شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
التصميم البيوفيلي وعلم طاقة المكان... لمنازل هادئة وسعيدة

التصميم البيوفيلي وعلم طاقة المكان... لمنازل هادئة وسعيدة

حياة نحن والتنوّع

الخميس 25 أغسطس 202203:02 م

في طفولتي كنت ألاحظ أن جدتي وأمي تقومان بحركات انتقالية لأثاث المنزل بين الحين والآخر، وإذ كنت أتساءل كانت إحداهما تجيبني بأن هذا التغيير يرفع من طاقة المنزل، الأمر الذي ينعكس عليه بالخير والرزق الوفير. فقد كانت جدتي دون علم منها بلغة "الفونغ شوي" أو التصميم "البيوفيلي" تقوم بتغيير مكان "الفرن" وتنظفه يومياً، لاعتقادها أن هذا الفعل يأتي بالمال والنفوذ.

أما اليوم فقد تسللت لغة "الفونغ شوي" إلى المجتمعات الشرقية والغربية، وأمست محل اهتمام، لا سيما بين الرجال والنساء الشغوفين بالتصميم الداخلي، وبالأخص بين الفتيات المقبلات على الزواج. 

الموروث المصري لطاقة المكان

"ده بيت عتبته وحشة" "ده بيت نحس" "ده مكان روحه مش مريحة" عبارات تؤشر لأفكار متوارثة في مجتمعنا منذ مئات السنين، وهنالك ما يقابلها في مجتمعات أخرى وبلغات أخرى. 

تقوم مباديء الفونغ شوي على مبدأ انبعاث الطاقة وامتصاصها أو ما يسمى الـ"BAGUS" وهي الخارطة التي تترجم حركة الطاقة وتوزيعها في تسعة محاور يرمز كل منها لجانب من حياة الإنسان، فكلما اتسم المنزل بالهدوء أكثر كانت طاقته أعلى، ويفسر هذا العلم السبب بسريان الـ"طاقة الإيجابية" في جميع أركان المنزل.

كانت جدتي دون علم منها بلغة "الفونغ شوي" أو التصميم "البيوفيلي" تقوم بتغيير مكان "الفرن" وتنظفه يومياً، لاعتقادها أن هذا الفعل يأتي بالمال والنفوذ

ترى  إيناس حسن، وهي سيدة أعمال تمتلك معرضاً للمفروشات المنزلية، أن الذوق في الوقت الحالي اختلف كثيراً عن السابق، ففي الماضي كان المشتري لا يشترط ألواناً أو تصميمات محددة بعينها، لكن حالياً تُطبق معظم المقبلات على الزواج مبادئ "الفونغ شوي"، سواء في اختيار تصميمات الأثاث أو ألوانه، بالإضافة إلى ألوان الجدران ووضعيات الأثاث، بما يتفق في المجمل مع الوجهة الملائمة لطاقة المكان.

آية أحمد إحدى اللواتي تعمقن في ندوات وورش تختص بعلم الطاقة، تقول: "قررت تصميم ديكورات منزلي بما يتلاءم مع هذه الثقافة الجديدة، فهي ليست مجرد حس جمالي، بل حس روحاني أيضاً، وتطبيق هذه اللغة على ألوان الأثاث وتوجيهها إلى وجهة الطاقه الملائمة، يضفيان على المكان حميمية وسحراً خاصين به".

أما منى محمد فتقول: "كنت أعتقد أن تنظيف المنزل بطرق الجدات التقليدية مثل رشه بالملح والماء من الخرافات، ولكنني الآن أداوم على هذه العملية على الأقل مرة أسبوعياً، لأنها جعلتني أشعر بسعادة غامرة".  

التصميم "البيوفيلي" وعلاقته بالـ"فونغ شوي" 

انتشر التصميم الـ"بيوفيلي" ويعني حب الحياة من ضمن ما انتشر من ثقافات في عالم ما بعد أزمة كورونا، حيث برزت إستراتيجيات تصميم خاصة في إنشاء بيئات طبيعية من حولنا، ودمجها مع بيئة صحية لدعم الجهاز المناعي والتنفسي، كضرورة ملّحة في عالم يعيش في أزمة صحية وجائحة كبرى.  

البيوفيلي تعني (حب الحياة) ويعتبر البابليون أول من جسّد هذا التصميم في حدائق بابل المعلقة، لكن تم طرح هذه النظرية لأول مرة في القرن العشرين من قبل عالم الأحياء الأمريكي إدوارد دويلسون، الذي افترض في نظريته أن البشر مجهزون حيوياً للاتصال بعناصر الطبيعة، فلا يمكن أن يعيش الفرد منفصلاً عن طبيعته والبيئة الإجتماعية المحيطة به.

التصميم الـ"بيوفيلي" يعني حب الحياة  وتبرز فيه إستراتيجيات تصميم خاصة في إنشاء بيئات طبيعية من حولنا، ودمجها مع بيئة صحية لدعم الجهاز المناعي والتنفسي

شركة عالمية مثل أمازون استخدمت هذا التصميم في مقرها في واشنطن، وهو عبارة عن ثلاث كرات ذات قبب زجاجية ضخمة وحديقة خاصة للقاءات والمناسبات الإجتماعية مزوّدة بشلالات وطيور ونباتات مزروعة داخل البناء وخارجه. أما في مصر فنجد مدينة الرحاب على الطراز البيوفيلي، وبعض مدن العاصمة الإدارية الجديدة، والتي تسعى من خلال اعتماد هذا التصميم لتوفير بيئة عمل جيدة، ومناسبة من أجل رفع القدرة الإنتاجية للفرد، ونبذ المشكلات الزوجية على قول خبراء هذا النوع من التصميم الداخلي.  

يشير استشاري التصميم البيوفيلي أوليفر هيث في موقعه إلى أن ترتيب المباني داخلياً وفق هذا النمط يتناسب مع الطبيعة، فمن منا لا يرغب في التنزه في حديقة في يوم مشمس جميل؟ وهذا الأمر يتعلق تحديداً بانجذاب البشر الفطري للطبيعة والحنين إليها بعد يوم عمل مجهد، فعندما نريد قضاء عطلتنا الأسبوعية أو الصيفية نتجه إلى الأماكن والنوافذ المفتوحة مثل الشواطىء والجبال والغابات لأنها تعطي للإنسان سعادة، وتخلصه من التفكير السلبي المتعلق بضغوط العمل، والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية  التي نمر بها.

ويلفت إلى أن هذه القدرة على التعافي هي ما يدمجه مهندسو الديكور بشكل متزايد ومستمر من خلال التصميم البيوفيلي، وقد تم تطبيق هذا التصميم من أجل محاربة العولمة والتقدم التكنولوجي في المشروعات والمباني المعمارية، التي تفصل الإنسان كلياً عن البيئة الطبيعية المحيطة به، حيث يقوم على المزج والدمج بين الطبيعة وعناصرها في البناء الداخلي والخارجي في المناطق الحضرية، وإنشاء مدن سكنية معمارية تكتسب صفتها الأساسية من الطبيعة.

هل علم الطاقة مثبت علمياً؟ 

قارنت دراسة في سلوفاكيا بين غرف انتظار سريرية مصنوعة من الخشب، وأخرى مصنوعة من الصفائح في أحد المستشفيات. وبحسب الدراسة فقد كان المرضى أكثر هدوءاً وأقل توتراً في الغرف الخشبية، لأن الأمر لا يتعلق فقط بطول الانتظار في العيادات بل أيضاً بالجو العام للمكان. 

أشارت دراسة إلى أن الأطفال الذين يعانون من اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه، والذين قضوا عشرين دقيقة في الطبيعة أظهروا تركيزاً وانتباهاً أفضل من أقرانهم الذين ساروا في مدينة ملأى بالمعمار التقليدي

كما أشارت دراسة أخرى إلى أن الأطفال الذين يعانون من اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه، والذين قضوا عشرين دقيقة في الطبيعة أظهروا تركيزاً وانتباهاً أفضل من أقرانهم الذين ساروا في مدينة ملأى بالمعمار التقليدي.

اليوم يتم تصميم المستشفيات مع تخصيص مساحات أكبر للحدائق، حيث تبين أن المرضى الذين يمارسون التأمل في الطبيعة خارج غرفهم العلاجية، لديهم فرصة للتعافي في وقت أقصر من خلال تعرضهم لفترات أطول لضوء الشمس المباشر، مما يساند العلاج بالأدوية التي لا يعتمد العلاج عليها كلياً. 

في كتابه "الفونغ شوي وعلاقته بهندسة الديكور" أوضح د. عمرو الدسوقي ضرورة اختيار ألوان مفرحة لغرفة النوم كاللون الأبيض أو البيج، لارتباطهما في لغة الـ"فونغ شوي" بالـ"اليين يونغ" مما يحقق الاتزان في المجال الخاص بالطاقة فينعكس ذلك على الزوجين بالسعادة.

المنازل الريفية المصرية بأنها "أقل نكداً وأكثر حميميةً" لأن الفلاحين المصريين يمارسون علم طاقة المكان في كل تفصيلة من تفصيلات البيت وفق ما توارثوه عن الأجداد والجدات

وقد أشاد الدسوقي إلى المنازل الريفية المصرية بأنها "أقل نكداً وأكثر حميميةً" لأن الفلاحين المصريين يمارسون علم طاقة المكان في كل تفصيلة من تفصيلات البيت وفق ما توارثوه عن الأجداد والجدات. لذا نستشعر في المنازل الريفية مزيداً من السعادة والتناغم والتوافق بين أفراد الأسرة، بحسب رأيه. 


لماذا يصعب تقبّل الآخر كما هو؟ شاركونا آلامكم (أو تجاربكم) إن كنتم قد تعرضتم لرفض ما، من أي نوع. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهةً. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard