التراث من منظور حداثي جديد... حوار خاص مع الفنان والمصمم اللبناني إياد نجا

الخميس 6 أغسطس 202011:02 ص

يجسد الفنان والمصمم اللبناني متعدد التخصصات إياد نجا تزاوج الفن التجريبي الحداثي بالتراث. ويطمح من خلال عمله على مفاهيم ومواد مختلفة، إلى أن يصبح سفيرًا للتراث، باحثاً عن الإلهام في التفاصيل الثقافية وصخب العناصر البيئية.

بعد أن حصل إياد على شهادة البكالوريوس في التصميم الجرافيكي من الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت LAU عام 2000، بدأ حياته المهنية في مجال الإعلانات قبل الخوض في تجربة التصميم. وفي عام 2013، أسس إياد شركة تصميم وتطوير، كرّس عملها لتسليط الضوء على الخط العربي والتصاميم الشرقية.  ويسعى إياد حاليًا للحصول على شهادة الدراسات العليا في الفن والعمارة الإسلامية.



يطبق الفنان تجاربه الحسية الغنية على العديد من التخصصات الإبداعية، من خلال إثراء مشاهديه بمنظور جديد للتراث، حيث يخلق قطعاً فنيةً رفيعة من الأشياء اليومية والمواد الاعتيادية. كما تتداخل تجاربه الشخصية في نسيج أعماله، ما يعكس أسلوبه في البحث الداخلي عن عناصر فنية شخصية لخلق أعمال فريدة تعكس الهوية والنزعة الفردية والثقافة لتقديم التراث من خلال منظار حداثي.

يتحدث إياد نجا في حوار خاص لرصيف22 عن تجربته الفنية وعمله في التراث والخط العربي.

- إياد، نرى أنّك كثيرًا ما توظّف الخطّ العربيّ في تصاميمك، إذ تزاوج بين الكلمة والتصميم مع التركيز على وظيفة المنتَج، لماذا استعمال الخطّ العربيّ تحديدًا في تصميم قطع معاصرة؟ هل هي محاولة للاستلهام من الماضي أم أنّ الأمر انتماء إلى هويّة فنّيّة؟

ينقلك شكل الحرف في اللغة العربيّة إلى الصوت الخاصّ به. والأحرف لا تستلزم تهجئةً فحسب، بل أداءً صوتيًّا يتولّد عنه نغم. وبذلك النغم، أترك العبارات تنساب لتشكّل تصميم الجملة، سواءٌ انتهى بها المطاف لتستقرّ على سطح قطعةٍ فنّيّةٍ معيّنة تُعلَّق على جدار، أو تشكّل جزءًا من قطعةٍ فنّيّةٍ أخرى. إنّ الغرض الأساس من الخطّ العربيّ هو إمتاع النظر بالدرجة الأولى، ويأتي بالدرجة الثانية الوظيفة التي يؤدّيها إن وُجد ضمن قطعةٍ ما.

الفنان والمصمم إياد نجا في حوار خاص لرصيف22: أوجدت تلك الفجوة الواضحة في تمثيل الفن الإسلامي، التي وظف فيها الخط العربي بطرق محدودة وتقليدية، نزعة قوية إلى التجديد وسعياً إلى الانتماء إلى هوية ثقافية

وتظهر فجوةٌ واضحةٌ في تمثيل الفنّ الإسلاميّ خاصّة في الطرق المحدودة والتقليديّة التي تمّ من خلالها توظيف الخطّ العربيّ. الأمر الذي أوجد بداخلي نزعةً قويّةً إلى التجديد وسعيًا إلى الانتماء إلى هويّة ثقافيّة. ولا تكفي التحف التاريخيّة –المعروضة في المتاحف والمتناقلة بين الأسر- أو الأعمال الحرفيّة، أو الأنماط الإسلاميّة الموجودة على الإنترنت إلّا لملء جزءٍ بسيطٍ من الفراغ الموجود. ولذلك فإنّ اقتناء قطعةٍ فنّيّة لها وظيفةٌ عمليّة وتشتمل في الوقت عينه على فنٍّ إسلاميّ بصورةٍ معاصرة تعكس بعدًا اجتماعيًّا، هو حاجةٌ ثقافيّة أكثر منه مطلبًا لفئةٍ معيّنة من العملاء. وتلبية هذه الحاجة هو ما سعيتُ إلى تحقيقه في تصميماتي.

فمن خلال فهم العصر الذهبيّ للفنّ الإسلاميّ ومراحل تطوّره فيما بعد، أستقي بصيرةً أتّخذها مصدرًا دقيقًا للإلهام إلى جانب أمورٍ أخرى، منها الإمكانيّات التقنيّة مجتمعةً، وتناسق الموادّ، والابتكار في صناعة الثقافة المادّيّة. هذا بالإضافة إلى الاستلهام من الثقافات الغنيّة والبيئات الحيّة التي أتعرّض لها باستمرار.


- إلى جانب الخطّ العربيّ أعرف أنّك تهتمّ بالعمارة الإسلاميّة والمنمنمات والفنون الإسلاميّة-العربيّة عامّة. أين تقف كمصمّم معاصر من التراث الإسلاميّ؟ من الواضح لي أنّك لا تهمله البتّة، لكن سؤالي هو: هل تعود إلى التراث لإحيائه أم لتجاوزه؟

إنّ اهتمامي بالفنون والعمارة الإسلاميّة مادّةً للدراسة هو لبناء بعض الأفكار وتعزيزها بموروثٍ حضاريّ مرشّد. ولا ترمي تصميماتي إلى إعادة إحياء العصر الذهبيّ للفنّ الإسلاميّ، بل هي إدراكٌ واعٍ لاستمراريّة هذا الفنّ. ولا يمكن لهذا أن يحدث إلّا من خلال فهمٍ بنّاءٍ للمقوّمات الأساسيّة للفنّ الإسلاميّ، ومن ثمّ منحها جسدًا جديدًا تحيا فيه وتزدهر. وكانت خطوتي الأولى في سبيل ذلك هي الحصول على شهادةٍ عليا في الفنون والعمارة الإسلاميّة. وهناك عوامل أخرى تساعدني في رفع مستوى تصاميمي، منها اختيار الموادّ الأوّليّة كما ذكرتُ سابقًا، وتعيين أشكال القطع الفنّيّة ووظائفها، والطريقة التي يتلقّى فيها جمهوري هذه التجربة ويتفاعل معها.

- يعجبني أنّك لا تكتفي بتصميم عبارات وأشعار تراثيّة، بل تلجأ، في كثير من الأحيان، إلى إبداع نصوص جديدة لتوظيفها في تصاميمك. لماذا تلجأ إلى ذلك؟ هل إنّ الأدب العربيّ القديم قاصر عن تأدية الوظيفة المعاصرة؟

تشهد الآيات القرآنيّة وبعض النصوص الأدبيّة الموجودة على المباني والمنسوجات والقطع الفنّيّة والعملات النقديّة على ذوقٍ فنّيّ رفيع. كانت الكلمة المكتوبة تحظى بتقديرٍ عالٍ، وكذلك الخطّ لارتباطه بتدوين النصوص في الحضارة الإسلاميّة. ويبدو ذلك واضحًا في الحضارة المادّيّة، وفي انتقال النصوص على تحفٍ مختلفة كان غرضها إمتاع الناظرين إليها. وينطبق ذلك أيضًا على النصوص بالعربيّة والفارسيّة والتركيّة والأرديّة. وإنّ إبداع نصوصٍ جديدةٍ يشهد على ذلك أيضًا، لأنّ الجانب الشكليّ بجماله يبقى طاغيًا على مضمون النصّ. ولذلك فإنّ النصّ المضاف لا يحمل قيمةً رمزيّةً بحدّ ذاته، لكنّنا نلصق به تلك القيمة.

إياد نجا لرصيف22: السبب في أنّني أؤلّف معظم العبارات التي أستعملها في تصاميمي هو أنّها تمنحني مساحةً أكبر للتدخّل في تشكيل الحروف والخروج بأفضل نتيجة مرجوّة

والسبب في أنّني أؤلّف معظم العبارات التي أستعملها في تصاميمي هو أنّها تمنحني مساحةً أكبر للتدخّل في تشكيل الحروف والخروج بأفضل نتيجة مرجوّة. قد أرغب في جملةٍ تكثر فيها الألِفات أكثر ممّا هو موجودٌ في المصادر العربيّة، وقد أرغب في جملةٍ توحي بفكرةٍ معيّنة دون اشتمالها على الكثير من الكلمات... ولذلك فإنّ تأليف بعض العبارات يمكّنني بسهولة من خلق كتلةٍ فنّيّةٍ بالأحرف العربيّة. النصّ في عملي هو الهيكل الأساس الذي يخرج منه العمل الفنّيّ إلى الحياة.

- لفتني أيضًا أنّك لا تبدع منتجات للمعارض بقدر ما تهتمّ بوظيفة المنتج اليوميّة، أعمالك أبعد ما تكون عن النوستالجيا، هل هذه رؤيتك للفنّ العربيّ-الإسلاميّ المعاصر؟

هذا أمرٌ شخصيّ بامتياز ويعود إلى طريقة إدراكي للأشياء. وأعتقد أنّ القطع الفنّيّة التي أنتجها لا تتبع منهجًا تقليديًّا وإنّما تتبع ذوقي وتجاربي الحسيّة، وهي لهذا السبب تُعدّ عصريّة. عندما أُبدع قطعةً ما فأنا أُشبع حاجةً ملحّةً في داخلي للإبداع، ولا أفكّر خلالها بشيءٍ إلّا بمنح القطعة التي بين يديّ شكلًا من خلال المكوّنات التي أنا أخبَرُ بها: الخطّ والموادّ. وبعد أن يكتمل أساس القطعة، أتساءل عن موقعها في حضور عملائي وعن وظيفتها، وأقوم بالتعديل وفقًا لذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard