"هذه العبدة أختك بإمكانك صبغها"... عن العنصرية في حق السود في البصرة

الأربعاء 31 أغسطس 202202:41 م

"حين كنت طفلةً، رأيت مجموعةً من الفتيات يلعبن في الحي الذي أقطنه، وبفطرة الطفولة رحت ألعب معهن، فطلبت مني إحداهن المغادرة، قائلةً: لا يمكنك اللعب معنا، لأنك سوداء، فعدت إلى المنزل باكيةً، ولا أزال أذكر تلك الحادثة بكل تفاصيلها حتى يومنا هذا، لما تركته من ندوب في شخصيتي"، تقول بشاير فيصل(21 عاماً)، لرصيف22.

كبرت بشاير، وما زالت العنصرية تلاحقها، وإلى يومنا هذا تعجز عن إيجاد فرصة عمل بسبب التمييز العنصري، فقد تقدمت إلى أكثر من وظيفة، لكن من دون جدوى، حتى أنها تسمع أحياناً حين تذهب إلى مقابلة عمل بأنهم يبحثون عن فتاة "ذات مظهر حسن". تتناهى إلى مسمعها جمل وعبارات من قبيل: "شوف هاي هم عبدة وهم شايفة حالها"، و"أنتِ شايفة روحج بالمراية منو يقبل يشغلج".

بالرغم من كل ذلك، إلا أن بشاير تقول إنها مستمرة في حياتها، وفي دراستها، وبحثها عن العمل، وتمارس هواياتها، ولديها قناعة وثقة تامتان بنفسها، وتقول: "سعيدة بشخصيتي، ولوني الذي وهبني إياه الله، لن توقفني العنصرية، ولا التنمر، ولا أي شيء آخر".

ينتشر العراقيون السود في مدن البصرة وميسان وذي قار، وتتواجد أعداد قليلة منهم في بغداد وغيرها من المدن العراقية

جمل وعبارات أخرى لا تقل عنصريةً عن التي تسمعها بشاير يسمعها خالد المبارك(29 عاماً) مثل: "الخال" و"العبد" و"أبو الليل"، ومزاح عنصري سمج مثل: "خليلك فسفورة بالليل حتى أشوفك"، و"هذه العبدة أختك بإمكانك صبغها". ولطالما يسألونه: هل أنت عراقي؟ هل أنت "داكوك" (أي عازف أو مغنّي أو راقص) وفقاً للنظرة النمطية المغلوطة والسائدة عن السود بأنهم "دواكيك"؟ يرد المبارك على هؤلاء بأنه عراقي أسود ويعتز بلونه ويقول إن "الدك فن وليس عيباً، وكما لدينا الفنان لدينا أيضاً الطبيب، والمهندس، والصحافي، والرياضي، والشاعر، والرسام، وغيرهم".

خريطة انتشارهم

ينتشر العراقيون السود في مدن البصرة وميسان وذي قار، وتتواجد أعداد قليلة منهم في بغداد وغيرها من المدن العراقية، لكن تمركزهم الأكبر في مدينة الزبير التي تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة البصرة في جنوب العراق، وتتراوح أعدادهم وفق إحصائيات غير رسمية بين 250 و400 ألف نسمة.

يذكر المؤرخون أن التجار العرب جلبوا الأفارقة كعبيد في القرون الهجرية الأولى، وكانت البصرة إحدى محطاتهم، ومنذ ذلك الوقت انخرط السود في المجتمع البصري، وتعايشوا معه وفيه بسلام، لكن هذا التعايش يتزعزع أمام أول اختبار حقيقي، فحين تثار مسألة المصاهرة مع السود، تنتفض العنصرية وتنسف هذه العلاقة من أصلها.

تتناهى إلى مسمع بشاير جمل وعبارات من قبيل: "شوف هاي هم عبدة وهم شايفة حالها"، و"أنتِ شايفة روحج بالمراية منو يقبل يشغلج"

ويرفض أغلب البصريين طرح مشكلات السود بذريعة أن ذلك يثير النعرات العنصرية ويفكك النسيج المجتمعي، ولربما يأتي هذا الرفض من خوف الأفراد من مواجهة أنفسهم، كوصمهم للسود بقاموس ازدراء عنصري مثل: عبد، وصخل، وتيس، وأبو الليل، والخوال، وغيرها من الكلمات التحقيرية، فضلاً عن التهميش، والتمييز، والنظرة الدونية، والسخرية، والعنصرية، وعدم المصاهرة، إذ ليس هناك أي مبرر أو مسوغ لتلك الممارسات سوى أنها تمييز عنصري على أساس اللون.

أوجه العنصرية

"حين كنت صغيرةً، سمعت لأوّل مرة كلمة (عبدة). لم أهتم حينها كوني أجهل معنى الكلمة وما تنطوي عليه من إساءة عنصرية، ومن ثم بدأت تتوالى عليّ المواقف العنصرية لا لشيء إلا لكوني من أصحاب البشرة السوداء"، تقول الدكتورة ثورة يوسف(64 عاماً) لرصيف22، وتبيّن أنها تتعرض وبشكلٍ دائم للسخرية، فقبل مدة كانت في أحد الأماكن العامة وتعرضت للسخرية، فما كان منها إلا مجابهة الذين سخروا منها بالقول: "كان حَريّ بكم السخرية من جهلكم وتخلفكم". 

وتتابع: "صار بإمكاني تحسس النظرات، وفرز الكلمات العنصرية، وتمييز السخرية، لكن تعلّمت منذ طفولتي مواجهة العنصرية، وكانت لدي عزيمة وإصرار، فأكملت دراستي حتى نلت الدكتوراه، كما عملت في مجال الفن، والثقافة، والعمل المدني".

تتحدث يوسف عن الأوجه العديدة للعنصرية في مدينة البصرة، وأبرزها عدم مصاهرة السود من قبلِ أصحاب البشرة البيضاء أو البشرة السمراء الحنطية، "فهم يعتقدون أن التغيير سيكون إلى الأدنى، واللافت في الأمر أن المجتمع يرى في ذلك السلوك أمراً طبيعياً وليست فيه عنصرية أو تقليل من شأن أحد، السود بدورهم أيضاً لا يحبذون كسر سلالتهم وإنتاج جيل يرونه هجيناً، فضلاً عن أن بعضهم يخشى التعرض لنظرةٍ دونية، من قبل العائلة التي سيرتبط بها إذ ما كانوا من البيض أو من غيرهم"، بحسب كلامها.

مارتن لوثر كينغ

لمجابهة التمييز والعنصرية ضد العراقيين السود، برزت بعد عام 2007، حركة العراقيين الحرة "أنصار الحرية الإنسانية" التي أسسها جلال ذياب، الذي يطلق عليه بعضهم اسم مارتن لوثر كينغ، ومثلت الجمعية انعطافةً مهمةً للسود، ولم تكن على غرار الجمعيات والمنظمات الأخرى، كونها متخصصةً في قضايا السود، إذ طالبت بتمثيل سياسي في الحكومة، واعتراف بوجود السود في الدستور العراقي، والاعتذار الرسمي عن التاريخ الطويل من التمييز والعنصرية ضدهم، وتشريع قانون لتجريم كلمة "عبد" التي تطلَق على السود العراقيين، والمعاقبة القانونية للتمييز ضدهم، وتضمينهم في المناهج الدراسية، ودمجهم في المجتمع العراقي رسمياً.

يسمع خالد دائماً عبارات مثل: "الخال" و"العبد" و"أبو الليل"، ومزاح عنصري سمج مثل: "خليلك فسفورة بالليل حتى أشوفك"، و"هذه العبدة أختك بإمكانك صبغها"

لاقت تلك المطالبات التي طرحها ذياب صدى واسعاً في الأوساط البصرية، لكن سرعان ما تم وَأْد هذا الحراك واغتيل ذياب بأربع رصاصات غادرة في العام 2013، ليُسدل الستار على أحد أهم الحركات الفاعلة والناشطة في قضايا السود وحقوقهم.

في السنوات التي تلت، انبثقت العديد من المنظمات والجمعيات التي تدعو إلى نبذ التمييز والعنصرية ضد السود وتطالب بإنصافهم، لكن تلك الجمعيات هي مؤسسات مدنية تعمل على قضايا متنوعة منها قضايا السود، كما تطرح تلك المنظمات قضاياها خلال اجتماعات، وورش، وندوات، بحضور بعض شرائح المجتمع البصري -السود ليسوا من ضمنهم غالباً- بالإضافة إلى إشراك الجهات الحكومية أحياناً، ولا تتعاون هذه المنظمات المختلفة في ما بينها، فكل يعمل على حدة، أي أن دور هذه المنظمات ونشاطاتها يقتصر على التوعية والتثقيف، بينما أراد ذياب في جمعيته "أنصار الحرية الإنسانية" أن يكون لمنظمته دور فاعل في التغيير على أرض الواقع.

أزمة تبني قضيةً عادلةً

يرى الفنان علي عصام، أن "حراك الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني بهذا الشأن مجرد استهلاك إعلامي ومتاجرة بقضايا السود"، ويشير في حديثه إلى رصيف22، إلى أن غاية بعضهم التكسب أو من أجل مآرب أخرى، ويعيب على بعض السود تبنيهم القضية بطريقةٍ خطأ تعمد إلى إثارة العاطفة، التي يصفها بالاستجداء، بينما يلجأ بعضهم إلى طريقةٍ صِداميّة تثير السجال، والجدل، و"هنا يوغلون في المشكلة وليس في الحل"، ويخلص إلى أن القضية شائكة ومعقدة، ويجب توخي الحذر في طرحها حتى لو كان ذلك بنيةٍ صادقة.

برأيه، تحتاج معالجة العنصرية إلى تظافر جهود الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، ونخبة المجتمع، ومشاركة الحكومة ودعمها، ويقترح أن تكون هناك حصص تمثيلية ودروس في المناهج الدراسية، وحملات إعلانية مكثفة، تدعو إلى نبذ التمييز والعنصرية، ومنع استخدام الألفاظ التحقيرية اللصيقة بالسود كمفردة "عبد" وغيرها، فعندها يتم تثقيف الأطفال والمجتمع على أنهم سواسية.

من جهتها، تنبّه يوسف إلى أن "السود لا يتعرضون لإقصاء ممنهج كما تروّج بعض وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، بل هناك تهميش، وتمييز، وعنصرية مجتمعية ظاهرة وباطنة، يقابلها إِهمال حكومي". وتشدد على أن "الطرح السطحي وغير الجاد سيضعف من زخم القضية ويشتت مطالبها المحقة".

القنوات الصحيحة

كذلك، تتحدث يوسف عن ضرورة استخدام القنوات والطرق الصحيحة، وتدعو إلى "تثقيف السود بشخصياتهم البارزة، وتاريخهم، وفنهم، وموسيقاهم، وطقوسهم، فعندما يعرفون كل ذلك سيعرفون مستقبلهم"، وبصدد ذلك تعمل يوسف حالياً على حفظ وتوثيق الإرث الثقافي والفني والموسيقي للسود، وتأمل بافتتاح معهد لتعليم الإيقاعات الموسيقية الخاصة بهم.

يُعدّ السود في البصرة امتداداً لأجدادهم الذين قاموا بثورة الزنج، إذ أسسوا دولةً أطلقوا على عاصمتها اسم "المختارة" وامتد حكم هذه الدولة قرابة 15 عاماً

وساهمت يوسف في العام 2004، في نشر أول قصة صحافية عن العراقيين السود في البصرة، في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، وشاركت بعدها في أحد المؤتمرات العالمية، وتقول إن القائمين على المؤتمر اندهشوا من وجود عراقيين سود، وأعربوا عن أسفهم لعدم معرفتهم بذلك، عادّةً أن تلك المحافل مهمة وفاعلة من أجل محاربة العنصرية.

هذا ويُعدّ السود في البصرة امتداداً لأجدادهم الذين قاموا بثورة الزنج، إذ أسسوا دولةً أطلقوا على عاصمتها اسم "المختارة" وامتد حكم هذه الدولة قرابة 15 عاماً إلى حين القضاء عليها من قبل الجيوش العباسية آنذاك.

بدورها، تقول رئيسة رابطة لوتس الثقافية النسوية إلهام الزبيدي، لرصيف22، إنهم يجتهدون من خلال منظمتهم لنشر الوعي في المجتمع، كإقامة مسرح تفاعلي في بعض المدارس، يتناول حالات التنمر التي تطال الطلبة السود، حيث لاحظوا أن عدداً كبيراً من المعلمين/ ات يطلقون تسميات وأوصافاً على الطلبة السود من باب ملاطفتهم، لكنهم يجهلون بأنهم يتنمرون عليهم، مما يفسح مجالاً للطلبة الآخرين للاستهزاء بهم، فيترك ذلك في دواخلهم أثراً كبيراً، ويضطر بعضهم إلى ترك الدراسة، مشيرةً إلى أن تجربة المسرح التفاعلي تركت أثراً واضحاً وملموساً لدى الطلبة.

الصورة النمطية

تعتقد الزبيدي أن "العنصرية التي طالت السود جعلتهم ينعزلون على أنفسهم، ويتوجهون إلى مجالات الموسيقى، والغناء، والرقص، والرياضة، الأمر الذي ولّد انطباعاً لدى المجتمع بأنهم لا يبرعون إلا في تلك المجالات"، وتوضح أن الإعلام وبمختلف وسائله قدّم السود كمادة للضحك والسخرية، فعزز ذلك من الصور النمطية المغلوطة عنهم، وهذا غير دقيق فالكثير من السود حملة شهادات عليا، ومثقفون، وفنانون، وموسيقيون، ورياضيون، وغيرهم كثيرون ممن يرفدون المدينة في مجالاتٍ شتّى.

ومن أبرز وجوه السود في العراق والبصرة هم الشخصيات التاريخية كالجاحظ، والحسن البصري، ومن الشخصيات المعاصرة الفنان حسين البصري، والملاكم زبرج سبتي، واللاعب الدولي رحيم بكر، والفنان داود القيسي، والفنان محمد سالم، والدكتور كريم عبود، والفنانة منى البصري، واللاعب الدولي قصي منير، والمطربة ربيعة، واللاعب مسلم مبارك، والفنانة زينب الضاحي، والفنان أسامة ناجي، وغيرهم.

وتذكر الزبيدي: "لدى السود تاريخ ثري يتناقلونه عبر الأجيال، لكنهم لم يقوموا بتوثيقه أو أرشفته بشكلٍ تسجيلي أو كتابي إلا في ما ندر، ولخشيتهم من اندثار هذا التراث كما حصل مع لهجتهم السواحلية التي اختفت نتيجة تداخل الثقافات وامتزاج الهويات، سعت منظمتهم إلى حفظ وتوثيق تاريخ شفهي لكبار السن من النساء والرجال السود، تحدثوا فيه عن طقوسهم، وتراثهم الموسيقي والشعبي.

الزبيدي غير متفائلة بشأن انحسار العنصرية تجاه أصحاب البشرة السوداء، وتشير إلى أن المحاولات من قبل الحكومة، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، خجولة، وتأثيرها محدود جداً، لكنها تقول إن "وجود هذا الحراك على قلّته أفضل من عدمه، وربما سيحصل التغيير مع الأجيال القادمة التي نعوّل عليها كثيراً، فهي منفتحة وواعية، وبدأت تتطلع إلى العالم، وترى أنه من حق الإنسان العيش بحريةٍ من دون تمييزٍ أو عنصرية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard