ارتفاع نسب الجريمة في العراق... "الغابة يديرها المفترسون ويحرسها السياسيون"

الجمعة 25 مارس 202201:20 م

قبل مغيب شمس الـ18 من آذار/ مارس الجاري، ضجت منطقة البنوك شرق بغداد، بهجوم مسلح قاده صاحب أحد أبراج الإنترنت برفقة أصدقائه على منزل مواطن رفض دفع مبلغ الاشتراك بسبب قيمته المبالغ فيها، توفي على أثر هذا الهجوم أحد أقرباء ذاك المواطن.

قبلها بنحو عشرة أيام، في 7 آذار/ مارس الحالي، مرت دراجة نارية يقودها شخص ملثّم أطلق النار على رجل مات على الفور، فيما أصيبت أخته التي كانت ترافقه بجروح خطيرة. الحادثة وثّقتها كاميرات المراقبة القريبة من مكان وقوع الجريمة التي حصلت في قضاء الحي التابع لمحافظة واسط جنوب غرب بغداد.

اعتاد العراقيون على مثل هذه الأخبار غير العادية، جراء سنوات طويلة من العنف والاقتتال اللذين مرّت بهما البلاد ولا تزال، ويشير موقع IRAQI BODY COUNT المختص بإحصائيات العنف في العراق، إلى تصاعد موجات القتل في البلد منذ عام 2003، إذ تم تسجيل مقتل أكثر من 12 ألف مواطن، فيما قُتل ما يزيد عن 16 ألف خلال عام 2016، وهي آخر إحصائية تبنتها الحكومة بشكل رسمي.

الأمن والجريمة

الشكوك التي طالت الإحصائيات الحكومية، واتهامها بعدم المصداقية، كانت السبب الرئيسي في تجنب المؤسسات الرسمية الإعلان عن نسب الجريمة في البلاد، كما يراها المحامي علي الموسوي، الذي يُعلّل رأيه بانتشار ظاهرة فقدان السجلات الجنائية من أرشيف وزارتي الداخلية والعدل بشكل مستمر، خاصةً ملفات الاغتيال والمفقودين، مؤكداً أن الأزمة تجاوزت فقدان الملفات إلى إهمالها بشكل علني بتأثير من جهات سياسية عليا.

في 7 آذار/ مارس الحالي، مرت دراجة نارية يقودها شخص ملثّم أطلق النار على رجل مات على الفور، فيما أصيبت أخته التي كانت ترافقه

وعادةً ما يرتبط المتهمون ببعض المسؤولين، ما يدفعهم إلى التدخل من أجل الحفاظ على سرية عملياتهم، وحماية منفذيها من العقاب القانوني، يعاونهم في ذلك من هم في مراكز أمنية رفيعة، والذين بدورهم لهم مصالحهم مع السياسيين والأحزاب السياسية في البلاد.

يقول الموسوي لرصيف22، إن التلاعب بالأدلة وإخفائها، بالإضافة إلى إهمال التحقيق مع المتهمين، هو الطريق الأمثل والأسهل لهذا التعاون الذي خلق نوعاً من الأريحية لدى المجرمين، يتمثل في حرية شروعهم في الإجرام بمعزل عن العقوبات القانونية، وتالياً تصدّر العراق قائمة الدول العربية في نسب الجريمة الجنائية والقتل على وجه الخصوص".

تواطؤ الأجهزة الأمنية مع المجرمين، أصبح أمراً مُسلّماً به، يعزز هذا الرأي عزوف المواطنين عن اللجوء إلى القانون في حل قضاياهم، وهذا يبدو واضحاً في قصة الطفلة ذات الثماني سنوات ألا الخفاجي، والتي اختُطفت في 4 شباط/ فبراير الماضي من أمام منزلها في حي القاهرة في شرق بغداد، بعد خروجها لشراء الحلويات من محل مجاور لبيتهم.

لم تعد ألا إلى منزلها بالرغم من مرور نصف ساعة على مغادرتها، فخرج والدها بحثاً عنها وكل اعتقاده أنها تلعب في الشارع، ولكنها لم تكن كذلك. يقول لرصيف22: "علمت باختطافها بعد مراجعة كاميرات المراقبة التي وضّحت رقم سيارة الخاطف، فاتصلت بعشيرتي وداهمنا منزل الجاني عشائرياً بعد ساعتين من الاختطاف، وأنقذت حياة ابنتي من الموت".

وعن سبب اختطافها، يُشير والد ألا، صعب الخفاجي، إلى علاقته بخلاف تجاري قديم ومحاولات لابتزازه، لكن اللافت أنه لم يُبلغ الشرطة، بل أوّل رد فعل قام به هو إبلاغ عشيرته. يقول: "لو أبلغت الشرطة لكانت ابنتي الآن مقتولةً، بسبب تلكؤ الأجهزة الأمنية في القيام بواجبها، واحتمال تعاونهم مع الخاطف، خاصةً وأن الجاني تجاوز سيطرة الأمن، بالرغم من مخالفته لقانون منع تضليل السيارات".

بعد اختطاف ابنته، طلب صعب الخفاجي مساعدة عشيرته ولم يبلغ الشرطة، لأنه في حال فعل، كان ليجد ابنته ميّتة لأن الأجهزة الأمنية تتلكأ وهي الأرجح قد تكون متواطئة مع الخاطف

في هذا السياق، يُبيّن مصدر أمني داخل جهاز مكافحة إجرام بغداد، لرصيف22، أن "عدم جدية الجهات الأمنية في حل بعض المشكلات يرجع إلى عجزها عن مواجهة الميليشيات السياسية"، مشيراً إلى أن "تأثير السياسة على الواقع الأمني، تجاوز منع الاعتقال والتحقيق إلى تنفيذ جرائم منظمة بأمر من مسؤولين بارزين، مثل عمليات القتل وتمرير المتفجرات عبر السيطرات الأمنية، لاستخدامها في استهداف مناطق معيّنة بغرض زرع الفتنة، أو استهداف الناشطين، أو حتى ابتزاز المواطنين البسطاء مستغلين علاقاتهم السياسية أو الحزبية".

وكانت وسائل التواصل الاجتماعي قد ضجت بحادثة إقدام أحد الضباط على رفع سلاحه في وجه أحد الباعة المتجولين في بغداد، في كانون الثاني/يناير الماضي، بعد رفض الأخير دفع "الإتاوة الشهرية"، وبسبب الانتشار الواسع للفيديو والغضب الذي خلّفه في الشارع العراقي، أمر وزير الداخلية عثمان الغانمي بتوقيف الضابط وتشكيل مجلس للتحقيق في الحادثة، وهو ما يصفه الباحث السياسي سلام العزاوي، بالإجراء الحكومي "الفيسبوكي"، دلالةً على أنه لم يكن سيتخذ أي إجراء لولا انتشاره، "كما أنه مجرد إعلان يهدف إلى التخفيف من حدة ردة الفعل الشعبية".

تأثير السياسة

إجراءات الحكومة الشكلية بالإضافة إلى إهمالها، يعزز الاعتقاد شعبياً بأن للسياسيين يداً في ارتفاع نسبة الجريمة، وتؤكد هذه الظنون موجة الاغتيالات التي طالت محافظة ميسان، وضلوع الخصوم السياسيين فيها.

وكانت محافظة ميسان في جنوب العراق قد شهدت موجةً عنيفةً من الاغتيالات طالت ضباط وقضاة وقادة في الحشد الشعبي، جراء الأزمة السياسية الحاصلة، وهو ما يضعه العزاوي في إطار "الصراع السياسي الحاصل وهو صراع نفوذ ومصالح اقتصادية، إذ يتنازع ساسة البلد على المناصب التي تحفز تجارتهم وتزيد مردودها".

أقدم أحد الضباط على رفع سلاحه في وجه أحد الباعة المتجولين في بغداد، في كانون الثاني/يناير الماضي، بعد رفض الأخير دفع "الإتاوة الشهرية"

يقول العزاوي إن "العراق تحول إلى سوق سوداء بعد الغزو الأمريكي (عام 2003)، وهي تدرّ أموالاً طائلةً لأحزاب السلطة"، وباعتقاده أن هذا الأمر هو أحد أهم أسباب عدم تشكيل حكومة جديدة إلى الآن، مشيراً إلى أت "استقرار الوضع الأمني سيوجه الأنظار إلى هذه التجارة، ما يجعل الأحزاب عرضةً لهجوم مباشر من قبل الناشطين، ما قد يصل إلى الرأي العام الدولي، وهو ما يبرر رغبتهم في استمرار الأزمة".

يبيّن العزاوي لرصيف22، أن "إهمال الحكومة لظاهرة تغلغل العناصر الحزبية داخل المؤسسات الأمنية على مدى السنوات السابقة، جعلها عاجزةً عن ردع جماحهم، خاصةً وأن بعضهم أعضاء في لجان الأمن في المحافظات والبرلمان"، وتالياً، أصبحت هذه الأجهزة مجرد أدوات تنفذ الأجندات الحزبية، حسب العزاوي، الذي يسند رأيه في فشل جميع اللجان التحقيقية التي شُكلت سابقاً إلى الكشف عن ممولي تجارتي السلاح والمخدرات.

ويرى الخبير الأمني علي عبد الإله، أن "العلاقة بين الأحزاب السياسية والعصابات الإجرامية تتفرع من الأجنحة المسلحة التابعة لهذه الأحزاب، وتستخدمها الأخيرة في حماية مصالحها بصورة غير مباشرة، وفي المقابل تقدّم الأحزاب حمايتها لهذه الميليشيات وتفسح أمامها المجال لمزاولة نشاطاتها الإجرامية"، مستدركاً أن "هذا لا يعني ارتباط جميع العصابات بالأحزاب السياسية، ولكنها تسيطر على أبرزها وأكبرها، وخاصةً العاملة في مجال التهريب وتجارة السلاح والمخدرات". ويوضح لرصيف22، أن بغداد أصبحت مركز نشاط هذه العصابات، بعد أن كانت سابقاً تنشط في محافظة البصرة ومدن الجنوب.

فعل الأزمة بالمجتمع

ضلوع السياسيين في زيادة نسبة الجريمة أمر مخيف، رفع من حدة التوتر والقلق الاجتماعيين، وأثّر على حياة المواطنين، حسب الباحثة الاجتماعية سجى خالد، التي تعتقد أن الحكومة تتورط في زيادة نسبة الجريمة من جانبين، الأول هو عدم حل الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، ما أجبرهم على الإقبال نحو الجماعات المسلحة بسبب العوز المادي.

تأثير السياسة على الواقع الأمني في العراق، تجاوز منع الاعتقال إلى تنفيذ جرائم منظمة بأمر من المسؤولين، من عمليات القتل وصولاً إلى ابتزاز المواطنين البسطاء

أما الجانب الآخر، فتحصره في مدى تأثر الناس بالجريمة، وهو "أمر تبدو آثاره واضحةً على معالم الحياة الاجتماعية، وارتفاع نسب الأمراض والعقد النفسية بين المواطنين، غالبها مرتبط بعامل الخوف والقلق المستمر من القتل أو الخطف والسرقة أمام أنظار الأجهزة الأمنية الفاسدة أو المهملة".

ويذهب الناشط المدني سجاد اللامي، إلى القول بعدم وجود حرية التعبير في العراق بسبب الخوف من الاستهداف المنظم، مُشبّهاً الوضع في البلد بغابة يديرها المفترسون المحميون سياسياً، ويذهب ضحيتها الأبرياء.

يستمر دق ناقوس الخطر منذ عام 2003، في ظل صراعات سياسية زعزعت الاستقرار الاجتماعي، فيما يرحل ضحايا واقع البلد المر، أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم عراقيون، فهل تستمر الأزمة؟ أم ستحقق الحكومة القادمة المستحيل، وتنهي مسلسل العنف في العراق؟ لا أحد متفائل ولكن الكُل ينتظرون، وليس لدى العراقيين سوى الانتظار، والأمل، لا أكثر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard