شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"الجمهور عاوز كده"... ألهذا السبب ساهمت الدراما العربية في "جنسنة المرأة"؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

الاثنين 1 أغسطس 202203:00 م

إن كان مشهد قبلة جريئة بين الفنان عبد المنعم عمايري وكندا حنا في "الإفطار الأخير" أشعل النار وأقام الدنيا ولم يقعدها، فماذا لو كان الأمر متعلقاً بمشاهد ساخنة تتخطى حدود "البوس والأحضان" في الدراما العربية؟

القبلات... خدع

في إحدى المقابلات، أبدت الفنانة المصرية رانيا يوسف رأيها حول المشاهد الحميمية التي تؤديها، مؤكدة بأنها غير حقيقية، وإنما زاوية تصوير المشهد هي التي أوهمت المشاهدين/ات بأن المشهد في فيلم "واحد صحيح" مع هاني سلامة "حميمي".

إن كان مشهد قبلة جريئة بين الفنان عبد المنعم عمايري وكندا حنا في "الإفطار الأخير" أشعل النار وأقام الدنيا ولم يقعدها، فماذا لو كان الأمر متعلقاً بمشاهد ساخنة تتخطى حدود "البوس والأحضان" في الدراما العربية؟

أما الفنانة نبيلة عبيد فوافقتها الرأي بالقول إن أغلب القبلات في السينما ليست حقيقية وفيها من الكثير من الخدع، متعجبة من شتم وانتقاد الفنانين/ات، خصوصاً أن هناك مجموعة من الفنيين والمصورين ومهندسي الصوت يكونون حاضرين في مكان التصوير، وهذا ما يؤيده العديد من الفنانات اللواتي يعتبرن أن هذه المشاهد ضرورية وجزء لا يتجزأ من الأحداث الدرامية، على سبيل المثال، علا غانم التي لا ترفض الأدوار الجريئة، ومثلها يسرا التي ترى مدى حاجة السينما المصرية لمشاهد "تقوّي الرومانسية لدى المشاهد"، إلى جانب "الجمهور عاوز كده"، من وجهة نظر المخرج محمد السبكي.

سطوة المال المتحكّمة

سيادة المنطق التجاري اللاهث وراء الإثارة بات هو المتحكم بالدراما، بحسب الصحافي والناقد بديع صنيج، مبيّناً لرصيف22 أن "بعض كتّاب السيناريو تحولوا إلى مجرد مُستكتَبين وفق إملاءات المحطات العارضة وأذواق مالكيها، وهو ما نتج عنه فقر واضح في الأفكار وعدم توازن في الطرح، بالإضافة إلى مبالغة في إظهار جماليات المظهر وقبح الجوهر".

ونظراً لكون تطور المجتمعات غالباً ما يُقاس بحجم الإبداع الذي يتطلب الجرأة، كركن من أركان الفن والابتكار بهدف إثارة المُتلقي، يسجّل هنا الدكتور فارس العمارات، المتخصص في الدراسات الاجتماعية، موقفه من الدراما العربية، بقوله لرصيف22، إن "الإبداع والجرأة يمضيان سلباً في الوقت الراهن، وبما لا يصبّ لصالح الأخلاق والإنسانية إنما لصالح أصحاب النفوذ ورؤوس الأموال".

وتابع العمارات بالقول: "من يتابع الأفلام والأعمال الدرامية والأغاني والكليبات يلاحظ أنها في أغلبها تخاطب الغرائز الجنسية، جرّاء استخدامها جسد المرأة كنوع من الإغراء اللافت، مقابل إقصاء كل فن يهدف إلى غايات نبيلة، بحجّة أنه لا يحصد مشاهدة عالية".

لماذا "جنسنة" المرأة؟

"جنسنة المرأة" باتت تحتل مساحة واسعة في الدراما العربية، والجنسنة تُفسّر على أنها نوع من الانفلات الممنهج، بحيث يتخطى دورها العمل الفني من خلال تطويعها جنسياً لقبول العمل ليحصد نسبة من المشاهدة بشكل أكبر، انطلاقاً من القول السائد: "الجمهور عاوز كده".

يستذكر الناقد الفني والسينمائي، رسمي محاسنة، دور المرأة في الدراما منذ القدم، وقال لرصيف22: "من المفارقات أن الفيلم المصري (ليلى) الذي أنتج في العام 1927 هو باسم امرأة، وإنتاج وبطولة عزيزة أمير، وكتابة وإخراج وبطولة وداد عرفي، ما يدل على حضور المرأة بقوة في الدراما"، متسائلاً: "هل هذه الريادة قدمت المرأة بالشكل الذي تستحقه؟".

"من يتابع الأفلام والأعمال الدرامية والأغاني والكليبات يلاحظ أنها في أغلبها تخاطب الغرائز الجنسية، جرّاء استخدامها جسد المرأة كنوع من الإغراء اللافت"

ووفق محاسنة، معظم الأعمال السينمائية والدرامية لم تقدم المرأة على حقيقتها، وإنما ساهمت بتكريس نظرة المجتمع لها: "حتى عند تقديم قضايا متعلقة بواقعها وأحلامها وقدراتها وانكساراتها وتطلعاتها، كان يتم تقديم صورة فوتوغرافية عن هذا الواقع، دون ملامسة حاجاتها أو مساعدتها على النزوع من هذا الواقع المتخلف الذي يمنعها من ممارسة دورها باعتبارها نصف المجتمع".

في السياق نفسه، قال الناقد بديع صنيج: "من خلال نظرة عامة على مجمل إنتاجات الدراما العربية، لا سيما في السنوات الأخيرة، نلحظ غلبة الطابع الإعلاني على الإعلامي، إذ باتت المحطات العارضة هي صاحبة الرأي الأول في اختيار المضمون، ما نتج عنه بروز نماذج درامية أنثوية تُهين المرأة، وتُعزِّز تهميش دورها، وتضعها في سوق المشاهدة كسلعة من بين السلع المعروضة، مع نزع مكانتها الموضوعية، وجعلها طالبة جامعية سخيفة، أو خائنة متمرِّسة تخطف أزواج الأخريات، أو أمّاً ودورها ينحصر فقط في تربية الأسرة كالصفر على اليسار، أو أختاً متغطرسة".

وتابع صنيج حديثه بالقول: "لم يكتفِ أصحاب المال بهذا فقط، بل حوّلوها، إلى جانب تنميطها السلبي، إلى مُروِّجة للموضة والسخافة والسوقية على حدّ سواء، فكثرت مشاهد العري والإثارة واستخدام الشتائم والألفاظ غير اللائقة، مع تشويه للعلاقات الاجتماعية عبر عرض العلاقات غير الشرعية على أنها أمر مقبول، ما قد يخلق حالة من التعاطف مع خيانة المرأة لزوجها، كما باتت مجرد سقط متاع درامي ولا حول ولا قوة لها".

تجسيد الواقع

من جانب آخر، أجابت الصحافية والباحثة النسوية، هدى أبو نبوت، عند سؤالها عن الترويج للممنوع في الدراما في إحدى مقابلاتها التلفزيونية، بأن هدف الدراما هو تجسيد الواقع وليس تجميله.

واعتبرت هدى أنه يجب عدم منع هذه الأعمال بل تشجيعها لأكثر من سبب، أهمها "حثّ العقول على التفكير جيداً بمشكلاتنا التي اعتدنا أن نخفيها وندّعي عدم وجودها وكأننا نعيش في المدينة الفاضلة، ونحن مثل كل المجتمعات التي تعاني كل أنواع المشكلات الاجتماعية والسياسية، بل من الواجب طرحها عبر وسيلة تصل إلى أكبر شريحة من المجتمع وهي الدراما"، على حدّ قولها.

وأشارت أبو نبوت إلى أنه لا يجب منع قضايا حساسة مثل الخيانة والعرض والزنا، لأنها أمور موجودة لدى كل المجتمعات، متسائلة فقط عن كيفية طرح مثل هذه القضية، هل ستكون بطريقة مبتذلة؟

"جنسنة" بداعي الواقع وحرية التعبير

بحسب فارس العمارات، استطاعت الصناعة الفنية اليوم، وباسم الواقعية وحرية التعبير، أن تفرض على الساحة الثقافية والفنية ممنوعات يُحرّم الاقتراب منها أو المساس بها، وهي مشاركة المرأة في أعمال فنية لا خطوط حمراء فيها، بداعي أن تلك الأدوار المُغرية التي تجسدها، توضح حقيقة ما تتطلبه بعض الأماكن والأعمال من إغراء وتقديم تنازلات جنسية، لتصبح في الصفوف الأولى من المجتمع، ومن جهة أخرى، ليست ممنوعة في عرفهم وأعمالهم، إلى أن أصبحت هذه الفكرة واحدة من معايير نجاح المرأة في عملها وحياتها، لتصبح مقبولة عند الجميع، وبصورة أكبر عند أغلب الرجال.

وبالفعل، أظهرت بعض الأعمال العربية جنسنة المرأة بأشد أشكالها، مصوّرة العلاقة القائمة بين الرجل وشقيقة زوجته، أو الزوجة وشقيق زوجها، وكذلك دفع الزوجة لمعاشرة مدير العمل لتسيير شؤونها، أو إظهار علاقة الكبيرات في السن مع شباب أصغر منهنّ كأنها أمر طبيعي ومقبول ولا يضرّ طالما فيه رضا كافة الأطراف، لا سيما أن الأمر من منظور أصحاب الإنتاج الفني قد يكون مُلحّاً لتسويق منتجاتهم، مهما كانت وبأي وسيلة كانت.

ولم تتوقف الجرأة إلى هذا الحد، بل وصلت وبصورة لافتة جداً، إلى انتشار ظاهرة الشتائم الجنسية المباشرة وغير المباشرة والألفاظ النابية التي تتفوّه بها الممثلات، بصورة دخيلة وغريبة على المتلقّي، ما دعا كثيرون إلى التهجم على تلك الأعمال ومقاطعتها خشية التأثير على أبنائهم وبناتهم سلباً.

ولأن العلاقة بين الفن والأخلاق من المداخل المهمة لأي تحليل درامي؛ فالعلاقة هنا وثيقة متجذّرة لا يمكن فصلها ولا إنكارها، كما يقول العمارات، الذي تساءل عن السبب وراء التساهل في بثّ الكلمات النابية والألفاظ البذيئة التي بدأت تحتلّ جزءاً كبيراً في الدراما، ناهيك عن غرقها في مستنقع الإباحية بشكل منتظم، من خلال مشاهد التحرش والإباحية المُفرطة، والعلاقات غير المشروعة والملابس الفاضحة، استمراراً على نهج الخروج عن تقاليد المجتمع، وإصراراً على إحداث تغيير أخلاقي سيء ينعكس سلباً على المجتمع ومكوناته ونسيجه.

"لماذا لا يتحلّى المخرجون والمنتجون بروح الموضوعية والمسؤولية تجاه نصف المجتمع، ولماذا لا تدقق المحطات الفضائية في اختيارات بثها؟" 

بدوره، اعتبر رسمي محاسنة "أن الدراما التلفزيونية خطرة على عقل ووجدان المتلقي، خاصة أن معظم أفراد الأسرة يتابعونها، وبالتالي فإن إهانة المرأة، سواء بالكلمات "الخادشة" أو إبراز مفهوم" الخيانة" وتبريره، ساهم في تقزيم شخصيتها والتشكيك بكفاءتها".

وهذا ما يؤيده صنيج بتبيان كيفية زيادة التركيز على جسدها، مع مطالبات من تحت الطاولة يقوم بها مسؤولو الإنتاج بالتعاون مع الفريق الإخراجي، بإلباس الممثلات ملابس فاضحة في الكثير من الأحيان، تُبرِز كل ما من شأنه أن يثير الغرائز، وقد لا يخدم ذلك الدراما المطروحة عبر العمل، فيصبح فائضاً عن الحاجة وطفواً على السطح.

عندما تُعرض أعمال درامية (على قلّتها) تقدم المرأة بشكل يليق بها وبدورها، وكانت حاضرة فيها وبقوة، كالدور الذي أدته مادلين طبر في مسلسل "ملف سري"، كرئيسة تحرير لمجلة في مرحلة صعبة من تاريخ مصر، وفي نفس الوقت هي "أمّ" تقوي من عزيمة ابنها برفضه للرشوة، يسأل الناقد محاسنة: "لماذا لا يتحلّى المخرجون والمنتجون بروح الموضوعية والمسؤولية تجاه نصف المجتمع، ولماذا لا تدقق المحطات الفضائية في اختيارات بثها؟". 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard