الناجيات من التحرش الجنسي... بين زمن الصمت وزمن البوح

الاثنين 8 أغسطس 202211:15 ص

"لم يكن يوماً عادياً. كنت سألتقي شاباً بادلته الإعجاب قبل مدة قصيرة، بعد انتهاء دوام عملي. يومها، لبستُ وتزينت بأجمل ما في خزانتي، وتألقت على شرف الموعد الغرامي".

هذا ما جرى مع حلا* (32 عاماً)، في أحد أيام صيف 2019، ولكن الأمور لم تسِر كما أرادت. تروي لرصيف22: "يومها، وصلت باكراً إلى مكان عملي في بيروت، حيث عملت لثمانية أشهر، وهنالك التقيت بزميل أعدّه بمثابة أخ كبير، واعتدت لقاءه يومياً في أثناء الدوام، فتوجه إليّ بنظرة شهوانية، ووضع يده على عضوه الذكري، وقال: ‘أخ! وجّعتيني’! ما الذي تغير في ذلك اليوم؟! سؤال ما زلت حتى الآن أطرحه على نفسي".

وقفت حلا مذهولةً. "لوهلة، شعرتُ بأن ماءً ساخناً سقط على رأسي. سكتُّ ولم أتفوه بكلمة. أكثر ما وددته حينها أن أختفي من أمامه، وألا أراه مجدداً"، تقول.

تحكي كيف مرّت دقائق عدة وهي مصدومة، وتتابع: "تحرشّه بي كان فاضحاً، وفيه إيحاءات جنسية مقيتة". راحت تسترجع مواقف جمعتها بزميلها: "كان يلمس كتفي ويضمّني. هل كان يُفترض بي أن أردعه فوراً بدلاً من افتراض حسن النيّة؟". أسئلة ومشاهد كثيرة أخذت تدور في رأسها: "شعرتُ بالقرف من نفسي، ومنه، ومن كل المحيط الذي أعمل فيه، شعرتُ وكأنني أتعرّض للاستغلال بطريقة غير مباشرة".

بعد أيام قليلة على تلك الحادثة، غادرت حلا عملها إلى عمل آخر. كان أمامها عرض عمل بديل. ولكنها تتساءل: "ماذا لو لم أتمكن من الانتقال إلى عمل آخر؟ كنت سأضطر إلى البقاء حتماً. أما هو، فقد تعامل مع ما جرى وكأن شيئاً لم يكن، وكأن تحرشه الفاضح سلوك عادي لا يستدعي التوقف عنده".

تمكّنت الشابة من تحمّل ما جرى معها "ولم أنكسر، ربما لأنني عشت تجارب تحرش كثيرةً، في أماكن عمل مختلفة، وفي الشارع وفي الفانات، وتنوعت بين تحرش لفظي وجسدي".

لا تزال تذكر ما جرى معها في أحد أيام تشرين الأول/ أكتوبر 2018. وصلت عند الساعة السادسة مساءً، لإجراء مقابلة عمل كانت تعوّل كثيراً عليها كثيراً لشغل وظيفة تؤمّن لها مصروفها، وتمكّنها من مساعدة عائلتها.

تقول: "ما أن مرّت دقائق على تواجدي في المكان، حتى بدأ المسؤول بطرح أسئلة غريبة مثل: مصاحبة؟ بتسهري وبتشربي كحول؟ كمان قال لي: فيكي تنامي بالمكتب في حال تأخر الوقت بالليل".

كانت نظراته غريبةً. تركت الشابة المقابلة، وأبلغت صديقتها التي توسطت لها للعمل برفضها هذه الفرصة. "غادرتُ المكان وأنا محتارة، مع أنني وقتها كنت في أمسّ الحاجة إلى العمل. كان لازم أعرض جسمي حتى إشتغل!".

وقبل هذه الحادثة بعامين، كتبت حلا على صفحتها على فيسبوك، عام 2016، أنها تبحث عن فرصة عمل، فتواصل معها مدير أحد المواقع الإعلامية الإلكترونية، وأخبرها عن إمكانية انضمامها إلى فريق التحرير، مردفاً: "بس انتبهي، أنا نسونجي"، لترد عليه: "مش مشكلة أنا بعرف وقّف كل حدا عند حدو". وبالطبع لم يعاود الاتصال بها مجدداً.

تتحدث الشابة عن تجاربها الكثيرة مع التحرش، وعن كيف أصبحت أكثر معرفةً بالناس وسلوكهم ونواياهم.

عدا تجربة التنقل بالفانات بين بيروت وطرابلس، حيث تعرّضت لعشرات حوادث التحرش التي عادةً ما تنحصر في التحرش اللفظي، وقليلاً ما تتطور إلى اللمس، وتنتهي دائماً برد فعل حازم منها، تقول: "حتى أننا كصحافيات نتعرض للتحرش خلال إجراء مقابلات صحافية. ذات مرة، وأنا في مقابلة مع أحد المحللين السياسيين في مكتبه، ‘صار بدو يصاحبني’، ولم يتوقف عن إرسال رسائل مزعجة إليّ عبر الواتساب".

في الآونة الأخيرة، تتابع حلا قصص ضحايا التحرش التي ظهرت وانتشرت، ولكنها لم تتحدث علناً عن قصصها. تقول: "مش طموحي كون ‘تراند’"، وتضيف: "بالرغم من الشعور السيئ الذي يرافقني بعد كل حادثة، إلا أنني كنت أتخذ القرار السليم الذي يحميني ويبعدني عن أي أذى".

نقطة التحول... كسر الصمت

حال حلا كحال فتيات كثيرات تعرّضن لحوادث تحرّش وعشن تبعاتها. بعضهن كسرن الصمت وبعضهن لم يقمن بذلك لاعتبارات كثيرة.

لا توجد "اللحظة صفر" لبدء ظاهرة بوح النساء/ الضحايا أو الناجيات، حسب عدد من الناشطات النسويات، ولكن هناك مجموعة شهادات ظهرت في فترات متقطعة، لا سيّما في السنتين الأخيرتين، وكان الجانون فيها مرّةً أستاذاً، ومرّةً كاتباً، ومرّةً مدرباً رياضياً، ومرّةً رجل دين... باختصار: من الأوساط كلها تقريباً.

تقول الناشطة النسوية علياء عواضة، لرصيف22، إن الحديث عن التحرش عمره طويل، ويصعب تحديد تاريخ فعلي لكسر الصمت، ولكن "من دون أدنى شك ارتفع صوت النساء أكثر في السنوات الأخيرة"، وأتاح استخدام النساء للسوشال ميديا إمكانيةً أكبر لسرد قصصهن.

وتشير عواضة، إلى تأثير حركة #وأنا_أيضاً (Me Too)، التي برزت عام 2017، داعيةً النساء إلى البوح بما تعرّضوا له من انتهاكات جنسية، وذلك بعد الاتهامات التي وُجّهت إلى المنتج الفني الأمريكي، هارفي واينستين، بارتكاب انتهاكات جنسية، وتعدّها "مفصلاً مهماً في بوح النساء في لبنان، بتأثير من الحملة التي انتشرت في مختلف أنحاء العالم".

كما تلفت إلى أن "التضامن مع الضحايا صار أكبر وأوسع، ورُفع شعار ‘نصدّق الناجيات’، فتشجعت كثيرات وكسرن صمتهن الناتج عن خوف من عدم تصديقهن وعلاقات القوة الموجودة في المجتمع".

وفي السنوات الأخيرة، شهد لبنان تحولاً ملحوظاً في التعاطي مع قضية التحرش، إذ بدأت كثيرات بالتحدث عن قصصهن وتفاصيل تعرضهن للتحرش، لفظياً وجسدياً، ورحن ينشرنها عبر صفحاتهن على وسائل التواصل الاجتماعي.

بين العيب و"التابو"

أن تروي فتيات قصصهن مع التحرش بهن، ليس أمراً بسيطاً. كثيرات يفضّلن خيار الصمت على البوح، لأسباب كثيرة.

تقول الناشطة النسوية ميرا عبد الله، لرصيف22: "بالرغم من ازدياد الوعي بقضايا العنف الجنسي والتبدل الجزئي للنظرة التقليدية إلى التحرش على أنه فعل يدين الضحية، إلا أن الكثيرات ما زلن يخشين البوح لأنه من غير الصحيح أن جميع القيود المجتمعية والموانع قد زالت".

"في مكان عملي، التقيتُ بزميل أعدّه بمثابة أخ كبير، واعتدت لقاءه يومياً في أثناء الدوام، فتوجه إليّ بنظرة شهوانية ووضع يده على عضوه الذكري، وقال: ‘أخ! وجّعتيني’! ما الذي تغيّر في ذلك اليوم؟! سؤال ما زلت حتى الآن أطرحه على نفسي"

وتُرجع المعالجة النفسية ماريا شلهوب، أسباب صمت كثيرات وصعوبة بوحهن بحوادث التحرش التي يتعرضن لها، إلى طبيعة المجتمع الذي يعيشن فيه، والذي تحكمه أحكام مسبقة على الضحية/ الناجية، وكثيراً ما تلقي باللوم عليها بحجة ملابسها المثيرة ووضعها مساحيق التجميل.

وتضيف لرصيف22: "نساء كثيرات يخفن من ردة فعل الآخر والعائلة والمجتمع المصغر الذي يعشن فيه، كالحي والضيعة، فيما قد تخاف أخريات من البوح بسبب علاقتهن المضطربة مع العائلة والظروف النفسية الصعبة التي يعشنها، إذ يُخيّل لهنّ أن ردة فعل المقربين منهنّ ستكون قاسيةً".

بين البوح العلني والصمت، اختارت بعض النساء رواية قصصهن بأسماء مستعارة، فكتبن على وسائل التواصل الاجتماعي من حسابات تخفي هوياتهن، أو توجّهن إلى جمعيات ومبادرات فردية لنشر قصصهن بأسماء مستعارة، أو بلا أسماء، بهدف حماية أنفسهنّ قانونياً، فـ"للأسف، المتحرش يستطيع رفع دعوى قدح وذم"، كما تلفت عبد الله.

وتشير عبد الله إلى أن التحقق من هوية الشاهدات كان يتم من قبل ناشطات في مكافحة التحرش، أو ناشطات لديهنّ مصداقية في هذا المجال، وتعلّق: "عادةً نصدّق الناجيات. نعلم أن الكذب قد يقع، ولكن إذا عدنا إلى تعريف التحرش فإنه يعتمد على إحساس المتلقي".

تراكم وعي

في المشهد العام، يظهر واضحاً أثر تراكم عمل الحركات النسوية والجمعيات النسائية التي تكافح العنف ضد النساء، من مبادرات وحملات أطلقتها لمساندة الضحايا.

تقول الناشطة والباحثة النسوية والشريكة المؤسسة لمبادرة متعقب التحرش، ناي الراعي، لرصيف22، إن "بوح النساء على مساحات واسعة وعلى السوشال ميديا، أتى نتيجة مسار تراكمي لعمل الجمعيات والحركات النسوية في السنوات العشر الأخيرة، أما قبل ذلك، فكان الحديث عن حوادث التحرش محصوراً بمساحات نسوية صغرى".

كل ما تغيّر في واقع النساء اللبنانيات لم يتحقق بسهولة. تشير الراعي مثلاً إلى أن إقرار قانون الحماية من العنف الأسري في نيسان/ أبريل 2014، أتى بعد عمل مضنٍ استمر لسنوات من قبل جمعيات تُعنى بحقوق المرأة لا سيّما جمعية "كفى" ومجموعات نسوية أخرى.

تابعت منظّمة "كفى عنف واستغلال" (كفى)، وهي منظمة مدنية لبنانية نسوية غير حكومية، المراحل التي مرّ فيها النقاش حول القانون ونظمت مسيرات وأطلقت حملات عدة للضغط من أجل إقراره، ونشرت بعد إقراره كتيّباً بعنوان "تساؤلات زلفا"، وهي شخصية افتراضية تعيش في لبنان، وتعاني من العنف الأسري، وتطرح أسئلةً شائعةً عن قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، وألحقته في كانون الثاني/ يناير 2016، بكتيّب آخر حول قوانين الأحوال الشخصية في لبنان، وهي قوانين تميّز ضد المرأة.

تراكم العمل النسوي ساهم في بلورة مقاربة جديدة لقضايا العنف ضد النساء، ومنها التحرش الجنسي، ثم كان قانون تجريم التحرش الجنسي تتويجاً لهذه النضالات كلها.

وأتى فضح أستاذ متحرش في إحدى مدارس مدينة طرابلس، من قبل تلميذات، في نهاية عام 2021، دليلاً على مستوى وعي نسوي عابر للعاصمة الإدارية، ومؤشراً على أنه "لم يعد من الممكن أبداً الرجوع إلى الوراء"، حسب تعبير الراعي.

القانون وثغراته

في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2020، أقرّ مجلس النواب اللبناني، "قانون تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه". البعض عدّه خطوةً جيدةً ولكن منقوصة.

يعدد المحامي والباحث في المفكرة القانونية، وهي منظمة غير حكومية متخصصة في شؤون قانونية، كريم نمور، لرصيف22، إشكاليات القانون وثغراته.

بدايةً، استخدم القانون كلمة "سيئ" في توصيفه للسلوك المقترَف، حين عرّف التحرش بأنه "أي سلوك سيء متكرّر خارج عن المألوف وغير مرغوب فيه من الضحية بمدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر"، ما يشي بمقاربة أخلاقية لإشكالية التحرش، بدلاً من مقاربة أساسها حماية الناجيات.

وتعرّف هيئة الأمم المتحدة للمرأة التحرش الجنسي، بأنه "يشمل الاتصال الجسدي غير الرضائي، مثل الإمساك أو القرص أو الصفع أو الاحتكاك بشخص آخر بطريقة جنسية. ويشمل أيضاً الأشكال غير الجسدية، مثل التعليقات الجنسية عن جسد الشخص أو مظهره/ ها، والمطالبة بمزايا جنسية، والتحديق بإيحاء جنسي، والمطاردة، وكشف الأعضاء الجنسية".

"للأسف تتعرض المرأة للتحرش في أي مكان فيه تواصل مع الآخرين، في الشارع والمقهى والمطعم وغرفة الأخبار ومكان العمل وحتى المنزل، لأن المجتمع يحكمه العقل الذكوري"

كذلك، يرى نمور أن القانون لم يميّز بين أجير وصاحب عمل، في حال وقع التحرّش في إطار العمل، ولم يلتفت إلى علاقات العمل غير المتساوية في لبنان. وفي المقابل، لم يذكر أي موجبات على صاحب العمل لضمان بيئة عمل سليمة.

كما أن القانون حتّم على الناجية اللجوء إلى القضاء الجزائي، ما قد يردعها عن التقدم بشكواها وملاحقة مَن اعتدى عليها، بسبب عدم تلاؤم إجراءات القضاء الجزائي مع إشكاليات التحرش حالياً.

وحصر المشرّع معالجة التحرش في المنطق العقابي، من دون إيلاء أي دور للقضاء المدني أو لمجالس العمل التحكيمية أو للوساطة في قضايا حساسة مثل هذه.

وفرَض القانون على الناجية إثبات فعل التحرش ونتائجه، لتكوين الجرم، فيما لم يحدد أي آليات واضحة لحماية الناجيات والشهود، وغابت أيضاً الأحكام الخاصة بالتصدي للتحرش المعنوي.

وفيما يبقى ربط الغرامات بالحد الأدنى للأجور أمراً جيداً نظرياً، يقول نمور: "يبقى السؤال حول مدى فعالية تلك الغرامات لردع التحرّش في ظل تدهور الليرة اللبنانية التاريخي الراهن، مقابل ثبات الحد الأدنى الرسمي للأجور الذي لم يتم تعديله منذ سنة 2012". وحالياً، وصلت قيمة الحد الأدنى للأجور إلى نحو 23 دولاراً فقط.

ويعاقب القانون المتحرش بالحبس حتى عام، وبغرامة تصل إلى عشرة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور. وفي بعض الظروف، حين تكون العلاقة بين الجاني والضحية علاقة تبعية أو علاقة عمل، تزيد فترة الحبس إلى أربعة أعوام، والغرامات إلى 50 ضعفاً للحدّ الأدنى للأجور.

ما الذي تحقق؟

يروي المحامي جاد طعمه، لرصيف22، كيف أتى الحكم في قضية الأستاذ المتحرش في المدرسة الرسمية في طرابلس "محبِطاً"، إذ حُكم عليه بالحبس 20 يوماً فقط، أمضى أكثرها موقوفاً، وعُدَّت الأفعال المرتكبة من قبله جنحةً، في حين يرى طعمه أنه "كان يُفترض إنزال أشد العقوبة في حقه، كون التحرش واقعاً على قُصَّر"، ويسأل: "أي رسالة أراد إيصالها القضاء إلى المجتمع اللبناني والطالبات اللواتي قد يتعرضن للتحرش لاحقاً؟".

ويلفت طعمه إلى مسألة أخرى أبعد من القانون وآلية تطبيق القضاء له. يتحدث عمّا تعانيه الضحية عند وصولها إلى المراكز الأمنية، حيث العناصر "بتتهضمن" حسب تعبيره، و"يتم التحرش بها معنوياً"، في حين "يُفترض أن يتولى التحقيق في حوادث التحرش عناصر مختصون ومدرَّبون على مثل هذه القضايا لحماية الصحة النفسية للضحية".

وعن عدد دعاوى التحرش، يقول طعمه: "تقريباً ازدادت في السنة التي تلت إقرار القانون بنسبة 100%، ومن ثم انخفضت لأسباب عدة منها عدم تأمين الحماية اللازمة للضحية"، لافتاً إلى أنه "يجب ألا نغفل أن البعض أساء إلى هذا القانون حين أراد من خلاله التشفّي".

الأطفال أيضاً

حنين* (25 عاماً)، تعمل ممرضةً في مستشفى في بيروت. تتحدث إلى رصيف22، عن كرهها الشديد لابن عمها الذي لم يفوّت فرصةً للتحرش بها، مذ كان عمرها تسع سنوات وحتى أصبحت في سن الـ13، إلا واغتنمها.

تقول: "كان عمري تسع سنين بس بلّش يتحرش فيني. كنت طفلة وهوي كان أكبر مني بخمس سنين، ما قدرت خبّر أهلي، خفت وقتها وما عرفت شو عم يصير".

وتضيف: "حتى اليوم، لا أنسى التفاصيل. في أوقات كثيرة، أستقيظ وأنا مرعوبة وأصرخ ‘لأني بكوبس فيه’. الآن، هو تزوج ويكمل حياته بشكل عادي، وأنا ما زلت أخاف من المشي في الشارع. أشعر بأن كل الناس ينظرون إليّ. قتل ثقتي بنفسي. هل تعلمين؟ الكمامة كانت خلاصاً لي وليست مصدر إزعاج، فمعها الناس لا يستطيعون رؤية وجهي. حتى اليوم لا أستطيع التحدث بشكل سليم مع شاب، ولم أستطع إخبار قصتي حتى لأقرب صديقاتي".

وأكثر من ذلك، تتابع: "بتمنى كل يوم يدوق الظلم لي عيّشني ياه. كتير بنقهر بس شوفو عايش حياتو وأنا عم موت نفسياً وما قادرة قول شي. بيي ممكن يموت إذا عرف إني عشت هيك تجربة قاسية، وعيلة بيي حَ يكرهوني لأن تجرأت وحكيت".

أثر لا يموت

قبل فترة، ظهرت إلى العلن قضية "سفّاح القاع"، وهو عسكري متقاعد يدير مقهى في بلدة القاع، شمال شرق لبنان، وارتكب جرائم تخدير أطفال واغتصابهم في بلدته طوال سنوات. تطرح هذه القضية مسألة تعرض الأطفال للعنف الجنسي بمختلف أنواعه، وحتى من أقرب المقربين إليهم.

تؤكد منسقة برنامج الحصانة والمرونة في جمعية حماية التي تُعنى بقضايا العنف الموجه ضد الأطفال بكافة أشكاله، ناتالي برباري، أن طفلاً من ستة في لبنان هو ضحية عنف جنسي.

ويتعرض الأطفال لأنواع عدة من التحرش الجنسي، بدءاً من الملامسة أو التعري أمامهم أو عرض فيديو جنسي أمامهم من قبل بالغين أو أطفال آخرين يكبرونهم بعدد من السنوات، وصولاً إلى التعرض لانتهاك جنسي.

"كان عمري تسع سنوات عندما بدأ يتحرش بي. كنت طفلةً وهو كان أكبر مني بخمس سنوات، ولم أستطِع إخبار أهلي. خفت وقتها. حتى اليوم لا أنسى التفاصيل. في أوقات كثيرة، أستقيظ وأنا مرعوبة وأصرخ، بينما هو تزوج ويكمل حياته بشكل عادي"

تشرح شلهوب الأثر السلبي الكبير للتحرش الجنسي على الطفل الضحية، وهو أثر يشبه كل أثر لتحرش، لكنه ربما يكون أعنف، كونه طفلاً ولا يمتلك أدوات الرفض والرد.

أول هذه الآثار التروما، خصوصاً في حال كان الطفل صغيراً جداً وليست لديه أي ثقافة جنسية ولم يتمكن من الإبلاغ أو قول لا، كون الثقافة الجنسية لا تزال من المحرمات لدى الأهل في بعض المناطق.

وتضيف شلهوب، أن الصدمة النفسية التي يتعرض لها الطفل المتحرَّش به، قد تكبر معه وتؤدي إلى مشكلات أو عجز أو انحراف في السلوك الجنسي في بعض الأحيان، وقد يكبر الطفل ويصبح متحرشاً، إما انتقاماً أو لأنه سكت عن هذا الموضوع وتالياً بات في نظره أمراً عادياً قد يفعله ولا أحد يتكلم، وقد يصبح انطوائياً لا يحبّ التواصل ولا التعبير عن نفسه.

المساحات الآمنة كفكرة

"للأسف تتعرض المرأة للتحرش في أي مكان فيه تواصل مع الآخرين"، تقول ميرا عبد الله، معددةً: "في الشارع والمقهى والمطعم وغرفة الأخبار ومكان العمل وحتى المنزل، لأن المجتمع يحكمه العقل الذكوري".

أمام هذا الواقع، كثيراً ما يُطرح مصطلح المساحات الآمنة للنساء. وترى عواضة أن هذه المساحات هي فكرة لا تعني وجود مكان آمن وآخر غير آمن، إنما "كل المساحات التي تتواجد فيها النساء من المفترض أن تكون آمنةً حتى يتواجدن فيها ويمارسن حياتهن بشكل طبيعي، سواء داخل المنزل أو خارجه أو في العمل أو غيرها من الأماكن".

في عيادات الأطباء

تعمل هدى*، مع إحدى الجمعيات غير الحكومية. هي الآن في بداية الثلاثينات من عمرها. في ثاني زيارة لها لأحد الأطباء في عيادته في أحد مستشفيات بيروت، "شعرتُ بأنه لا يولي حالتي الصحية أي أهمية. أخبرته بأنني متعبة وأعاني من أوجاع في جسدي، فردّ: فحوصاتك المخبرية جيدة. تحتاجين فقط إلى الارتباط".

"آنذلك، استغربت ردّه هذا"، تقول هدى، و"اعتقدت أنه يمازحني، فهو طبيب وأنا مريضة". مرت تلك الزيارة على خير، حسب تعبير هدى. ولكن في زيارة لاحقة إلى عيادته، لإطلاعه على نتائج الفحوصات المخبرية، أصرّ مجدداً على أنها بخير ولا داعي للقلق، وقال لها: "إنتي مرتّْبة حالك وجايي لعندي اليوم؟ أو كنتي بمشوار قبل؟".

"تفاجأتُ بسؤاله"، تؤكد الشابة، و"سارعتُ للقول له إنني كنت في مكتبي وسأعود إلى هناك فور الانتهاء من زيارتي له. ضمنياً، وددت لو أقول له إنني بالطبع لم أتزين لأجلك، ولم أرتدِ ثياباً جميلةً لأجلك، ولم أسرّح شعري لأجلك، أنا في زيارة إلى طبيب ولست في موعد غرامي!".

وتتابع: "انتابني خوف شديد حينها، ولكنّي وددت لو يخطئ حدسي. طلب أن يفحصني على سرير العيادة حين رأى صورة الإيكو الدورية التي أجريها للثدي، بسبب وجود كتل صغيرة، ورفضت، فأصر عليّ. حاولتُ التهرب من طلبه، فتمتم طالباً ألا أتدلع حين يطلب منّي طبيب ذلك".

مرت تلك الدقائق ككابوس على الشابة، ولم ينقذها من الموقف سوى دخول سكرتيرته فجأةً لحل مسألة عالقة تخص مريضاً، فتلعثم الطبيب، وقال: "ما تخافي، إنتي منيحة، ما تقلقي". نظرت إليه السكرتيرة نظرة اشمئزاز، فقد علِمت أن هناك خطباً ما. ربما تعرف عن هذا الطبيب الكثير، أو ربما طالتها أفعاله أيضاً، تعلّق هدى. "المهم أنها أنقذتني بدخولها، وخرجتُ أنا إلى غير رجعة، وبحثت عن طبيبة إذ لم أعد أثق بالأطباء".

أكثر من خمس سنوات مرّت على هذه الحادثة، و"لم أجرؤ على إخبار تفاصيلها لأحد، حتى أقرب صديقة لي، أخبرتها قبل أشهر قليلة، ولم تجد ما تقوله لي سوى: ‘إذا دكتور وهيك!’. فعلاً، ‘إذا دكتور وهيك!’، ومنذ ذلك الوقت، لا أزور طبيباً بمفردي، وإنْ اضطررت إلى ذلك أحرص على وجود الممرضة معي. يبدو أنني تعلمت".

يؤكد نقيب الأطباء في بيروت د. يوسف بخاش، أن لا بروتوكولات معتمدةً لفحص المريضات. ويقول لرصيف22: "من الناحية التقنية، لا يوجد أي شيء مدوّن في قانون الآداب الطبية، ولا في النظام الداخلي لنقابة الأطباء، ولكن لتفادي الوقوع في أيّ لغط، أطباء كثر يُجرون الفحص النسائي بوجود ممرضة".

ويضيف: "في المستشفيات الكبرى في بيروت، توجد مكاتب لتلقّي الشكاوى الطبية وغير الطبية، كالتحرش مثلاً، وبعضها يجري اتصالات مع مرضى يُختارون عشوائياً لسؤالهم عن تجربتهم العلاجية"، عادّاً أن فعل التحرش فردي، وليس ظاهرةً في المستشفيات.

الرجال أيضاً

ظاهرة التحرش ليست دائماً من الرجال نحو النساء. قد يحدث العكس أحياناً، وقد يحدث تحرش من شخص بآخر من الجنس نفسه.

يروي ماهر* (31 عاماً)، وهو شاب مقيم في إحدى مناطق ضواحي بيروت الجنوبية، لرصيف22، قصته مع رسائل "ذوات مدلول جنسي"، وصلته عبر فيسبوك من شاب، ويعلّق: "بس قريتهن انصدمت. شعوري ما بقدر فَسّرو. كتير بشع، حسيت إني خجلان من نفسي، كنت لوهلة حَ أعمل ديليت لحسابي، حتى إني صرت لوم نفسي. شو فكّر فيني؟ ليه راح تفكيرو عَ هيك محل؟ معقول بسبب صوري العفوية لي بنزلها عَ صفحتي؟ إنو معقول الحق عليي؟!".

تشير عبد الله، إلى أن الرجال كما النساء، قد يتعرضون للتحرش، "ولكن عملياً نتحدث أكثر عن النساء كونهن الأكثر تهميشاً، كما أفراد مجتمع الميم. أما الرجل، لا سيما الغَيْري، فهو يملك السلطة الأكبر بحكم موقع الرجال في المجتمع"، ما يعني أنه غالباً يستطيع الدفاع عن نفسه.

كلما كان المتحرَّش به من فئة ضعيفة، كلما كانت تداعيات هذا الفعل أعنف وأصعب عليه.

تروي سكينة* (30 عاماً)، وهي شابة "ترانس"، تسكن في أحد أحياء بيروت، ما تتعرض له من مضايقات في أثناء مرورها في الشارع، ونعتها بكلمات بذيئة ومهينة. "بسبّوني وبقولولي يا لوطي. كنت قبل إتأثر، هلأ ما برد، يمكن تعودت. لي بهمني ما يئذوني جسدياً أو يتعرضولي بالضرب"، تقول.

ما تخشاه سكينة بشدة هو العنف الجسدي الذي تتعرض له لأنها "ترانس". قبل فترة قصيرة تعرضت لاعتداء جنسي من قبل أكثر من 15 شاباً، تناوبوا على التحرش بها وضربها واغتصابها، خلال مواعدتها أحد الشبان.

"يومها شربنا كحولاً، ويبدو أن أحدهم وضع في كأسي مخدراً لأني شعرت بدوّار وتقريباً فقدت وعيي. ضربوني واغتصبوني وصاروا يصوروني وأنا بثيابي الداخلية وهم يمارسون الجنس معي".

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، ولا عند ما عانته من آلام نفسية وجسدية، فالكابوس الذي عاشته استمر، إذ بدأوا بابتزازها بالصور التي أخذوها لها. تقول: "فكرت إقتل حالي. صرت قول لنفسي قومي كبّي حالك".

"لجأتُ إلى إحدى الجمعيات، وطلبت الدعم النفسي"، ولكنها لم تقدّم شكوى إلى قوى الأمن. فقبل ذلك، لجأت مرةً إلى أحد مخافر بيروت لتقديم شكوى ضد شاب اعتدى عليها: "أول شي قال لي ياه عنصر الأمن: ما عم يشبّعك؟ (لا يرضيكي جنسياً؟). دايماً الحق عليي. لو أنا رِجّال كنت بقدر آخد حقي بإيدي، بس لأني ترانس تمّ التعامل مع شكوتي باستخفاف. ما بيتقبلوا فكرة إنو ترانس تاخد حقها بالمخفر".

تشرح المديرة التنفيذية في جمعية العناية الصحية (SIDC)، وهي منظمة غير حكومية تعنى بتقديم خدمات الصحة الجنسية والعقلية، ناديا بدران، مدى الأذى المضاعف الذي يلحق بأفراد مجتمع الميم-عين، بسبب تعرضهم للتحرش.

وتقول لرصيف22: "يتعرض أفراد مجتمع الميم-عين للتحرش الجنسي مثلهم مثل أيّ فئة أخرى، ولكن لهم خصوصية، كون ممارساتهم وسلوكهم تُعدّ في الأصل غير قانونية، لذلك يصعب عليهم، في أحيان كثيرة، تقديم شكوى أو رفع الصوت ضد كل ما يعيشونه. يتعرضون للابتزاز والاعتداء المعنوي والمادي، ولا يستطيعون الإفصاح عما يواجهونه".

وتضيف: "الأسوأ أن حتى بيئتهم الضيقة، أي الأهل، تلومهم، وكأن ميولهم الجنسية هي التي تسببت بأن يتعرّضوا للتحرش، تماماً كما تُلام المرأة على لباسها حين تتعرض للتحرش".

وتروي كيف أنه في أحيان كثيرة تكون حياة هذه الفئة عرضةً للخطر، إذ يخسر بعضهم العمل أو السكن بسبب التحرش بهم من قبل صاحب السكن، أو من أشخاص في مكان العمل، في الوقت الذي تكون فيه خياراتهم في السكن والعمل محدودةً جداً، خصوصاً في ظل الوضع الاقتصادي المأزوم راهناً.

بالرغم من كل هذه المعاناة، لا يتمتع أفراد مجتمع الميم-عين بالمساحة نفسها المتاحة لضحايا التحرش على السوشال ميديا. "ما بتجرأ إحكي على السوشال ميديا. بتمّ التحريض عليي لمجرد إني ترانس، ممكن تمرق سيارة وتخبصني، أو ممكن الناس يضربوني بالشارع"، تقول سكينة، مضيفةً: "لو فيه حقوق ومتقبلينا، كنت بحكي وأكيد ما عندي مشكلة، بس بلبنان كتير صعبة".

عدم بوح الضحايا "سيفاقم حتماً معاناتهم النفسية، من قلق واكتئاب"، تؤكد شلهوب، "والبوح ولو للبيئة الضيقة يمكن أن يخفف وطأة الحدث على الضحايا، ولا بد من طلب مساعدة معالج متخصص لتخطّي الأذى"، تضيف، لكنها تحذّر من أن الضحية قد تتعرض للتنمر ولتعليقات سلبية وأحكام مسبقة يجب التنبه إليها، وإلا فإن تداعياتها ستكون وخيمةً وستنعكس سلباً عليها، ولذلك "عليها أن تحصّن نفسها جيداً نفسياً قبل البوح على مواقع التواصل الاجتماعي".

*اسم مستعار

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard