العراقية هناء صادق: مصممة الأزياء وحارسة الحُسن العربي

الجمعة 12 أغسطس 202212:58 م

نشأت مصممة الأزياء العراقية هناء صادق بين بغداد وعمّان. درست الأدب الفرنسي والفن التشكيلي في العراق واستكملت دراستها في باريس، وعملت ولا زالت في حقل تصميم الزي العربي الذي تترجم من خلاله عشقها لهذه الهوية.

لماذا لا تصل الأزياء العربية للعالمية؟ هل المشكلة في جوهر الزي العربي؟ هل ارتباط هذه الهوية بالـ"إسلاموفوبيا" انعكس على الأزياء التي تصدرها فسبب عزوفاً عنها؟ ولماذا لا نرى أزياءنا الشرقية على ممشى عروض الأزياء في عواصم الأزياء في العالم إلا نادراً؟
باختصار هل ضعف الإقبال على الأزياء العربية هو موضوع هوياتي أم اقتصادي؟ الكثير من الأسئلة والأجوبة التي تدفع حيناً على الزهو وعلى الحزن حيناً في ما تقوله صادق عن حال الزي العربي في العالم، وفي رؤيتها البديعة لحقيقة الهوية البصرية الجمالية.

الزي الشرقي يغري بالغموض لا المباشرة

بدأت المقابلة معها بسؤال لماذا تقتصر الأزياء العربية على التراثية؟
كما تصمم أثوابها بأناقة صممت صادق جوابها قائلة: "في بداية مشواري كمصممة واجهت صعوبة في إقناع النساء بارتداء تصاميمي المشبعة بالروح والهوية العربيتين. مكمن الصعوبة في ترويج ارتداء ثياب عملية "كاجيوال" وفي نفس الوقت تعطي انطباعاً يقول أنا صاحبة هوية عربية. معظم النساء يفضلن إما الزي التراثي أو الزي الأجنبي".
وحول ماهية الأزياء العملية كما أسمتها التي لا تجد قبولاً لدى المرأة العربية تقول: "على سبيل المثال قد يكون الزي فستاناً واسعاً لكن بلمسة عربية خفيفة كتطريز بسيط، وفق خبرتي لاحظت أن الفتاة العربية تتأثر بالترويج الأوروبي في عالم الأزياء، إحدى أبرز نقاط هذا الترويج أنه كلّما برزت تفاصيل الجسد ظهرت الفتاة أكثر أنوثة، وهي مغالطة كبيرة وأعارضها تماماً. فالغموض في اللباس أجمل بكثير وأكثر إغراء، حين ترتدي الفتاة ثوباً واسعاً سيكون هنالك إيحاء بما تحته والإيحاء أجمل من المباشرة. وإذا ارتدت فستاناً يغطيها بالكامل مع فتحة صدر سيتم التأمل في ما بعد الفتحة، كما في الثوب الفلسطيني. أنا من هذه الفلسفة لأنها نابعة من تراثنا العربي ولأنها أميل للإغراء من اللباس الضيق".
الغموض في اللباس أجمل وأكثر إغراء، حين ترتدي الفتاة ثوباً واسعاً سيكون هنالك إيحاء بما تحته والإيحاء أجمل من المباشرة
ليست صادق من محبّات اللباس الضيق عموماً، والأمر من منظورها يتعدى الذائقة إلى الاعتراف بأن طبيعة الطقس الحار في الشرق لا تتناسب مع هذه النوعية من الثياب، تقول: "وكأن هناك حتمية بأن يكون البنطال ضيقاً، مناخنا العربي إجمالاً حار. بالتالي ليس بالضرورة أن بقي ملتصقاً بالجسد. خيار البنطال الواسع يُدخل الهواء ويعمل كـ"كونديشين" من كل الجهات ويسبب برودة للجسم".
ترفض المصممة العراقية التي تخطو نحو عامها الخامس والثلاثين في هذا العمل، مقولة إن الغرب يرفض أزياءنا لأنها تقيّد الجسد، فالكثير من التصاميم الغربية تأتي من التاريخ الأندلسي، كالكُم الطويل، والعديد من مصممي الأزياء المعاصرين الغرب يستوحون أزياءهم من الزي العربي مثل دولتشي غابانا الذي يضرب الأصفر بالأحمر والأخضر أو يستخدم الترقيع، وهي تلوينات مستخدمة في العالم العربي منذ قرون بحسب صادق.

وعن نظرة الغرب للزي العربي، تجيب: "عندما أسير في شوارع باريس استشعر احترام الناس لي بسبب لباسي، في المترو يقفون لي لأنهم يرونني "ليدي" من خلال أزيائي. كذلك الحال في المؤتمرات والفعاليات الدولية. اللواتي يرتدين لباس بلادهن يتم تقديمهن إلى الصفوف الأمامية دائما،ً كالهنديات والإفريقيات".
الكثير من التصاميم الغربية تأتي من التاريخ الأندلسي، كالكُم الطويل، والعديد من مصممي الأزياء المعاصرين في الغرب يستوحون أزياءهم من الزي العربي مثل دولتشي غابانا
وحول تغيير الذهنية السائدة التي تؤشر إلى المناهج المدرسية، علماً أن كثيراً من الصور المستخدمة في المدارس فيها هي صور أجنبية، تقول: "لا أقول أن يضعوا صوراً لأشخاص يرتدون الطربوش لكن سيكون جميلاً لو شاهدنا صوراً لفتيات يلبسن القفطان. يجب مراعاة المشهدية التي نقدمها لأطفالنا. فالطفل يستخدم عينيه قبل النطق والمشي وعلى ذاكرته البصرية أن تتشبع بالهوية العربية".

ضعف الإقبال هو أزمة هوية بالأساس

أمّا لماذا لم تفرض الهوية العربية نفسها في الـ"هوت كوتور"، فترى أن الإقبال الغربي لن يكون قوياً ما دام الإقبال العربي ضعيفاً، تقول: "لو طلبتِ ثوب زفاف فستختارين المفتوح والكشكش. لن تطلبي ثوباً ذا طابع عربي، إذ كنا نحن لا نعترف بجمالية هويتنا فكيف نتوقع أن تنجح في الـ"هوت كوتور" الموجة الغربية أقوى منا بكثير".
وتضيف: "لو طُلب مني تصميم ثوب زفاف عربي، فأول ما سأتخلص منه هو البهرجة الزائدة، لن تظهر في ثوب العرس الذي أصممه. فالثوب العربي يجب أن يكون بسيطاً وهادئاً. وقد يبرز تفاصيل الجسد لكن بشفافية وحساسية عالية".
تختلف هناء صادق عن بقية المصممين العرب بأنها لم تدرس التصميم في الغرب، لكنها درست تخصص علم الإنسان "الأنثروبولوجيا" في الأزياء والحلي، وقد تناولت كتبها أصل النسيج العربي منذ السومريين والفراعنة وتطوره عند الأمويين والعباسيين من ثم الأندلس.


لو طُلب مني تصميم ثوب زفاف عربي، فأول ما سأتخلص منه هو البهرجة الزائدة، فالثوب العربي يجب أن يكون بسيطاً وهادئاً، وقد يبرز تفاصيل الجسد لكن بشفافية وحساسية عالية
الحزن الذي أبدته صادق ليس بالأمر الذي يمكن تجاهله في المقابلة، لدى سؤالها عنه أشارت إلى أزيائها المعلقة وقالت: "لأن هذا سوف يموت، العولمة شلت الجسم العربي الذي هو الآن محنط يعتمد على جرعات من نقاط أجنبية. نفس الشيء بالنسبة إلى الطعام والأثاث والبناء... ضاع كل شيء".
كررت الجملة الأخيرة وهي تستذكر "الذي ضاع" من التراث العربي كحفلات الحنة والمناسبات الشعبية على غرار "مناسبة زكريا" عندما كان الرداء فيها، كما الأغاني والرقص، مميزاً وجميلاً. تقول: "عندما يأتي سائح إلى الأردن يتناول الهمبرغر، ويشتري حلياً يضحكون عليه بها بقولهم إنها بدوية، وهي هندية، حتى الحكومات العربية عندما تهدي إلى الوفود الأجنبية تهدي شوكولاته سويسرية. نحن بلا هوية".
"جدأ مقهورة" جملة معترضة قالتها ثم استأنفت: "ما أسهل احتلالنا حين نكون شعوباً بلا تراث. التراث أسلوب حياة، يجب أن لا نرمي المحتل بالحجارة فقط. يجب أن نضربه بالثقافة أيضاً".
علاقة الزي العربي بتمكين المرأة
للزي العربي علاقة وثيقة بتمكين المرأة الريفية اقتصادياً بحسب صادق، فمهارات التطريز والشك ليست شائعة لدى معظم النساء في المدن، وتشير إلى وجود 27 سيدة من مختلف القرى الأردنية يشتغلن في تصميماتها، تقول: "كنّ نساء مقموعات في السابق وبعد أن أصبح لدى كل منهن مهنة ودخل اقتصادي صار لها رأيها بعد أن كانت محرومة من التعبير عن أبسط الأشياء".
وتشير إلى أن تشغيل السيدات الريفيات، بالأخص اللواتي لا يتمكن من مغادرة المنزل من شدة القمع أولى اقتصادياً واجتماعياً من استيراد الثياب الشبيهة من الخارج.

إسمها الحلي لا الإكسسوارات 

لا تستخدم صادق لفظة "اكسسوارات". فانحيازها للهوية العربية لغوي أيضاً، تتحدث عن الحلي بقولها: "للحلي أدوار كثيرة تلعبها في الحياة، جزء كبير منها هو بالأصل من الطلاسم القديمة. نحن نرتدي شكل مثلث مثلاً دون أن ندرك أنه قبل خمسة آلاف سنة كان له معنى. لا توجد رسمة عشوائية في تراث الحلي العربي. كلها لديها أصول تاريخية وأغلبها طلسمية".
ما أسهل احتلالنا حين نكون شعوباً بلا تراث. التراث أسلوب حياة، يجب أن لا نرمي المحتل بالحجارة فقط، يجب أن نضربه بالثقافة أيضاً
وتكمل: "بعض أشكال الحلي القديمة هي لجلب الرزق، وبعضها لجلب المحبة، أو الخصوبة، مثلاً ترتدي العروس اللؤلؤ الحر والمرجان لأنه فأله التكاثر، أما العقيق فيمنع الضيق، والزملك لليسر. لو أعطيت المرأة البدوية حجراً من الألماس لن تعلم قيمته لأنه من خارج ثقافتها، أما لو وضعت أمامها حبة عنبر، فستكون مستعدة لبيع كل ما تملك للحصول عليها. فالعنبر في ثقافتها إلى جانب رائحته الجميلة يعالج الكثير من الأمراض".
وتشير ساخرة إلى الاستلاب للثقافة الغربية بأن كل هذه الكنوز المعرفية الموجودة في ثقافتنا الشرقية صارت تدرس باللغات الأجنبية ضمن الثقافة الغربية تحت مسميات مثل علم الطاقة". وختم سخريتها من الحال الذي وصفته بـ"الهابط كما الأغنيات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard