حلقة لبنانية أخرى من العنصرية تجاه المحجبات... زينب ضحية "إكسسوارها"

الخميس 3 فبراير 202207:30 م

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر رفض مركز ABC التجاري في منطقة الأشرفية، توليّ سيدة محجبة كشكاً لعرض منتوجات محلية الصنع لمتجر Full House، ووصف مشاركو الخبر تصرف المركز التجاري الضخم بـ"العنصري تجاه المحجبات"، في بلد لا تزال تعاني المحجبات تمييزاً بسبب خيارهم الديني.

وفي تفاصيل الحادثة، قالت إدارة Full House إن إدارة المركز التجاري في الأشرفية أبلغتها في الـ31 من الشهر المنصرم بضرورة "استبدال المرأة العاملة (تُدعى زينب) على كشك Full house لأنها محجبة، وذلك يتنافى مع قوانين المؤسسة، ضمن إطار منع أي دلائل دينية لدى العاملين في المركز التجاري"، بحسب ما أرسلت صفحة Full House على إنستغرام لرصيف 22. الأمر الذي دفع المتجر للانسحاب من معرض الـABC "لمعارضتنا التمييز بجميع أنواعه. لا يستطيع أحد الحكم على المرأة بسبب حجابها".

 قالت إدارة Full House إن إدارة المركز التجاري أبلغتها في الـ31 من الشهر المنصرم بضرورة "استبدال المرأة العاملة (تُدعى زينب) على كشك Full house لأنها محجبة

من جهتها، لم تعلّق إدارة المركز التجاري على الموضوع مكتفية ببيانها التي قالت فيه إن "ABC مؤسسة غير طائفية، تحترم كل الأديان داخل المركز التجاري. منعنا لا يُميّز ضد أي دين وسياستنا تقبل بالمستأجرين كافة، بغض النظر عن دينهم، بيد أن سياستنا الداخلية، التي تمنع ظهور الإكسسوارات والمظاهر الدينية، واضحة جداً ومتفق عليها مع كل موظفي، مستأجري، وأصحاب الأكشاك المؤقتة في ABC".

وعلى إثر ذلك، تصدّر وسم "قاطع ABC" موقع تويتر في لبنان، استنكاراً للحادثة التي حصلت، وبرزت مقارنة عند عدّة حسابات ما بين طرد السيدة المحجبة، ووضع المركز التجاري زينة عيد الميلاد المرتبط بالدين المسيحي، واصفين الموضوع بأنه "عنصري تجاه المسلمين فقط"، وقال آخرون إنه "مسموح المحجبات يشتروا، بس ممنوع المحجبات يبيعوا"، بينما شددت أخريات على أن "الحجاب خياراً عقائدياً وليس إكسسواراً دينياً"، مشاركين هاشتاغ مقاطعة المول.

استنكار الناس لتصرف مؤسسة ABC، نبع من كونها مؤسسة تجارية ضخمة في بلد يفوق عدد مسلميه، عدد مسيحييه، وهذه حادثة تعكس مثالاً لما تعانيه الفتاة المحجبة في سوق العمل اللبناني من تمييزٍ بسبب خيارها الديني وحصر وظائفها بمجالات محددة وعند مجموعات اجتماعية قليلة كالمؤسسات التابعة للأحزاب الدينية على سبيل المثال.

ففي عام 2019، كانت المحامية أماني عالجي قد مُنعت من الدخول إلى السلك القضائي بسبب حجابها، وتم منعها من مجرد إجراء الامتحان الشفهي أمام اللجنة الفاحصة في معهد الدروس القضائية. ولا يوجد أي نص قانوني يمنع المحجبة أو المرأة بشكل عام من العمل في السلك القضائي، أو أي مجال آخر في لبنان، بل العائق الذي يواجه المحجبات خصيصاً هي الأعراف الاجتماعية، الأمر الذي جعل رئاسة الوزراء تصدر في عام 2019، تعميماً يطلب من المؤسسات الحكومية "قبول جميع طلبات المواطنين المتوافرة فيها الشروط التي ينصّ عليها القانون، بمن فيهم المحجبات".

ومن إحدى الحوادث التي ضجّ فيها الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في عام 2020 كان منع طالبات في كلية التمريض في الجامعة اللّبنانية الأمريكية LAU، بحسب قولهنّ، من المشاركة في دورات تدريبية في مستشفى جبل لبنان بسبب ارتدائهن الحجاب، حيث أكدت إحدى طالبات الكلية حينها تلقيها رسالة عبر البريد الإلكتروني مرسلة من الأستاذ المشرف والذي يعتذر عن قبول مباشرتها بالتدريب في المستشفى المذكور تحت ذريعة ارتدائها الحجاب.

 في عام 2020 منعت طالبات في كلية التمريض في الجامعة اللّبنانية الأمريكية من المشاركة بدورات تدريبية في مستشفى جبل لبنان بسبب ارتدائهن الحجاب

ولم تُعلّق رئيسة لجنة المرأة والطفل النائب عناية عزالدين لرصيف22 عن الحادثة إلا أنها شاركت بياناً اعتبرت فيه أن "هذه الممارسات تمييزية وإقصائية ومخالفة للدستور اللبناني ولا يمكن السكوت عنها، ويندرج في خانة الممارسات التمييزية ضد النساء، تصل إلى حد اعتماد سلوك إقصائي ضد شريحة كبيرة من النساء اللبنانيات".

وأضافت أن "ما قام به المجمع التجاري يمثل وجهاً من أوجه التمييز الممنوع وفقاً للدستور اللبناني والقوانين المرعية الإجراء والمراسيم الصادرة عن مجلس الوزراء اللبناني والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان،" موضحةً أن "هذا الإجراء شبهة عنصرية دينية في بلد قائم على التنوع والتعايش بين أبنائه على اختلاف الانتماءات الدينية والثقافية"، مشيرة إلى أن بيان المجمع التجاري "لا يقل خطورة عن الإجراء نفسه، فهو يعكس إصراراً على ممارسة هذا التمييز ويتضمن تحريفاً لما يدّعيه من احترام للتنوع اللبناني".

من جهتها، تقول مديرة جمعية فيميل (Fe-Male)، حياة مرشاد، إن "التمييز ضد المحجبات ليس بالأمر الجديد، وكان يدق ناقوس الخطر حوله كثيراً في أوروباً مثلاً، وللأسف نرى ذلك في دولنا العربية مؤخراً هذا النقاش كثيراً. أعتقد أن ثقافة التمييز ضد النساء المحجبات لا يمكن فصله عن ثقافة التمييز ضد النساء بشكل عام، لأن هذا التمييز مبني على أفكار نمطية ذكورية وتضع للنساء حواجز طوال الوقت وقيوداً كي تمشي عليها".

تصرف المجمع التجاري يمثل وجهاً من أوجه التمييز الممنوع وفقاً للدستور اللبناني، وشبهة عنصرية دينية في بلد يُقال إنه قائم على التنوع والتعايش بين أبنائه على اختلاف الانتماءات الدينية والثقافية

وتصف مرشاد لرصيف22 أن ما حصل في الـABC هو "أمر غير قانوني لأن دستورنا يكفل الحريات وعدم التمييز ضد الأشخاص بحسب جنسهم ودينهم ومعتقدهم أو أي شيء آخر، ولو كان هناك دولة فاعلة فوجب معاقبة من يقف خلف هذه التصرفات، ووضع آليات لمكافحة هذه الممارسات والتجاوزات إن كان بسوق العمل أو خارجه".

كما توضح أن "الإشكالية الأساسية هي مع أجساد النساء ونظرة المجتمع الذكوري لها، وهناك استغلال دائم لجسد المرأة. والتمييز ضد المحجبات يأتي انطلاقاً من هذا المعيار، إضافة الى المعيار العنصري والطائفي الموجود في المجتمع اللبناني للأسف، والذي يميّز ضد الانتماءات والمعتقدات الدينية على عكس الأمر الذي دوماً نقوله أن لبنان بلد الهلال والصليب ولكن هذا الأمر ليس دقيقاً، مجتمعاتنا غارقة بالعنصرية".

يُذكر أنه في عام 2019 ظهرت عنصر في الأمن العام محجبة ضمن حملة الجهاز الأمني في الذكرى الـ74 لتأسيسه، الأمر الذي قوبل بالثناء من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

تعتبر ناشطات نسوية أن الإشكالية الأساسية هي مع أجساد النساء ونظرة المجتمع الذكوري لها، والاستغلال دائم لجسد المرأة. والتمييز ضد المحجبات يأتي انطلاقاً من هذا المعيار

وعن تجارب المحجبات مع الرفض في سوق العمل بسبب خيارهم الديني، تقول الصحفية فاطمة بسام، وهي فتاة محجبة مرّت بتجارب مريرة في سوق العمل بسبب الفكرة النمطية تجاه حجابها، إن "المرأة يجب ان يتم احترامها ككيان بغض النظر ما ترتدي، الحجاب ليس إكسسواراً، بل هو رمز ديني. الفتاة محجبة ليست كائناً فضائياً، وطالما سنحكم على المرأة بشكل عام استناداً لما ترتديه سنبقى مجتمعاً رجعياً".

وتتحدث بسام لرصيف22 عن التمييز بين من ترتدي الحجاب (المنديل) ومن ترتدي "الإيشارب"، قائلةً إن "الناس أحياناً تكون جيدة معي عندما أرتدي المنديل، ولكن عندما أرتدي الإيشارب تُصبغ عليّ وصمة سياسية"، مشيرة إلى أن إحدى القنوات التلفزيونية التي عملت فيها رفضت أن تكون على شاشتها "لأنني محجبة، وهذا لم يكن مناسباً لهم"، مضيفةً أن "حجابي لم يكن يوماً عائقاً أمامي كي أكون ناجحة ومتعلمة، ولكن فرصي أقل لأني محجبة وليس لأني أقل كفاءة من غيري".

في عام 2019 ظهرت عنصر في الأمن العام محجبة ضمن حملة الجهاز الأمني في الذكرى الـ74 لتأسيسه، الأمر الذي قوبل بالثناء من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي

من جهتها، تقول لور عيسى، وهي حائزة على ماجيستير في إدارة الشركات من الجامعة اليسوعية، إنه تم رفضها من عدد من المصارف رغم نجاحها بالامتحان الخطي، "ولكن في المقابلة يتم رفضي لأني محجبة. فظننت لأنني في بيروت، والأمر ليس ذاته في الجنوب، ولكن اتضح العكس، ومن ثم علمت أن هذا نظام عام داخل المصارف فهم يترددون في توظيف المحجبات"، مشيرة إلى التمييز الذي تعرضت له في معاملة بعض الأساتذة في جامعتها على عكس نظيراها غير المحجبات.

وسبق واحتل لبنان، عام 2015 المرتبة الثانية في تصنيف الدول الأكثر عنصرية في العالم، وفق موقع "إنسايدر مونكي" الأميركي الذي جمع استطلاعين للرأي منفصلين، صنّف على أساسهما أكثر 25 دولة عنصرية في العالم. أجرت الاستطلاع الأول صحيفة "واشنطن بوست"، وسألت الأشخاص إذا كانوا يمانعون مجاورة أناس من أعراق أخرى. الاستطلاع الثاني، سأل مباشرة الأشخاص المستطلعة آراؤهم، إذا كانوا تعرضوا أو شاهدوا موقفاً عنصرياً. اعتمدت النتائج التي نشرها "إنسايدر مونكي"، على آراء أكثر من 85 ألف شخص من 61 بلداً بين عامي 2014 و2015.

وفي لبنان قال 36.3% من المستطلعين إنهم لا يرغبون بمجاورة أشخاص من أعراق أخرى، بينما قال 64.5% منهم إنهم شهدوا حوادث عنصرية. لبنان جاء ثانياً بعد الهند، لكنه الأول عربياً، تلته البحرين، حيث عبّر 31.1% من المستطلعين عن عدم رغبتهم بمجاورة أشخاص من أعراق أخرى، وقال 85.7% منهم إنهم شهدوا على حوادث عنصرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard