كلمتهم مسموعة من الملوك والأثرياء والمشاهير... "الستايلست" وصناعة التفرّد

الأربعاء 10 أغسطس 202202:13 م
يشير "الأسلوب" الخاص بكل منا إلى طريقة الشخص الخاصة في التعبير عن نفسه سواء كان ذلك من خلال الملابس أو الكتابة أو الهندسة المعمارية أو أي شكل آخر من أشكال التعبير.
في عالم الموضة، عادةً ما يتشكل الأسلوب أو "الستايل" من خلال الخيارات الجمالية مثل الملابس والإكسسوارات وتسريحة الشعر والطريقة التي ينسق بها المظهر العام معًا. "الستايل" هو وسيلة للتعبير عن الشخصية بتفرد، بينما تتعلق الموضة باتباع الاتجاهات، لذلك يمكن وصف "الستايل" بأنه النزعة الفردية الممزوجة بالكاريزما لكل منا، وتأتي الموضة بعده لا قبله.
الموضة هي النمط السائد داخل ثقافة معينة في وقت معين. وترتبط بالاتجاهات الجديدة، فهي تشير إلى الطرق الشائعة لارتداء الملابس خلال حقبة معينة. لذلك، فإن ما نرتديه هو من نحن، وهو إحدى الوسائل التي نستخدمها للتعبير عن أنفسنا وهويتنا وحتى كيف نشعر. لأن ما نرتديه يوميًا يؤثر على قدراتنا المعرفية والإدراكية، فينعكس على الطريقة التي نرى بها أنفسنا من جهة، والتي نريد أن ينظر بها إلينا الآخرون من جهة أخرى.

تاريخ المهنة من القصور إلى الكاميرات إلى المحلات

قد يرى البعض أن مهنة تنسيق الملابس هي إحدى المهن المستحدثة المتمخضة عن التوجهات الجديدة للموضة وإيقاعاتها المتسارعة، أو أنها إحدى المهن التي يمكن ممارستها دون أن تتجاوز حدود المعرفة للشخص قراءة مجلات الموضة المتاحة، أو تنسيق الألوان والأنماط، إلا أن للتاريخ رأياً مغايرًا تمامًا، يدحض هذه النظرية بالكامل.
يعود تنسيق الملابس لقرون عديدة، رغم أنه اكتسب الزخم الأكبر كـ"مهنة" في العقود القليلة الماضية فقط، فقد تحول "الستايلست" من كونه إحدى مهام فرق التحرير في كبار مجلات الموضة العالمية، ليصبح متاحاً على المستوى الفردي للمشاهير، ومن ثم أصبح عنصرًا أساسيًا في المتاجر الواقعية خصوصًا مع دخول التجارة الإلكترونية.
تحول "الستايلست" من كونه إحدى مهام فرق التحرير في مجلات الموضة العالمية، ليصبح متاحاً على المستوى الفردي للمشاهير، ومن ثم عنصرًا أساسيًا في المتاجر الواقعية
بحسب ما يذكر المؤرخون، يحسب لماري أنطوانيت، آخر ملكات فرنسا، ما قدمته للموضة أيامها. فبسبب حبها المبالغ فيه للأناقة، تمكنت من نقل أنظار العاملين في الملابس والخياطة من لندن إلى باريس وتتويجها مركزًا وعاصمة للموضة العالمية. ففي عام 1772 تم تقديم الملكة الشابة إلى روز بيرتين التي تولت مهمة تنسيق ملابسها الملكية لعقود عديدة.
اعتمدت ماري انطوانيت على تصميمات واختيارات "بيرتين" لمساعدتها على خوض حروبها السياسية والاجتماعية الداخلية الباردة، ولطالما ترددت على لسانها مقولة: "حارب أعداءك بأناقة".
بالقفز إلى ستينيات القرن الماضي، كانت العارضات يقمن بتسريح شعورهن وعمل مكياجهن وانتقاء إكسسواراتهن بأنفسهن أثناء جلسات التصوير، حتى انتقلت هذه المهمة إلى المحررين الذين عملوا في تحرير صفحات الملابس والأزياء حصريًا في مجلات الموضة.
في السبعينيات، بدأت جذور ما يعرف الآن بمستشار تنسيق المظهر أو "الستايلست" بالتمدد، وبدأ الجمهور بالافتتان بالأزياء الراقية. وفي عام 1975 تحديداً نشر الكاتب جون تي مولوي كتابه "لباس من أجل النجاح"، الذي يعتبر دليلاً للأناقة ليركز على المظهر المناسب الموسمي ونظريات الألوان.
خلال الثمانينيات، كان اختيار الملابس وتنسيقها على العارضين يعرفان باسم "تحرير الموضة"، كون هذه المهمة كانت توكل بشكل حصري للمحررين الذين يعملون في مجلات الموضة العالمية، ولذلك يعتقد أن راي بيتري هو رائد مهنة تنسيق الملابس وعرابها الذي كان معروفًا بأسلوب البوفالو، وهو مزيج انتقائي من أنماط الملابس الحضرية والإثنية والرياضية والأزياء الراقية.
بدأ الاهتمام بتنسيق الملابس خلال الثمانينيات مع بروز موجة من المصممين المستقلين وأبرزهم جيورجيو أرماني، فقد لاقت ابتكاراته رواجًا كبيرًا وخصوصًا لدى المشاهير، ومن هنا بدأت شركات استشارات الصور في الظهور لتقدم للأفراد العاديين فرصة الحصول على إطلالات تشبه إطلالات النجوم.
اعتمدت ماري انطوانيت على تصميمات واختيارات "بيرتين" لمساعدتها على خوض حروبها السياسية والاجتماعية الداخلية الباردة، ولطالما ترددت على لسانها مقولة: "حارب أعداءك بأناقة".
في عام 1990، صاحبت تصاميم أرماني 12 نجمًا إلى السجادة الحمراء في حفل توزيع جوائز الأوسكار، لتطلق الصحافة على الحفل في ذلك العام "حفل جوائز أرماني". وقد كتبت فرانكا سوزاني، رئيسة تحرير مجلة فوغ الإيطالية آنذاك، في إحدى المقالات المنشورة عام 1998: "لقد أصبح تنسيق الملابس قويًا جدًا خلال السنوات الثلاث الماضية".
مع دخولنا الألفية الثالثة، بدأ نجم المتسوقين الشخصيين بالسطوع، وبدأ منسقو الملابس بوضع معايير أكثر للمهنة مكنتهم من احتلال مكانة مجتمعية أكبر على جميع الأصعدة، فقد وُصفت راشيل زوي، التي تعتبر من أهم منسقي الملابس العالميين وأكثرهم شهرة، آنذاك بأنها "أول منسقة ملابس في هوليوود تمارس حقًا سلطويًا في نظر الجمهور". بالإضافة لاعتماد مناهج ودورات تنسيق الملابس بشكل رسمي في الجامعات في جميع أنحاء أوروبا.
ومع دخول التجارة الإلكترونية عصرها الذهبي الجديد في عام 2014، قامت الشركات المعنية ببيع الملابس بالتجزئة باستخدام تنسيق الملابس كإحدى المزايا التي تقدمها لعملائها، وأطلقت شركة آسوس خدمة التسوق الشخصي حيث قام فريق من المنسقين بتجميع الملابس وعرضها لخلق تجربة تسوق شخصية للعملاء.

مصمم الأزياء x الستايلست x الفاشنيستا

على الرغم أن كل من مصمم الأزياء والستايلست والفاشنيستا أنيق بشروطه الخاصة، إلا أن ثلاث كلمات فقط تحدد الفرق بينهم: التحديد والاختيار والاستهلاك. 
مصممو الأزياء هم العقول والأيدي وراء العملية الإبداعية برمّتها، وهم من يحددون اتجاهات الموضة خلال المواسم، في حين يختار منسقو الأزياء الملابس والاكسسوارات للعارضين والعارضات والممثلين والممثلات والعملاء الآخرين لمساعدتهم على الظهور بأفضل مظهر ممكن، بينما الفاشنستا، وهي كلمة دخيلة على قواميس اللغة ظهرت باندلاع ثورة منصات التواصل الاجتماعي، هم أقرب لعبيد ومستهلكين شرهين للموضة والاتجاهات الموسمية المتغيرة باستمرار، ويُعرفون على أساس أنهم مدونون للموضة.
المطلوب الوحيد من "الستايلست" هو تفهم حاجات العملاء المختلفين وابتكار إطلالات جديدة تتطابق بشكل أساسي مع شخصية العميل وهويته وجمالياته الشخصية
ومع أن منسقي الملابس يتمتعون بمكانة فريدة في مجال ابتكار الأزياء، إلا أنهم ليسوا مصممين ولا حتى كتابًا بالرغم من أنهم يروون قصصًا كثيرة عن الموضة في الموسم الواحد من خلال الملابس والأشكال والأنسجة والألوان والأنماط التي يجمعونها في كادر فوتوغرافي واحد. المطلوب الوحيد من "الستايلست" هو تفهم حاجات العملاء المختلفين وابتكار إطلالات جديدة تتطابق بشكل أساسي مع شخصية العميل وهويته وجمالياته الشخصية.

تأثير الثياب على الصحة النفسية


تؤثر الموضة بشكل كبير على حالتنا النفسية. فقد ثبت أن القصات والألوان والأنماط تعزز من مزاجيتنا. فبحسب ما أظهرت الدراسات فإن أحد أسباب ارتباط الملابس بأدوار محددة يتعلق بتأثيرها على صحتنا النفسية، وارتداء الملابس الروتينية قد يساعد الأشخاص على تجنب الأفكار التي تؤدي إلى القلق والاكتئاب.
في عام 2012، وجد باحثون من جامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة أن ارتداء ملابس معينة كان له تأثير على نفسية وأداء مرتديها. أطلق على هذه الحالة "الإدراك المغلق"، فقد خلص الباحثون إلى أن الملابس لها معنى رمزي. عندما نرتدي قطعة من الملابس ذات معنى محدد، يمكن أن تؤثر هذه الملابس على حالتنا النفسية.
على سبيل المثال لا الحصر، يرتبط معطف المختبر بالذكاء والتفكير العلمي. عندما يرتدي الشخص معطف المختبر، فإن هذه الخصائص التي يرمز إليها المعطف سيكون لها تأثيرات إيجابية على أدائه لمهام محددة وفقًا للباحثين.
كذلك تظهر نتائج الدراسة أن ما نرتديه، له تأثيرات قابلة للقياس على حالتنا النفسية، فجميع مستهلكي الموضة يعبّرون عن أنفسهم من خلال الأسلوب الذي يتبعونه في لباسهم، وذلك لأن الملابس والأناقة تعرضان بطبيعتهما شخصية المستهلك أو خلفيته الثقافية أو أسلوب حياته أو حالته الإبداعية، وعلى وجه الخصوص، يمكن لأولئك الذين يجدون صعوبة في التعبير عن أنفسهم بالكلمات أو الذين يميلون بشكل طبيعي إلى الانطوائية الاستفادة من استخدام تعبيرات الموضة لإظهار شخصياتهم، مما يؤدي إلى تعزيز صحتهم النفسية.
نحن لا نشتري الملابس أو الاحذية أو الإكسسوارات فحسب، بل نشتري أفكارًا ومضامين نسقها أخصائيون تم توظيفهم لصناعة عوامل تجذب الإنسان لشراء المنتجات بعواطفه
يشار أيضاً إلى أن ما يرتديه الأشخاص يمكن أن يمنحهم إحساسًا بالثقة وتقديرًا أكبر للذات، ويمكن أن يُربط بشكل وثيق بتأثيرات الموضة على الصحة النفسية.

التأثير البصري لواجهات المحلات على المتسوقين

الترويج المرئي هو الممارسة التي يتم من خلالها عرض المنتجات وتنظيم المتجر لزيادة المبيعات وتعزيز علامته التجارية وتوفير تجربة تسوق محفزة وممتعة للعملاء بأكثر الطرق جاذبية، وبالتالي فقد أمسى للتحفيز البصري أثراً كبيراً على جودة تجربة التسوق.
لقد أمست العلاقة معقدة بين سلوك المستهلك والترويج المرئي بحيث يلجأ من أجل حله منسقو الواجهات في المحلات التجارية لعوامل مختلفة مثل الحالة النفسية للزبائن المستهدفين والألوان واتجاهات الموضة الموسمية، وتوظيف كل ما سبق فيما يسمى بالتصميم العاطفي الذي سيكون له دور أساسي في عملية التسوق.
العلاقة بين سلوك المستهلك والعلامات التجارية أصبحت أكثر تعقيدًا عن ذي قبل، وهذا النوع من الاتصال العاطفي ضروري للعلامات التجارية التي تعتمد بشكل كبير على الجماليات لبيع منتجاتها، فنحن لا نشتري الملابس أو الاحذية أو الأكسسوارات فحسب، بل نشتري أفكارًا ومضامين نسقها أخصائيون تم توظيفهم لصناعة عوامل تجذب الإنسان لشراء المنتجات بعواطفه.
كان هناك وقت لم يكن فيه منسقو الملابس مرئيين للعالم خارج إطار دائرة الموضة. لكن التحول المتزايد والمتسارع في صناعة الأزياء أعطى مجالًا أكبر لسلالة خاصة من الحالمين ممن لا يترجمون الموضة في صور فحسب، بل في كثير من الأحيان يصبحون العمود الفقري والجنود المجهولين للعملية الإبداعية بشكل عام ووراء نجاح أي موسم لأي علامة تجارية، هذا يؤدي إلى السؤال التالي: في عالم الصور الفنية والإبداع البصري، لمن الفضل في سد شراهة الجمهور المستهلك للموضة؟ هل يحسب للمصمم أم لمنسق الملابس أم لكليهما؟


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard