرية التي يستخدمها الفلاح في مكافحة الآفات الزراعية.

وتُعدّ الزراعة عملاً رئيسياً في محافظة ريف حمص، فقبل الحرب بلغت نسبة الأراضي المستخدمة في الزراعة 60%، بحسب وزارة الزراعة السورية، ويذكر المزارع أبو سلامة، أن أغلب المزروعات في مناطق ريف حمص الشرقي التي كانت تُزرع هي أشجار الزيتون واللوز والعنب والكرمة (عنب الكروم)، وهو نوع مخصص لصناعة المشروبات الروحية ومنها العرق.

في الماضي، كنا نخرج لزراعة أرضنا باللوز والفسق الحلبي، لكن الحرب والقصف أتيا على جميع أشجارنا بعدما تشردنا، لذلك أخرج أنا وأطفالي للعمل على شكل ورشات؛ البعض يجمع، والبعض يفرز، بهدف كسب الوقت وجمع أكبر كمية من القبّار

ويشير الرجل الستيني لرصيف22، إلى أن "التصحر أصاب المنطقة، فالآبار جفّت، والأمطار قليلة جداً والحكومة لم تعمل لإيصال الماء كما وعدت، لذلك يتجه أغلب المزارعين إلى الزراعات البعلية، أو إلى الاعتماد على الأمطار لريّ المحاصيل".

القهر والتهميش

يروي أبو سلامة، أن التوجه إلى زراعة الشعير والقمح الذي يحتمل ظروفاً أقسى لم ينقذ المزارعين من خسائرهم بسبب الارتفاع الباهظ في أسعار كل ما يتعلق بالشأن الزراعي، فالظروف الصعبة دفعت شريحةً كبيرةً من الفلاحين للانكفاء عن إنتاج الموسم نفسه بسبب انعدام القدرة المادية وكلما خفّ العرض ارتفعت الأسعار إلى حدودٍ جنونية.

القهر تُوّج لدى أهالي ريف حمص بحالة من الغضب والمرارة، بعد استنفادهم كل الطرق الرسمية وغير الرسمية في التواصل مع المسؤولين في الحكومة السورية، من أجل الإصلاح وتحسين وضع المنطقة، و"لكن وبالرغم من الوعود التي نسمعها عبر وسائل الإعلام الرسمية، ما زال واقعاً تهميش الناس، والنظر إلى مطالبهم الملحّة بعين اللا مبالاة"، وفق ما بيّن أبو سلامة.

وأجبر الوضع الراهن 80% من الفلاحين على القيام بتضمين أراضيهم لرعي الغنم، أفضل من أن يخسروها بشكل كامل على أن يتم استثمارها في قطف نبتة القبّار أيضاً بالرغم من المشقّة التي تحيط بهذه النبتة، إلا أنّ الريف الشرقي ينتج سنوياً عشرات الأطنان من براعمها، ويتم تصديرها بالكامل إلى الأسواق الخارجية، ونادراً ما يتم استخدامها محلياً.

Website by WhiteBeard