شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
يوم

يوم "السهرة" تأخر في حمص... المدينة تبحث عن صالة لفيلمها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الثلاثاء 1 مارس 202209:58 ص

ترتفع ألسنة اللهب، وتُضيء النار الليل المظلم. لقد أفلت شريط الفيلم من البَكَرَة، ليقع المصباح أرضاً، وينسكب الوقود الموجود داخله، ثم تشتعل صالة العرض. كانت الأدوات التي تُستخدم في العرض السينمائي بدائيةً تعتمد على الضوء المُنبعث من تلك المصابيح التي تعمل على الوقود، لذلك أضحت النيران مصير معظم صالات السينما في سوريا مع بدايات دخولها، لتعود اليوم هذه الطريقة وتُنفَّذ في مدينة يعود تاريخها إلى عام 2300 قبل الميلاد، حمص.

كان عدد سكان مدينة حمص يقل عن ثلاثمئة ألف شخص، وكانت لديهم عشر صالات سينما، ومعظم العائلات الحمصية تذهب أسبوعياً إلى السينما في ما يدعونه "السهرة"، وهي تحظى بشعبية كبيرة.

كان عدد سكان مدينة حمص يقل عن ثلاثمئة ألف شخص، وكانت لديهم عشر صالات عرض، ومعظم العائلات الحمصية تذهب أسبوعياً إلى السينما

يذكر رئيس فرع الجمعية التاريخية السورية في حمص، الدكتور عبد الرحمن البيطار، لرصيف22، حكاية السينما الحمصية التي قدّمت عروضها في ثلاثينيات القرن الماضي، بواسطة آلات خاصة في المقاهي في الهواء الطلق، مثل مقهى المنظر الجميل، حيث يدفع الفرد ثلاثين قرشاً ليستمتع بمشاهدة الأفلام على امتداد يوم كامل، إلى أن تأسّست أول دار للسينما في المدينة، وأُطلق عليها اسم أوبرا في بداية الأربعينيات، وتقع في شارع القوتلي الشهير، ليتتالى ظهور الصالات السينمائية، إذ بُنيت صالة الفردوس ومن ثم الزهراء التي أقيمت ضمن مجمع حضاري فني كبير، وصالة القاهرة وسينما الحمراء التي هُدمت وبُني مكانها مجمع تجاري، وكانت الأفلام الأمريكية هي الرائجة والأكثر مشاهدةً بالإضافة إلى أفلام الموسيقار الراحل فريد الأطرش.

تبدّل الأسماء

ازداد عدد دور السينما في فترة الخمسينيات وفقاً للبيطار، مع تبدّل الأسماء تبعاً لتبدُّل مالكيها، ومنها سينما فريال في تلك الفترة، وأصبح اسمها في ما بعد الأمير وسينما الشرق التي ظهرت بدايةً باسم روكسي وسينما فاروق وأوغاريت وسينما الحمراء وريفولي التي سُمِّيت قبل ذلك ستاركو وتحولت إلى سينما الكندي بعد استلامها من قبل المؤسسة العامة للسينما.

اليوم لم تعد للسينما في حمص الأهمية نفسها، ويردّ البيطار ذلك إلى إغلاق العديد من الدور لأسبابٍ عدَة منها غياب الدور وانتشار الإنترنت ووسائل العرض الجديدة خارج الصالات، بالإضافة إلى ما تعرضت له الدور في المدينة من حرقٍ وتخريبٍ خلال سنوات الحرب، وما زاد الأمر سوءاً هو عدم السعي إلى ترميمها وإحيائها مجدداً سواء الخاصة منها أو التي تتبع المؤسسة العامة للسينما.

عماد السينما الحمصية

لا يمكن الحديث عن السينما الحمصية من دون ذكر قامة حمصية سينمائية مارست العمل السينمائي بشغف لأكثر من ستين عاماً، فشكلت نقلةً لها، وهي المنتج السينمائي الراحل نادر بيك الأتاسي، الذي وظف عائدات مشاريعه الهندسية والتعهدات، في إنتاج سلسلة من الأفلام السينمائية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وجعل من حضوره في سينما القطاع الخاص علامةً فارقةً لا سيما بعد استثماره صالات سينمائيةً كبرى منذ عام 1959.

كانت السينما بالنسبة لنادر الأتاسي عبارة عن نوع من الترفيه الراقي البعيد عن الابتذال

"لم يدخل الأتاسي في بازارات موزّعيها، فالسينما كانت بالنسبة إلى هذا الرجل، وعبر أكثر من نصف قرن من معايشته ظروفها، عبارةً عن نوع من الترفيه الراقي البعيد عن الابتذال، وبحثاً عن تحقيق معادلة النقاد والجمهور من دون الدخول في رهانات صالات العرض الصغيرة وسماسرتها"، يقول البيطار.

لسبب ما كانت حمص، كالقاهرة، تجدّد أفلامها كلّ يوم أحد، وكان الشباب والصبايا يرتدون أفضل ملابسهم لحضور أفلام يوم الأحد في سينما حمص، وهم يأتون أبكر من الموعد (غالباً حفلة الساعة السادسة مساءً)، لكي يستعرضوا شبابهم وجمالهم وأناقتهم وهؤلاء يُعدّون من الطبقة الاجتماعية الراقية. في المقابل كانت هنالك ثلاث دور عرض رخيصة تعيد الأفلام القديمة ويرتادها عموماً العاطلون عن العمل وأشخاص يصفهم الحماصنة بـ"الزعران"، حسب الدكتورة فيروز يوسف، رئيسة فرع الجمعية العلمية التاريخية في حمص.

بين الحب والدم

تغيّرت طريقة عرض الأفلام بين سنوات السلم والحرب، وتميّز يوسف لرصيف22، بين الفترتين قائلةً: "كثرت في سنوات السلم الأفلام الاستعراضية الغنائية التي يقوم ببطولتها نجوم الغناء والطرب الذين كانوا يجذبون الجمهور لحضور تلك الأفلام، بما لهم من شعبية بين الناس، وهكذا كنا نرى عبد الحليم حافظ وشادية وصباح وفيروز وفريد الأطرش وفهد بلان في أفلام كثيرة مما يعني -وقتها- أن الأغنية، في سياق الفيلم، كانت عنصر جذب وأهم مقومات نجاح الفيلم، هذا النجاح الذي يُقاس بعدد أيام أو أسابيع عرضه وإيراده المادي. في تلك الأيام، كان للسينما طقوسها، ومنها أنّها كانت تعرض الفيلم ثلاث مرات في اليوم".

أيام الحرب، طغت الأفلام التي توثّق الحرب والأحداث في حمص والأوضاع الاقتصادية والسياسية فسادت لغة الدم والمؤامرة لتكون عنصر الجذب الأساسي للمُشاهدين

أما في فترة الحرب الدائرة منذ عام 2011، فتشير يوسف إلى "طغيان الأفلام التي توثق الحرب والأحداث في حمص والأوضاع الاقتصادية والسياسية، فكانت لغة الدم والقتل والخطف والمؤامرة والجوع والفقر، عنصر الجذب في معظم الأفلام التي عُرضت"، في الفترة التي كانت فيها الحرب في سنواتها الأولى.

وظهرت جهود عرض هذه الأفلام ضمن الفعاليات الثقافية في حمص، بعدما تم هدم جميع الصالات نتيجة المعارك، "فكان البديل تجهيز مسرح دار الثقافة المخصص للعروض المسرحية بشاشة كبيرة، وجهاز إسقاط لعرض الأفلام السينمائية، كما كان لنادي السينما في حمص دور في عرض الكثير من الأفلام السينمائية في الجامعة وفي المركز الثقافي العربي خلال الفترة الراهنة، كمحاولة لئلا تكون دور السينما الحمصية هياكل بلا أرواح".

تقول يوسف: "يجب إعادة الحياة إلى صالات السينما في حمص، وترميمها بعد التخريب والدمار الذي أصابها، وهذا أصبح مطلباً ملحاً خاصةً أن الحياة الطبيعية عادت إلى مركز المدينة، كما أن الإقبال الجماهيري لحضور الأفلام السينمائية ومشاهدتها على مسرح دار الثقافة، كبير جداً وأحياناً تكاد الصالة لا تتسع للجمهور الذي من حقه أن يحظى بصالات عرض سينمائية أسوة بحلب التي عادت صالاتها إلى عرض الأفلام السينمائية نتيجة انتهاء المعارك".

الجمهور الغائب

لم تعد السينما في حمص كما كانت عليه قبل الحرب، كُل شيء تبدّل من الروّاد وصولاً إلى المحتوى، إذ يقول وليد المحمود (38 عاماً) إن ما كان سائداً في زمن السلم انتهى ويبدو إلى غير رجعة. هو يفتقد للماضي، إذ ما يتم عرضه الآن وفي فترة الحرب لا يُشبه ما اعتاد عليه، حتى أن كُثر من روّاد السينما توقفوا عن مشاهدة الأفلام. الحياة تغيّرت.

يشرح المحمود مثلاً أن "ما حدث في حمص سواء في مناطق كانت تحت سيطرت الجيش السوري أو المعارضة لا يمكن وصفه في فيلم أو مسلسل لأن الواقع مختلف عما يرغب المخرج أن يوصله كرواية على مسامع العالم، والتي يكون لها دور في رسم مشهد لحكاية السوريين بشكل عام والحماصنة بشكل خاص".

ما يتم عرضه الآن وفي فترة الحرب لا يُشبه ما اعتاد عليه أهالي حمص، حتى أن كُثر من روّاد السينما توقفوا عن مشاهدة الأفلام 

مشاهدة الأفلام في حمص، بحسب المحمود، "أصبحت في المناسبات فقط وضمن عروض المركز الثقافي الوحيد، إضافة لنادي السينما، ولكن المشكلة أن النادي متاح للمشاركين به فقط أو ضمن حفلات خاصة تتم المشاهدة مع الجمهور".

فضلاً عن نوعية الأفلام وقلّتها وقلّة دور عرضها، يعاني أهالي حمص من عدم القدرة على ارتيادها لأسباب مادية. هم يبحثون عن قوت يومهم، بغالبيتهم، وهذا ما يؤكد عليه المحمود، الذي يُشير إلى أن "الطبقة الوسطى قضت عليها الحرب، وهي التي تُشكل أغلبية من رواد الأفلام، فيما الباقون، فهم إما يجاهدون للقمة العيش أو لا يكترثون بالأفلام".

الهدف واحد

استحوذت صناعة الأفلام على اهتمام واسع في سوريا، من قبل الكادر الفني من ممثلين ومخرجين، ومهندسين لمختلف أنواع العمليات الفنية، من أجل إنتاج مثل هذه الأفلام، فكانت وسيلةً للتأثير والدعاية والترويج للموقف والاتجاه، ووجدت طريقها إلى جمهورها الضخم في حمص.

وبعد الاحتجاجات عام 2011، اختلفت نظرة السينما إلى حمص، فتناولتها أفلام وثائقية وروائية ومسلسلات درامية بعضها مؤيد للحكومة السورية، وبعضها مؤيد للمعارضة، فاستُخدمت لغرض ضخ المعلومات وتقديم الحقائق من وجهة نظر صنّاعها.

لجأ صنّاع الأفلام من الطرف المؤيد للنظام إلى إثبات رواية الإرهاب والتطرف الديني، فيما تبنّى المعارضون مفاهيم التحرر ورفض القمع 

لجأ صنّاع الطرف المؤيد للنظام إلى إثبات رواية الإرهاب والتطرف الديني، وتبرز هذه الخطوة من خلال أفلام عدة تم إنتاجها، منها مطر حمص لجود سعيد، وفانية وتتبدد لنجدت أنزور، وغيرها، إذ وصل عدد الأفلام التي أنتجتها المؤسسة العامة للسينما بين 2011 و2021، إلى ما يقارب الـ40 فيلماً طويلاً، عدا عن الأفلام القصيرة، حسب المؤسسة العامة للسينما.

الواقع اليوم في حمص يحكي عن نفسه؛ دور سينما تنتظر من يُعيد ضخ الحياة فيها بعد سنوات حرب استنزفت الجميع. المبادرات قليلة إن لم تكن معدومةً. أهالي حمص يُريدون أن يعود يوم الأحد، يوم "السهرة"، ويُريدون أن يشعروا بالحياة في بلاد لا تخرج من دوامة الموت الممتد منذ سنوات. أهالي حمص يحلمون، وأحلامهم بسيطة، كأن يُفتح أمامهم باب "الكندي"، وسينما حمص، من جديد. وعلى الضفة المقابلة، حاول صنّاع السينما المعارضون تقديم وجهة نظرهم، إذ تبنوا فكر الثورة السورية ومفاهيم التحرر ورفض القمع من خلال أفلام وثائقية وروائية منها فيلم العودة إلى حمص لطلال ديركي، والجندي المجهول للمخرج همام أبو الزين.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard