مشاركة النساء في سوق العمل... حقّ يدفعنَ يومياً أثماناً باهظةً لممارسته

الثلاثاء 8 مارس 202212:00 م

"كنت أبلغ من العمر 19 عاماً، وأتولى وظيفةً بدوام جزئي في متجر للأدوات المنزلية، إلى جانب متابعتي دراستي الجامعية. كانت هذه الوظيفة توفّر لي مصروفي الخاص. في أحد الأيام التي يكتظ فيها المتجر بالزبائن، طلب منّي مسؤول الطابق التأكد من وجود غرض تسأل عنه زبونة مهمة، فتوجهت نحو القسم المختص، وتبعني هو، وعندما بدأتُ بتفقد الرفوف العالية عدّ أنّي لم أقدّم له الإجابة بالسرعة الكافية، فأمسك بشعري ورطم رأسي برفّ قريب مردداً عبارة: "الزبونة ناطرة حضرتك".

تدخل الراوية نوران إلى صفحة مديرها السابق على فيسبوك، وتقول: "وقعت هذه الحادثة قبل نحو ثماني سنوات، وحتى اللحظة الخطوة الوحيدة التي اتّخذتها ضده هي إزالته من حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي".

لا تزال تشعر بالغضب لأنها لم تدافع عن نفسها، حتى حين صادفته بعد استقالتها، ولأن تفاعلها مع العنف المهني الذي تعرضت له جاء على شكل اجتهادها أكثر في البحث عن طلبه. تضيف: "كنت عاجزةً اقتصادياً وبحاجة ماسة إلى الحفاظ على عملي. ظننت أن السبيل الوحيد لمعالجة الوضع هو عبر إنجاز عملي بطريقة أفضل. ألقيت اللوم على نفسي ولم أفهم أن لي حقوقاً خاصةً بي كموظفة وكامرأة عاملة".

تروي نوران لرصيف22، أنها اليوم، في حال سمعت قصةً شبيهةً لقصتها، ستطلب من الفتاة-الضحية، التوجه فوراً إلى مكتب المسؤول/ ة، وتقديم شكوى رسمية بحق مديرها، أو أن تفضح الأخير بطريقة علانية، وستشجعها على اتخاذ كل الخطوات اللازمة لضمان حمايتها الشخصية ومحاسبة المعتدي.

نوران لم تكن المرأة الوحيدة في تلك الوظيفة التي تعرّضت للعنف من قبل المدير المسؤول. تقول: "كان يتوجه إلى الفتيات العاملات داخل المؤسسة بعبارات جنسية، وكان يستخدم تلميحات جنسيةً مرتبطةً بالشكل الخارجي، وأحياناً كان يفرض عليهن ارتداء أزياء محددة ووضع الكثير من مساحيق التجميل".

وحادثة العنف التي تعرضت لها لم تكن التعدي الأول الذي يمارسه المدير تجاهها. سبق له أن قرر خصم ثلث راتبها في أحد الأشهر وبصورة تعسفية. تقول نوران: "في ذلك الشهر، حصلت على ثلثي راتبي الشهري، أي ما يعادل 400 دولار أمريكي فقط، ولم أتمكن من دفع إيجار المنزل. حينها أيضاً التزمت الصمت خوفاً من الطرد التعسفي، واعتقاداً منّي بأنه يملك السلطة القانونية والإدارية ليحدد مصيري المهني مثلما يشاء، كما أني صدّقت أنني فاشلة في عملي. أفهم اليوم، أن وظيفتي كانت عبارةً عن سلسلة اعتداءات، وأن مديري ما كان ليفكّر في ممارسة هذه الخروقات الوظيفية بحق زملائي الرجال، لأنه وبكل بساطة كان سيتعرض للضرب المباشر منهم".

تفيد المديرة التنفيذية لجمعية المفكرة القانونية، المحامية لمى كرامة، بأن قانون العمل اللبناني يحظر على صاحب العمل التفرقة بسبب الجنس بين العامل والعاملة في ما يتعلق بنوع العمل، والأجور، والتوظيف، والترقية، والتأهيل المهني، والملبس، لكنها في الوقت عينه تؤكد لرصيف22، أن الإشكالية تكمن في غياب الآليات الواضحة لمراقبة القطاع الخاص وفرض العقوبات في حال المخالفة. تالياً، بإمكان المرأة أن تتعرض للتفرقة من دون أن تتمكن من تحصيل حقها.

وتشير كرامة إلى أنه يمكن للناجيات من التحرش الاستناد إلى قانون تجريم التحرش وقانون العقوبات لتقديم شكوى جزائية ضد المرتكب، إلا أن القانون يخلو من أحكام التصدي للتحرش المعنوي، لا سيما في أماكن العمل، كما وأنه يحصر خيارات التقاضي بالمسار الجزائي الذي يعتمد على قواعد إثبات صارمة، وغالباً ما يفترض الإيذاء جسدي". 

العمل الرعائي عوضاً عن المهنة

تقصد بسمة (اسم مستعار)، المركز التجاري "دون" Dunes، في منطقة فردان في بيروت مرةً في الأسبوع. يقضي ابنها وابنتها ساعةً في مركز الألعاب في الطابق السفلي، بينما تجلس هي لتتحدث مع صديقتها في المقهى المجاور أو "لتأخذ نفساً"، حسب تعبيرها.

تقول بسمة (28 عاماً)، لرصيف22، إنها ارتبطت لمدة خمس سنوات بابن عمها، قبل أن تتخذ العائلة قراراً بتتويج قصة حبهما بالزواج. لم تملك حتى مساحةً للندم، فالقرار لم يكن قرارها. على الرغم من ذلك، تتمنى لو أنها كانت تملك قدراً أكبر من الوعي والمعرفة: "لو كانت معرفتي بالأمور كما هي اليوم، لما كنت أقدمت على هذه الخطوة في عمر مبكر".

في السنوات الأولى من زواجها، عملت بسمة موظفةً إداريةً في عدد من المؤسسات كان آخرها مستوصف طبي يقع في إحدى مناطق ضواحي بيروت الجنوبية، وتقاسمت متطلبات الحياة الاقتصادية مع زوجها، قبل أن تتحسن أحواله المادية ويصبح هو المعيل الأساسي للأسرة. وحينذاك فحسب، قررا إنجاب طفلهما الأول. حملت بسمة في عام 2017، بتوأم. لم تظن يومها أن حياتها ستتغير بطريقة جذرية، لكن هذا ما حصل: "حافظتُ على وظيفتي طوال فترة حملي، وبدعم من زوجي، لكن بعد ثلاثة أشهر من الولادة، وحين كان عليّ أن أعود إلى دوام عملي اليومي، بدأت المشكلات الزوجية والعائلية".

ارتأت العائلة يومها أن الخيار الصائب يكمن في تخلي بسمة عن حياتها المهنية وتفرغها لأمومتها بدوام كامل، خصوصاً أنها صارت أماً لفتاة وصبي. وبعد ممارسة ضغوط يومية بحقها، وحين وصلت إلى مفترق طرق، تخلّت عن رغباتها الخاصة ومستقبلها المهني في سبيل الحفاظ على زواجها وعلاقة طيبة مع العائلة.

تقول: "أُجبرت على ترك وظيفتي لأن زوجي وأفراد عائلته قرروا أن نجاح حياتنا الأسرية مرتبط بتفرغي لها بدوام كامل. فقدّمت استقالتي". وعن ارتدادات هذا القرار على شخصها وحياتها، تجيب: "كنت مغرمةً بعملي الذي حافظت من خلاله على فرديتي واستقلاليتي المادية ودوامي اليومي، ولم يكن يتعارض مع أمومتي خصوصاً أن والدتي كانت جاهزةً لمساعدتي في الاهتمام بالأطفال. بصراحة، انقلبت حياتي فكل الاتفاقات التي كنت قد بنيتها مع زوجي تلاشت وتحوّلتُ أنا من شريكة وحبيبة وزوجة إلى ربة أسرة ووالدة أطفاله". والصفة الأخيرة حسب تعبيرها حملت معها الكثير من التوقعات، فالأم الجيدة حسب ما كان يردد المحيط العائلي، هي تلك التي لا تبحث عن دور حضانة لتضع أطفالها فيها، بل هي التي تكرّس كل لحظة من يومها لرعاية أطفالها بنفسها.

"كان (المدير) يتوجه إلى الفتيات العاملات داخل المؤسسة بعبارات جنسية، وكان يستخدم تلميحات جنسية مرتبطة بالشكل الخارجي وأحياناً كان يفرض عليهن ارتداء أزياء محددة ووضع الكثير من مساحيق التجميل"

تشعر بسمة بأنها فقدت جزءاً من نفسها، وجزءاً تحتاج إليه لتشعر بقيمتها وأهميتها من كل النواحي، ومن خلاله فحسب يمكنها أن تؤمّن لنفسها الرعاية التي تؤمّنها للآخرين. عن أهمية هذا الجزء تقول: "خسرت الكثير من الأهداف التي كنت قد كرستها، والتي كانت تنتج عنها معاني عدةً تجعلني فخورةً بنفسي كامرأة عاملة بعيداً عن الزواج والأمومة. ربما في وقت لاحق كنت سأتخذ أنا هذا القرار لكنه اتُّخذ عني". وتتابع: "للمفارقة، حين بدأت الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان، عادت العائلة وألمحت بطريقة غير مباشرة إلى أهمية حصولي على وظيفة كي أتشاطر العبء الاقتصادي مع زوجي في ظل الأوضاع، وطُلب منّي أن أكون سنداً له في هذه المحنة. في تلك اللحظة، أي حين سيطرت الأزمة، لم تعد أمومتي تتعارض مع الوظيفة، بل صار من واجبي أيضاً مساعدة زوجي".

تقول أستاذة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة اللبنانية، ليلى شمس الدين، لرصيف22، إن تنميط دور المرأة يختلف باختلاف الجغرافيا والبيئة الحاضنة والثقافة. ففي مجتمعاتنا العربية، وعبر السنوات، وُضعت المرأة في قالب رعائي وأمومي استناداً إلى أعراف اجتماعية وأخرى دينية. تشرح: "انطوى دور الفتاة في بيتها الأول على خدمة الذكور عبر تأمين الخدمات اليومية وتنفيذ أوامرهم على حساب مسارها التعليمي الذي لطالما كان عمره قصيراً، وكان ينتهي إما بالزواج أو بوصولها إلى السنة الدراسية التي حُددت لها. وحتى الفتاة التي كانت تنشأ ضمن عائلة متحررة من القيود، كان يتم توجيهها بعد إنهائها تعليمها نحو المهن التي تحافظ على دورها الرعائي المستقبلي وجاهزيتها للأمومتها، مثل اختيار السلك التعليمي والتدريس".

وفي المدن، تتابع شمس الدين، تم تنميط المهن على أساس مهن أنثوية وأخرى ذكورية، وسابقاً لم تشجَّع المرأة على الانخراط في مجالات الهندسة والطب والمحاماة. أما المهن التي تحتاج إلى قوة جسدية عضلية أو حتى قدرة على التنقل، فهي تلقائياً لم تكن متاحةً أمامها. واللافت في هذا التنميط الجسدي، حسب قولها، هو أنه لم يمارَس في القرى حيث النساء شكّلن القوى العاملة الأساسية، فهن اللواتي يزرعن ويقطفن حصاد الموسم، من دون طبعاً أن تُعفى النساء من دورهنّ الرعائي داخل المنزل.

تؤكد شمس الدين أن كل جوانب الحياة كانت تهيئ الفتاة لتكون مطيعةً وخاضعةً، بدءاً من التربية داخل المنزل ومن ثم المدرسة وصولاً إلى كيفية تعامل وسائل الإعلام والقوانين التمييزية أو حتى الأعراف الاجتماعية معها.

وتلفت إلى أن هذه الأعراف تغيّرت بفعل تراكمات النضال النسوي عبر السنوات، "فالفتاة التي كانت تصل إلى مرحلة من التعليم لا يمكنها تخطيها تخوفاً من خروجها من القالب المرسوم لها ضمن العائلة أو تفكيرها في مستقبل مهني أو حتى كتابتها رسالة حب وإرسالها، هذه الفتاة التي استُبعدت طوال حياتها عن حقها في تقرير مصيرها صارت اليوم قادرةً على رفع صوتها لأن الدوائر الاجتماعية النسوية وتأثيراتها أتاحت لها هذا الخيار".

استناداً إلى التحليل السابق، قد تعمل المرأة ضمن إطار مهني محدد طوال حياتها، بسبب قرارات اتخذها الذكور بدلاً منها، وقد تقضي سنواتها تكافح بالأدوات القليلة التي تملكها، كما حصل مع دلال.

تشير المحامية لمى كرامة، إلى أن قانون العمل يمنح ضمانات للنساء لحمايتهن في سوق العمل، لكن في معظم الأحيان يتم استثناء العديد من النساء من أنواع هذه الحماية، لا سيما العاملات في الخدمة المنزلية والعاملات في الزراعة، وتنوّه بأن اللجوء إلى السلك القضائي يكون في معظم الأحيان صعباً ويتطلب الكثير من الوقت.

المرأة الحديدية

ليال (39 عاماً)، كان زوجها الداعم الأساسي لها حين أرادت أن تكمل تعليمها وتحصّل شهادتها الجامعية. طوال سنوات كثيرة، ساندها من كل النواحي إلى أن تخرجت وبدأت بمزاولة مهنة التعليم، تروي لرصيف22.

تزوجت ليال عام 2000، وكانت تبلغ من العمر 18 عاماً، وفي العام نفسه بدأت بمزاولة مهنة التعليم. بعد سنة، أنجبت ابنها، وفي العام التالي ابنتها. تقول: "في تلك المرحلة، قبل أمومتي وبعدها حتى، كنت قادرةً على التوفيق بين حياتي الخاصة وحياتي المهنية. خياري المهني لم يتعارض مع قدرتي على تأمين الوقت اللازم لأطفالي، إنْ في رعايتهم في التفاصيل الأساسية، أو حتى في اللعب معهم".

حين كبر أولادها وأصبحوا في سن المراهقة، تخلت ليال عن مهنتها الأولى، وقررت دخول مجال إدارة الأعمال. افتتحت مكتباً مختصاً بتقديم خدمات التأمين، وتحويل الأموال، وحجز تذاكر السفر.

تشرح أن أسلوب حياتها تبدّل حين صارت ربة عمل. صار التوفيق بين دورها الرعائي وعملها صعباً. تضيف: "في السابق، حين كنت موظفةً، كانت الأمور أسهل؛ دوامي محدد والمطلوب مني يمكن تنفيذه. لكن حين قررت أن أستقلّ عن السلك الوظيفي التقليدي، اكتشفت أن المرأة مطالبة بأن تتعب أضعاف ما يتعبه الرجال حتى تتمكن من تحقيق النجاح".

مع استجداد هذه الظروف، قررت ليال الاستعانة بعاملة منزلية لتتولى شؤون المنزل، لأن حياتها المهنية لم تعد تسمح لها بلعب هذا الدور، خصوصاً أنها وزوجها قررا الانتقال إلى منزل أكبر مؤلف من ثلاثة طوابق في بلدة الصرفند، جنوب لبنان.

وحين بدأت الأزمة الاقتصادية تعصف بلبنان، أي قبل نحو سنتين، حجز المصرف على مدّخرات ليال، كغيرها من اللبنانيين. "جنى عمري راح"، تقول. اضطرت إلى أن تعود وتتولى العمل الرعائي بالكامل بنفسها، بعد أن صارت عملة الدولار غير متوفرة ولم تعد قادرةً على تحمّل راتب العاملة المنزلية.


"كل جوانب الحياة كانت تهيئ الفتاة لتكون مطيعةً وخاضعةً، بدءاً من التربية داخل المنزل ومن ثم المدرسة وصولاً إلى كيفية تعامل وسائل الإعلام والقوانين التمييزية أو حتى الأعراف الاجتماعية معها"

تقول: "مسّتني الأزمة بطريقة مباشرة، وبدّلت كل معالم حياتي". وعن حياتها المهنية في الوقت الحالي تقول: "أعيش أصعب فترة في حياتي من كل النواحي. أفكّر في التفاصيل اليومية حتى في أثناء نومي. وعلى الرغم من أن زوجي من الناحية الرعائية يتشارك معي مسؤوليات تربية الأولاد، ويلعب هو الدور الأساسي في أغلب الأحيان، إلا أنني أتحمل المسؤولية الأكبر في كل ما يتعلق بإدارة شؤون المنزل. أعود يومياً من عملي وأبدأ بتحضير الطعام ومن ثم أنتقل إلى تنظيف المنزل. من بعدها أحاول قضاء الوقت اللازم مع أولادي وزوجي، وفي اليوم التالي أستيقظ لأعيد الكرّة. كل يوم هو عبارة عن محاولة للنجاة وإنهاء كل ما هو مطلوب منّي. وفي النتيجة، لم أعد أملك ساعةً واحدةً للاهتمام بنفسي، ولكن على الرغم من كل هذه المتطلبات أحاول الحفاظ على عملي الخاص وضمان نجاحه".

عندما نتناول إشكالية المشاركة الاقتصادية للنساء، لا بد أولاً أن نبيّن أن أغلب النساء يشاركن في قطاعات اقتصادية غير مرئية، أهمها العمل الرعائي، تقول الناشطة النسوية علياء عواضة، مضيفةً لرصيف22، أنه بالإضافة إلى ذلك هناك مسألة تفاوت الأجور بينهن وبين الرجال في القطاعات المرئية.

وتلفت إلى أن انعدام العدالة هذا تفاقم خلال السنوات الأخيرة، تحديداً في ظل الانهيار الذي يشهده لبنان وتفشّي وباء كورونا، إذ "أظهرت تقارير أن تغيرات سلبية طالت النساء ضمن إطارهن المهني بطريقة مباشرة".

وتضيف أن "المرأة تخضع تلقائياً للتمييز داخل مؤسسة الزواج في حال كانت تمارس العمل الرعائي، وفي الوقت عينه تزاول مهنةً. فهي تلعب دورها الرعائي والمهني وأمومتها ودورها كزوجة، وتواجه كأم عاملة الأعراف الاجتماعية التي تلومها في حال قصّرت".

هذا الذنب الذي تحمله النساء، تتابع عواضة، يمكن أن يختفي في حال قُسّمت الأدوار بأسلوب يناسب كلاً من المرأة والرجل داخل العلاقة الزوجية. برأيها، "لا تكمن المشكلة في مفاهيم المساواة المحقة، إنما في تنميط الأدوار الجندرية وكيفية توزيعها. فأساليب تطبيق هذه المساواة تفضي إلى تحميل النساء المزيد من الواجبات".

تلخّص المسألة بقولها: "جاء المجتمع وقال للمرأة يمكنكِ العمل، لكنك في الوقت عينه ستلعبين كل الأدوار الجندرية التي حملتها في السابق، ولديك دوام إضافي في المنزل أيضاً. لم يؤخذ بعين الاعتبار أن انخراط المرأة في سوق العمل يجب أن يترافق مع مفهوم كامل للمساواة ينعكس في تقسيم واضح للأدوار كي تتمكن المرأة من الاستمرار، لأنها هي مَن تحمل العبء الأكبر، لانخراطها في المجال المهني، وبالإضافة إلى الأدوار المتوارثة، وهذا للأسف يأتي على حسابها الشخصي".

طريق المهنة يمرّ بالتحرش

"كنتُ في عامي الدراسي الثاني في تخصص علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، وكنت في طور البحث عن مراكز أبحاث أتدرج في أحدها، حين قابلت أستاذاً وباحثاً عرض عليّ أن أقصد مكتبه لمناقشة شروط التدرج. بعد أيام من هذا التعارف، قصدت المؤسسة، وفور دخولي إلى مكتبه أقفل الباب ورمى بجسده عليّ. للوهلة الأولى، لم أفهم ما حصل لكنّي أبعدته من دون أن أتفوه بكلمة. رفع جسده عنّي، وأدار ظهره وتوجه نحو الكرسي خلف المكتب حيث ظهر الغضب على وجهه وبدأ باختراع كل الحجج الواهية التي ستدفعني إلى الرحيل فوراً، لأن هدفه الأساسي لم يكن مساعدتي في إطلاق حياتي المهنية، بل التحرش بي".

هذا ما جرى مع دنيا (اسم مستعار). تروي الشابة البالغة من العمر اليوم 30 عاماً، قصتها والغضب حسب تعبيرها "لا يزال هو نفسه"، والسبب الأساسي هو أنه "لم أكشف عن تحرشه بي، وتالياً لم يُحاسَب". تقول إنها مع الوقت فهمت أبعاد الحادثة: "الشعور الأول كان الخوف، الثاني هو الذنب وتكذيب الذات إذ حمّلت نفسي مسؤولية ما حصل، والشعور الثالث هو اختراق حرمة جسدي، والشعور الأخير هو الغضب تحديداً بعد أن أدركت تعرضي للتحرش في طور محاولتي بدء حياتي المهنية".

حاول المتحرش أن يتواصل مع دنيا أكثر من مرة عبر تطبيق واتساب. كان يسألها عن حالها فترد: "أنا بخير". تقول: "لم أكن أرغب في الرد على أسئلته العادية جداً، لكنني خضعت ربما خوفاً من شخصه، وظننت أنه في حال عدم استجابتي لرسائله سيقوم بتشويه سمعتي والوقوف أمام تطوري المهني".

في رواية أخرى عن التعرض للتحرش في أثناء البدء بالحياة المهنية، تحكي زينب (27 عاماً)، عن رجل يبلغ من العمر 65 عاماً تعرّفت إليه من خلال قريب لها. كان هذا الرجل يعمل صحافياً ومحللاً سياسياً، وهي كانت تبحث عن وظيفة في هذا المجال بحكم تخصصها في الصحافة والإعلام. تروي: "في المرة الأولى، التقينا في القهوة وكان محترماً جداً. لذلك حين عاد وطلب مني لقاءً ثانياً، لم أتردد وظننت أن سيرتي الجامعية نالت استحسانه. طلب منّي أن ألقاه في مكتبه، وفعلاً ذهبت كفتاة كانت لا تزال محجبةً من دون أدنى شعور بالخوف. بدأ بطرح الأسئلة المهنية ومن ثم انتقل إلى الأسئلة الشخصية والخاصة، وفي تلك اللحظات وضع يده على شعري وكتفي وظهري. جمدت في مكاني، من دون أن أقول شيئاً".

"أُجبرت على ترك وظيفتي لأن زوجي وأفراد عائلته قرروا أن نجاح حياتنا الأسرية مرتبط بتفرغي لها بدوام كامل"

تروي زينب التي كانت تبلغ من العمر حينها 21 عاماً، أنها وبكل صراحة لم تفهم أنها تعرضت للتحرش ومدى ضخامة أبعاد ذلك. تكمل: "تربيت بطريقة محددة جداً غايتها أن تكون ردود أفعالي مليئةً بالتهذيب والاحترام. لكن حين مرّ الوقت بدأت الأفكار والتساؤلات تطرح نفسها: لماذا لم أدافع عن نفسي؟ لماذا لم أواجهه؟ هل شخصيتي ضعيفة؟ مُزجت هذه الأسئلة بالاشمئزاز والشعور بالتواطؤ على ذاتي مع المتحرش فقط لأني لم أعترض على طريقة حكيه أو لمسه لي. وبعد مرور نحو ست سنوات، أقول إن العامل الأساسي والمسؤول بطريقة مباشرة عن عدم قيامي بردة فعل واضحة، هو التربية المجتمعية والعائلية التي تلقيتها والتي لقّنتني أن أبقى مهذبةً طوال الوقت. لذلك حين تعرضت للتحرش جاءت ردة فعلي على شكل صدمة منعتني من التعرض للشخص الذي تحرش بي، بل تقوقعت داخل نفسي منتظرةً منه أن يكفّ عن لمسي".

حتى اللحظة، لم تواجه زينب الرجل الذي تحرش بها والذي يكبر والدها سنّاً، كما أنها لم تخبر قريبها خوفاً من إلقاء اللوم عليها، خصوصاً أن المتحرش صديق العائلة، بالإضافة إلى خوفها من دخول المشكلات إلى حياتها المهنية. لكنها في الوقت عينه قطعت كل سبل التواصل معه، ولم تستعِن به من الناحية المهنية.

تفيد علياء عواضة بأن القوانين المعنية بحماية النساء تتصادم فور صدورها مع الأعراف الاجتماعية، فمثلاً حين أُقرّ قانون حماية المرأة من العنف الأسري، كان يتم تخويف النساء من عملية التبليغ، وذلك لأن الأعراف الاجتماعية تعلّم المرأة أن الحفاظ على أسرتها وزواجها هما أهم من حمايتها لنفسها. وتالياً، كانت توضع المرأة المعنَّفة أمام خيارين: إما أن تبقى صامتةً أمام العنف الجسدي الذي تتعرض له، أو أن تعرّض نفسها لاحتمال خسارة حياتها الزوجية أو العائلية.

برأيها، الأمر نفسه ينطبق على قانون حماية المرأة من التحرش، فالمرأة التي تتعرض للتحرش في مكان عملها قد تخاف من التبليغ خوفاً من تعرضها للطرد أو للوصم الاجتماعي الذي قد يؤذي مسارها المهني. ومن هنا تأتي أهمية حملات التوعية والدوائر الاجتماعية الآمنة التي ترسّخ حق المرأة في الدفاع عن حقها. و"في لبنان، هذه الأساليب التي تُعتمد لقمع المرأة لم تعد ناجحةً كما في السابق، إذ إن النبذ الاجتماعي صار يطال المعتدي وليس المرأة". 

الشكل أو الكفاءة؟

تختلف المجالات التي تشغلها النساء لكن في وظائف عدة يُعطى شكل المرأة أهميةً أكثر من قدراتها وكفاءتها. فتجد الأخيرة نفسها تقولَب على أسس جندرية/ شكلية، ولكي تتخلص من هذا التنميط عليها أن تبذل جهداً مضاعفاً، وهذا ما حصل مع رنين إدريس:

تشارك الدكتورة ليلى شمس الدين، تجاربها الخاصة مع التمييز الجندري ضمن المؤسسات المهنية، وتؤكد أنها انطلاقاً من موقعها المهني اختبرت الواقع وكيفية معاملة المرأة في أمكنة العمل. فالمرأة، حسب تعبيرها، قد تُحرم في كثير من الأحيان من تبوّء منصب ما يناسب كفاءتها، تحديداً في الأقسام الإدارية، و"قد تُحرَم المرأة من الترقية الوظيفة لأنها قد تحمل وتنجب فحسب، وهذا الحرمان المهني قد تكون سببه مؤسسة عملها أو مؤسسة الزواج التي قد تلقي على عاتقها المزيد من المهام".

وتلفت إلى أننا "نشهد في وقتنا الحالي خطاباً نسوياً يواجه الخطاب الأبوي القائم، وتالياً هذه المرحلة تحمل الكثير من التناقضات، بمعنى أن الرواسب العرفية التي لا تزال حاضرةً تجعلنا نطرح عدداً من الأسئلة: هل أصبحت المرأة مستقلةً اقتصادياً ولكنها غير مستقلة في خياراتها الشخصية؟ هل لا زالت سجينة القيود والموروثات؟ هل هي مسجونة قصراً ضمن محيط يؤطّرها ويفرض عليها سياساته؟".

وتشير إلى أنه فور وصول المرأة إلى منصب مهم يتم التعرض لها من قبل رجل يعتقد أنها تأخذ مكانه ومكتسباته.

برأيها، الموروثات التي لا زالت حاضرةً تحدّ من واقع المرأة وهذا الأمر مرهق لها. وعن كيفية التعامل مع هذه التناقضات، بين الموروثات الحاضرة وتطور المرأة من النواحي المهنية، تجيب: "على المرأة أن تفهم حقوقها وتحصّلها، وأن يكون لديها وعي بكل التحديات والمعوقات المحيطة بها فقط لأنها امرأة، وأن تحاول عدم الخضوع لها وتتخطاها".

وتختم بأن "هناك مسؤوليةً تقع على عاتق كل من الرجال والنساء الذين لديهم وعي بالمفاهيم الجندرية، وبالتمييز الممارس ضد المرأة، وهؤلاء عليهم/ ن استخدام وعيهم عبر بث خطاب جديد وممارسة أفعال يومية، ولو صغيرة، لكن قادرة على تغيير الواقع الموجود وتبديله".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard