الدكتور ظافر فؤاد إلياهو... آخر يهود العراق

الأحد 6 مارس 202203:06 م

في السادس عشر من آذار/ مارس عام 2021، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي وألسنة المواطنين بخبر وفاة أشهر جرّاحي العظام والكسور في العراق. لم تكن لشهرته الواسعة يد في هذه الضجة، بقدر ما كانت لها علاقة بديانة الراحل. فالدكتور ظافر فؤاد إلياهو الذي توفي عن عمر ناهز 62 عاماً إثر عارض صحي، هو آخر طبيب يهودي ينتمي إلى الطائفة الموسوية في العراق.

تخرّج إلياهو من كلية الطب في بغداد عام 1984، وعمل منذ تخرجه في مستشفى الواسطي الذي نعاه على صفحته في فيسبوك، وهو المستشفى ذاته الذي أدارته والدته الراحلة، فيوليت شاؤول، قبيل تقاعدها.

لُقّب الدكتور الفقيد بطبيب الفقراء، بسبب إنسانيته في التعامل مع المرضى، ومعالجته الفقراء والمتعففين مجاناً، فضلاً عن حسن تعامله مع زملائه، إذ يروي سعد الملا (53 عاماً)، أن الدكتور الراحل تنازل عن أجور علاج ابنته التي تعاني من ضمور العظام، متحدثاً عن مراجعته الكثير من الأطباء قبله، من دون فائدة.

كما لُقّب إلياهو بـ"السيد"، وهو لقب يطلقه العراقيون على نسل الإمام موسى الكاظم، بسبب وجود كلمة موسوي في خانة الديانة المرفقة بهويته المدنية، حتى ظنّ الكثيرون أن الموسوي لقبه العشائري.

الدكتور ظافر فؤاد إلياهو الذي توفي عن عمر ناهز 62 عاماً، هو آخر طبيب يهودي ينتمي إلى الطائفة الموسوية في العراق، ولُقّب بطبيب الفقراء، بسبب إنسانيته في التعامل مع المرضى، ومعالجته الفقراء والمتعففين مجاناً

استهداف الطائفة الموسوية

استغل الطبيب هذا اللقب لإبعاد شبح العنصرية الدينية عنه، والتمسك بوجوده في بلده، حسب مصادر محلية مقربة منه، وتؤكد ذلك الكثير من المصادر الإخبارية التي تدل على رفضه عروض الهجرة، على الرغم من الخوف المستمر من استهدافه وتصفيته كبقية أقرانه الموجودين في البلد.

شهد العراق منذ عام 2003، استهدافاً منظَّماً لأبناء الطائفة الموسوية، واتهامهم بالصهيونية والعمالة، على الرغم من عداء الطائفة لهذا التوجه السياسي، كما تعرّضوا لشتى أنواع الاضطهاد السياسي والديني، ودفعهم ذلك إلى الهجرة خارج البلد حتى لم يتبقَّ منهم سوى ثمانية أفراد، حسب تقارير منشورة في عام 2009، وقد تقلّص هذا العدد إلى إثنين فقط، وهما أخت الطبيب الراحل وزوجها اللذان يخفيان هويتهما الحقيقية.

الطائفة الموسوية هي إحدى الطوائف اليهودية المعارضة لعودة اليهود إلى فلسطين.

والطائفة الموسوية هي إحدى الطوائف اليهودية المعارضة لعودة اليهود إلى فلسطين، وتختلف الآراء حول سبب تسميتها بهذا الاسم، إذ يقال إنه بسبب تمسّكهم بتعاليم موسى الصحيحة، ويذهب البعض إلى الاعتقاد بانحدارهم من نسل موسى الكليم.

وكان اليهود يشكّلون نحو 20% من سكان بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد تضاءل هذا العدد عام 1941، عقب الفوضى التي استهدفتهم إبان إسقاط حكومة رشيد عالي الكيلاني الموالية للنظام النازي، وهجوم الموالين لها على بيوت اليهود وقتلهم ونهب ممتلكاتهم، وهو ما يُطلَق عليه عمليات "الفرهود" التي أنهتها القوات البريطانية وقتها، حسب الباحث في التاريخ عماد الجبوري.

ويرى الجبوري أن اليهود تعرضوا لاضطهاد آخر إثر الحرب العربية الصهيونية عام 1948، التي يطلق عليها المؤرخون "الفرهود الثانية"، وتُعدّ السبب الرئيسي في هجرة أكثر من 95% من يهود العراق، وينوّه الباحث في التاريخ، لرصيف22، بأن الحكومة عمدت إلى إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود المغادرين فحسب، على عكس ما يشاع حول سحبها من جميع يهود العراق، مستدلّاً على ذلك بمن بقي من أفراد الطائفة، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الاضطهاد الذي لاقته هذه الفئة دفعها إلى تفضيل الهجرة على البقاء في حياة أشبه بالسجن كما يصفها.

ونظراً لهذا الوجود الكبير نسبياً، فإن للطائفة الموسوية مقبرةً خاصةً، تُعرف محلياً بمقبرة اليهود، وهي أرض تمتد عبر مساحة 17 ألف كم، محاطة بسور مرتفع يحجبها عما حولها من البيوت في منطقة الحبيبية ذات الزخم السكاني المرتفع، والواقعة شرق العاصمة بغداد.

شهد العراق منذ عام 2003، استهدافاً منظَّماً لأبناء الطائفة الموسوية، واتهامهم بالصهيونية والعمالة، على الرغم من عداء الطائفة لهذا التوجه السياسي، كما تعرّضوا لشتى أنواع الاضطهاد السياسي والديني، ودفعهم ذلك إلى الهجرة خارج البلد

مقبرة اليهود

يرجع تاريخ هذه المقبرة إلى عام 1975 بعد أن كانت سابقاً في منطقة النهضة وسط العاصمة، ولكن بسبب رغبة الدولة في توسيع شوارع الأخيرة نتيجةً للتطور العمراني، نُقلت المقبرة إلى موقعها الحالي في الحبيبية التي كانت أرضاً خاليةً من السكان، تبرع بها رجل الأعمال اليهودي المعروف مناحيم دانيال (صاحب سوق الأقمشة المسمى باسمه حالياً في شارع النهر)، لتكون مقبرةً للطائفة التي ينتمي إليها.

كانت المقبرة تحت إدارة وزارة الأوقاف التي أشرفت على أمورها كافة، حتى عام 2003، وحلّ الوزارة المعنيّة، وتولى منذ ذلك الحين تجار الطائفة في المهجر مسؤولية جمع التبرعات وإرسالها إلى العراق لرعاية المقبرة، على الرغم من أن أرضها تعود للدولة.

ويرجع سبب رفض الحكومات المتعاقبة بعد 2003 تولّي شؤونها، إلى عدم إدراج الطائفة ضمن قانون الموازنة المالية المخصصة للأوقاف الدينية، نتيجة ضعف وجودها في البلد، وهو ما أدى إلى إهمالها تدريجياً حسب الباحث في الأديان العراقية، زهير المرسومي، الذي يرجّح أن هذا الإهمال يهدف الى محو تاريخ الديانة في البلد لأسباب سياسية، خاصةً وأن إدارة مثل هذه الأملاك تقع على عاتق أمانة العاصمة، كونها ضمن رقعتها الإدارية.

ويؤكد المرسومي في حديثه إلى رصيف22، أن "مقبرة الحبيبية" هي الوحيدة حالياً في بغداد، على عكس ما يشاع حول وجود رفات ليهود عراقيين في "مقبرة الوزيرية" في بغداد، موضحاً أن "مقبرة الوزيرية" تضم جثامين الجنود البريطانيين فحسب، ومنهم الجنود اليهود.

وكشف المرسومي عن وجود محاولات سابقة قام بها مختصون من أجل إدراج المقبرة ضمن لائحة التراث، تم رفضها من قبل الهيئة المعنية التي عللت رفضها بعدم استيفاء المقبرة شرط عمر الأثر المحدد بـ200 عام، وهو ما سيؤدي إلى فقدان شواهد قبور مهمة تضمها المقبرة.

وتأوي "مقبرة الحبيبية" رفات نحو أربعة آلاف يهودي عراقي دُفنوا خلال حقبات زمنية مختلفة، قبل انتقالها إلى موقعها الحالي وبعده، وتعود بعض قبورها لشخصيات معروفة مثل مديرة مستشفى الواسطي، فيوليت شاؤول، المتوفاة عام 2008، وأول وزير مالية في الحكومة العراقية، ساسون حسقيل، وكذلك قبر السيد بليبل وهو يهودي من نسل النبي موسى، وتحوم حول قبره الخرافات، إذ يشاع أن زيارته تعالج تأخر الإنجاب والعقم عند النساء، وتزوره لهذا الغرض كثيرات من النسوة تبرّكاً ورغبةً في تحقيق مرادهن.

وحسب التقارير الصحافية، يتولى حماية المقبرة منذ عام 1980 زياد البياتي، الذي ورث المهنة من والده محمد فاضل، فيما تتولى الطائفة الموسوية في المهجر مهمة دفع مستحقاته المالية، بالإضافة إلى مصاريف المقبرة.

يُذكر أن ليهود العراق إسهاماتٍ كثيرةً عبر التاريخ العراقي، وخاصةً في المجال الاقتصادي، إذ عمد ساسون حسقيل إلى تأسيس أول نظام مالي في العراق عام 1921، بالإضافة إلى مساهمات فنية وثقافية أخرى.

تعمد الحكومة إلى إخفاء هذه المعلومات عن المناهج الدراسية، ما أدى إلى جهل كبير بطبيعة الطائفة في البلاد، وعلى هذا الأساس استطلعتُ من خلال هذا التقرير آراء البعض في الشارع العراقي، ويقول سائق التاكسي عمار عبد الإله (34 عاماً)، من بغداد، إنه سمع الكثير عن اليهود العراقيين، لكنه تفاجأ حين انتشار خبر وفاة الطبيب العراقي، إذ لم يسمع سابقاً بوجود يهود في بغداد.

ليهود العراق إسهاماتٍ كثيرةً عبر التاريخ العراقي، وخاصةً في المجال الاقتصادي، إذ عمد ساسون حسقيل إلى تأسيس أول نظام مالي في العراق عام 1921، بالإضافة إلى مساهمات فنية وثقافية أخرى. تعمد الحكومة إلى إخفاء هذه المعلومات عن المناهج الدراسية

وكذلك بالنسبة إلى المتقاعد علي عبطان (68 عاماً)، من بغداد أيضاً، الذي عبّر عن تفاجئه وقتها بالخبر الذي نشرته وسائل الإعلام، مشيراً إلى سماعه بوجود مقبرة الحبيبية، لكنه لم يعلم بوجود حارس لها، واعتقد أنها مهملة لا يطأها أحد.

فيما ذهب المتقاعد عبد لفتة (70 عاماً)، إلى تبيان اطلاعه على وجود اليهود إبان النظام السابق وبعده بقليل، وخاصةً في المنطقة المحيطة بشارع الرشيد وسط العاصمة، مؤكداً زيارته لإحدى المعابد اليهودية وقتها للاطلاع على طبيعتها.

عانت الطائفة الموسوية من عنصرية منظمة يقودها جهل شعبي ساعدت في انتشاره سياسة الحكومات المتعاقبة، ودفعهم نحو الهجرة حتى لم يتبقَّ منهم سوى تراث على وشك الزوال، في بلد يحمل بين طياته مآسي هذا التراث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard