شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
هي دائماً فتاة ينقصها شيء، لذا لم تتزوج بعد...  الزواج في دراما رمضان

هي دائماً فتاة ينقصها شيء، لذا لم تتزوج بعد... الزواج في دراما رمضان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأربعاء 18 مايو 202211:03 ص

سألته بأسى: لم تبكي يا رجل؟

فتنهد قائلاً: من العجز وسوء الحظ. عنى عجزه المالي وسوء حظ ابنته.

هذا حوار في رواية "الباقي من الزمن ساعة" للأديب نجيب محفوظ، يدور بين رجل وزوجته يشعران بالأسى على حال ابنتهما البكر، ذات الجمال المتواضع، التي تأخرت في الزواج؛ فلا يتقدم الرجال لخطبتها.

حتى عدة سنوات ماضية ليست ببعيدة، كانت هناك صورة وحيدة لشخصية الفتاة التي لم تتزوج بعد، مع وجود استثناءات طفيفة جداً خلال هذه السنوات، فتحت الباب لتقديم صورة مغايرة، حيث كان من قبل يُطرح نموذج هذه الفتاة بصورة مثيرة للشفقة، مثل الفتاة في رواية نجيب محفوظ.

فهي دائماً فتاة ينقصها شيء، لذا لم تتزوج بعد، إما أن تكون أقل جمالاً مثلاً، كالدور الذي قدمته نشوى مصطفى في فيلم "ميدو مشاكل" والذي عُرض عام 2003، حيث كان يظهر أنها تعاني من ضعف شديد في الإبصار، ولديها لدغة أيضاً، ما يقلل فرص زواجها، أو تكون فتاة غير عاملة، وكل ما يُعنيها هو شؤون البيت فقط، فلا يراها أحداً، مثل الشخصية التي قدمتها علا رشدي في مسلسل "زواج بالإكراه" عام 2015، فكانت فتاة غير عاملة، لا تهتم بنفسها، فتبدو أقل جمالاً من أختها الصغرى، أو فتاة غير متعلمة تعليماً جامعياً، أو المستوى المادي لعائلتها منخفض، فتضطر للقبول بأي عريس يتقدم لخطبتها حتى لو لم يكن مناسباً لها.

دائما ما كان ينظر للفتاة غير المتزوجة بعين الشفقة، وتظهر كأنها أقلّ شأناً من غيرها من المتزوجات، كأنها مشروع ناقص، لا يتم إلا بالزواج

مؤخراً، في الأعمال الفنية عموماً والتلفزيونية بالأخص، أصبح هناك تقديم وعرض مختلف لشخصيات الفتيات التي تصل إلى سن متقدمة دون زواج، مع إعطاء مساحة أكبر لهذا العرض لتفسير الأسباب المختلفة لتأخر زواجهن.

أسباب مختلفة لدى "شيرين" و"ماجي" لرفض الزواج

في موسم رمضان 2022، قدمت الدراما الرمضانية أكثر من طرح مختلف لنموذج الفتاة غير المتزوجة بعد، فبداية من مسلسل "أحلام سعيدة" بطولة يسرا، مي كساب، وغادة عادل التي تقدم دور شيرين: فتاة جميلة، تعمل في إحدى الشركات الكبرى، وناجحة في عملها، وقاربت الأربعين من عمرها دون زواج. تحاول أختها الكبرى نيفين إقناعها أن العمر يضيع، ولا بد أن تتزوج حتى لا تكبر في السن أكثر وتجد نفسها وحيدة دون ونس، أما عن شيرين نفسها فلم تكن رافضة لفكرة الزواج بالمطلق، لكن ببساطة شديدة لم تقابل بعد رجلاً مناسباً ترى فيه ونساً حقيقياً، وعندما أتى الرجل الذي شعرت تجاهه بالألفة (طارق)، وقررت منحه فرصة أضاعها هو بسبب الكلمتين السائدتين على ألسنة معظم الرجال الآن: "كنت خايف".

مؤخراً، في الأعمال التلفزيونية، أصبح هناك تقديم وعرض مختلف لشخصيات الفتيات التي تصل إلى سن متقدمة دون زواج، مع إعطاء مساحة أكبر لهذا العرض لتفسير الأسباب المختلفة لتأخر زواجهن

فلماذا كان على شيرين أن تقبل بأي رجل يتقدم لها؟ إذا كانت الإجابة فقط "حتى تتزوج مبكراً"، فهي إجابة غير مقبولة بالمرة، لا أعرف كيف لا يفهم الجميع أن عدم القبول، وعدم الإحساس بالود تجاه الشخص، سببان كافيان لرفضه كزوج، توضع بعده نقطة لغلق الحديث.

وفي مسلسل "راجعين يا هوى" بطولة خالد النبوي، قدمت نور نموذجاً آخر للفتاة غير المتزوجة، فهي الأخرى مثل شيرين، فتاة جميلة وناجحة في عملها، تعمل طبيبة نفسية، كانت تحب رجلاً في الماضي وتركها بسبب ضغط والدتها عليه، وسافر وتزوج، وظلت هي حبيسة شعورها به وخذلانه لها. يُصر والدها على جلب العرسان لها، لكنها لا تقبل لأنها لا تشعر تجاههم بأي مشاعر حقيقية، فضلاً على أنها لم تتخلص بعد من شعورها تجاه خطيبها القديم.

وعندما ظهر رجل آخر في حياتها (بليغ) وشعرت هي الأخرى أخيراً، مثل شيرين، بإعجاب حقيقي تجاه رجل، كان هذا الرجل لا يعرف ماذا يريد. هو الآخر رجل "يخاف" لا يستطيع أن يخوض الطريق إلى آخره مع أي امرأة، فلماذا على أي امرأة أن تحاول أو تُكمل حياتها مع رجل مثل هذا؟ وكأنهما اختياران لا ثالث لهما، إما أن تتزوج المرأة من رجل لا يعرف ماذا يريد ويتركها بسبب خوفه وهواجسه، أو الزواج من رجل يبدو مناسباً من وجهة نظر العائلة والمجتمع، لكنه ليس ونساً حقيقياً، والأدهى أن يكون رجلاً يحول حياة زوجته وأولاده إلى جحيم، ومع ذلك يصبح هذا أفضل من عدم الزواج! فكيف؟

هل أضاعت "زهرة" فرصها في الزواج؟

أما في مسلسل "دايماً عامر" بطولة مصطفى شعبان ولبلبة، فاختلف تقديم هذا النموذج قليلاً عن سابقيه، فكان يطرح تساؤلاً على لسان شخصية زهرة التي تقدمها لبلبة، وهو: "هل أضاع انتظارها للزوج المناسب من وجهة نظرها فرصها الحقيقية في الزواج؟".

زهرة مديرة مدرسة، كلفها صاحب المدرسة (عمرو عبد الجليل) بإدارة مدرسته لمكافئتها، وهي أيضاً وصلت إلى سن متقدمة دون زواج، سن أكبر بكثير من التي وصلت إليها شيرين وماجي.

كانت زهرة هي الأخرى لها أسبابها التي جعلتها ترفض كل من يتقدم لها، فكان كل من يتقدم يرغب في أن يجعلها تتوقف عن استكمال تعليمها، وبعد أن أتمت تعليمها وأصبحت امرأة عاملة، تقدم لها آخرون اشترطوا عليها أن تترك عملها، فرفضتهم ومضت السنوات بالتوازي مع طلبات الزواج منها على هذا المنوال.

يحتاج المجتمع إلى تعديل مفهومه عن الزواج. فالزواج ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة، وخطوة مثل أي خطوة نتخذها في حياتنا، فإذا كانت هذه خطوة تجلب المتاعب لحياتنا، أو على أقل تقدير لا تتقدم بنا إلى الأمام، فلم نتخذ هذه الخطوة؟

وفي أحد مشاهد المسلسل، كانت زهرة تحضر حفل عيد ميلاد إحدى صديقاتها، حيث فاجأها زوجها بهذا الحفل وجمع لها أصدقاءها، وقدم لها هدية بهذه المناسبة، شعرت زهرة في هذه اللحظات أن هناك شيئاً ينقصها، وهو وجود رجل يهتم بها في مثل هذه اللحظات، وبعد أن عادت إلى منزلها تحدثت مع مساعدتها في المنزل بأن العمر قد مضى بها وهي في انتظار الرجل الأفضل الذي لا يمنعها عن عملها وحياتها، ربما هذا المشهد قد يوحي للوهلة الأولى بندم زهرة على ما فاتها من العمر دون رجل، لكن الحقيقة أن كل ما تشعر به هو احتياج عاطفي يمر به الجميع، مثل الصغيرة التي لم تتزوج بعد ولا تجد هذا الحب في بيت أمها وأبيها، كذلك الأرملة التي مات زوجها، أو المطلقة أو حتى المتزوجة التي ينشغل عنها زوجها دائماً، كلها مواضع قد تشعر فيها المرأة بالاحتياج العاطفي، لا يمكن أن يكون بديله أبداً الزواج من أي شخص يتقدم.

هل زواج "فاتن أمل حربي" أفضل من الوحدة؟

في مسلسل "فاتن أمل حربي" بطولة نيللي كريم وشريف سلامة، إلى جانب شخصية فاتن التي تُعاني مع زوجها، والتي تزوجته في الأساس لأنها فتاة يتيمة ووحيدة، تريد أن تكوّن أسرة وبيتاً لها بعيداً عن بيت خالتها، دون أن تُمعن النظر في اختيار الرجل المناسب حقيقة، فانتهى بها الأمر في محكمة الأسرة.

كانت هناك نماذج أخرى من زميلاتها في العمل وفي دار استضافة المعنفات، يعانين هنّ الأخريات من أزواجهن، وهنّ بالتأكيد تزوجن لأنها الخطوة التالية بعد انتهاء التعليم، وكأنها مرحلة مكملة لمراحل التعليم، على الرغم من أنه إذا كان هناك خطوة لا بد منها بعد إنهاء التعليم فيجب أن تكون العمل لا الزواج، وهذا لا يعني أبداً التقليل من أي سيدة لا تعمل إطلاقاً، لكننا نعيش في مجتمع لا يتحقق فيه الأمان للمرأة سوى بعملها وراتبها، لا كما يقولون لنا إن الأمان في وجود رجل.

كذلك شخصية فريدة التي قدمتها يسرا في مسلسل "أحلام سعيدة"، والتي تزوجت من رجل لا تحبه، ووصفت ليلة فرحهما بأنها كانت "ليلة سودة"، فكان من الصعب أن تستمر الحياة بينهما وانفصلا، رغم كونه رجلاً ثرياً، ومن عائلة عريقة. في حين ظل الرجل، الذي كان يحبها وتحبه ولم يجمع بينهما النصيب، هو سندها وأمانها في أصعب المحن التي مرت بها، وأقصد هنا أن الأمان الفعلي، ليس بوجود الرابط الأبدي الذي يجمع بين الزوج والزوجة، وإنما في الود الصادق، الصداقات الحقيقية والقلوب المليئة حقاً بالحب، هذه أشياء نبحث عنها في من نحب مصادقتهم ووجودهم، فماذا عمن نختاره زوجاً؟

يحتاج الجميع إلى تعديل مفهومهم عن الزواج، ومن ثم تعديل هذا الطرح على الشاشة، وخاصة فيما يخص شخصيات الفتيات وأسباب رفضهم، فالزواج ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة، وخطوة مثل أي خطوة نتخذها في حياتنا، فإذا كانت هذه خطوة تجلب المتاعب لحياتنا، أو على أقل تقدير لا تتقدم بنا إلى الأمام، فلم نتخذ هذه الخطوة؟ لم تختار أي امرأة أن تعيش حياة أمل فاتن حربي وقريناتها؟ أي مزية تراها المرأة في حياة فاتن لا تجد مثلها في حياة شيرين أو ماجي أو زهرة؟ 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard