برعاية الدولة اللبنانية... أجيالٌ عديمة الجنسية تنجب أجيالاً مثلها

الثلاثاء 5 أبريل 202210:17 ص

خلال سنواتها الـ18، لم تخرج آية، الشابة المفعمة بالحياة والتي لا تزال طالبة علاقات عامة في الجامعة اللبنانية الدولية، من بيروت سوى مرتين "أو ثلاث مرات كحدّ أقصى"، حسب تعبيرها. تقول إنها تعاني من "رهاب" الحواجز، شأنها شأن الآلاف من مكتومي القيد في لبنان. تفضّل، وهي الابنة الكبرى لأب لبناني وأم سورية، وأخت لثلاثة أطفال مكتومي القيد، أن تبقى أسيرة منطقة طريق الجديدة التي وُلدت فيها.

"أخشى أن يكون مزاج العسكري سيّئاً، فيقوم بسوقي إلى المخفر أو يجعلني مادةً للسخرية والإذلال أمام أصدقائي وبقية ركاب الباص"، تقول آية لرصيف22 معبّرة عن خوف دائم يتحكّم بها. تتصل مخاوفها بصورة مباشرة بأحاديث سمعتها عن حوادث كثيرة مماثلة حصلت عند الحواجز الأمنية، حيث كان يصعب على الراكب مكتوم القيد أن يشرح للعسكري، ولغيره من الحاضرين، معنى القيد المكتوم. تضيف: "مثلاً، كيف يمكن أن يقتنع كثيرون بأن شخصاً وُلد من أب لبناني وأجداد لبنانيين، لا يملك بطاقة هوية وهو محروم من أبسط حقوقه ومن ضمنها الحق في التنقل من دون قلق؟!".

"قلق مستمر"

قانوناً، تشرح الباحثة في جمعية "رواد" المتخصصة في قضايا مكتومي القيد وعديمي الجنسية، سميرة طراد، لرصيف22، أن الفرد الذي لم يُسَجَّل في القيود الخاصة بسجلات الأحوال الشخصية يُصنَّف ضمن خانة "مكتوم القيد" التي تضم الآلاف من عديمي الجنسية ممن لا يملكون بطاقة هوية.

هؤلاء، لا وجود قانونياً لهم أمام القانون والسلطات، وينقسمون إلى مجموعتين أساسيتين: الأولى تشمل مجموعة الأفراد الذين لدى أصولهم قيود في سجلات الأحوال الشخصية، ولكن ولادتهم غير مسجلة في هذه السجلات؛ والثانية تضم مَن ليس لأصولهم أية قيود لدى الدولة، بالرغم من أن كثيرين منهم كانوا موجودين على الأراضي اللبنانية عند نشأة الدولة، ومردّ هذا الأمر إلى أسباب عديدة أبرزها أنهم لم يسجَّلوا في إحصاء عام 1932، وتالياً لم يحصلوا على الجنسية اللبنانية.

بموجب توصيف "مكتوم القيد"، يُحرم الشخص من جميع حقوقه المدنية، كحقه في الانتخاب أو في التقدم إلى عمل ما وغيرها من الحقوق التي يتمتع بها بقية المواطنين في لبنان، ما يعرّض صاحبه لكثير من المشكلات، أبرزها عدم إمكانية تسجيل الزواج وتالياً حرمان أطفاله من تلك الحقوق أيضاً، في ظل عدم قدرة النساء اللبنانيات على نقل الجنسية إلى أبنائهن.

بنبرة حاسمة، تؤكد آية أنها "تعاهدت" هي وأخوها آدم الذي يصغرها بعام، على ألا يتزوجا وينجبا أطفالاً، "كي لا يعيشوا ما عشناه ولا يختبروا ما مررنا به من قلق مستمر على الحواجز ومن خجل أمام رفاقنا ومن عبء شرح وضعنا لكل مَن يتعرّف إلينا"، قبل أن تستطرد: "أساساً سبق لي أن تعرّضت للهجر من قبل شاب لم يستوعب وضعي ولم يفهمه. فمن الطبيعي أن أعرض عن فكرة الارتباط بدوري".

وُلدت آية في عائلة تعاني من ظروف اقتصادية صعبة دفعتها منذ صغرها إلى العمل في أنواع مختلفة من الوظائف، من معلمة دروس خصوصية إلى معلمة صفوف ابتدائية، وصولاً إلى نادلة في مقاهٍ. اليوم، تعمل سكرتيرةً في أحد المعاهد التعليمية، ويعزّ عليها أن فرصاً كثيرةً فاتتها على صعيد التعليم وفي مجال العمل بسبب وضعها.

"كنت أتمنى أن أدرس في مدرسة خاصة قريبة من الحي الذي أسكن فيه كبقية أبناء الجيران، كما كنت أتمنى أن أعمل نادلةً في مقاهٍ فاخرة كي أحصل على راتب أعلى"، تقول، "لكنّ المدارس الخاصة القريبة كانت تتجنب إجراء المعاملات الإضافية التي يتطلبها تسجيل طالب مكتوم القيد، في حين أن المقاهي الكبيرة كانت تعرض عن فكرة توظيفي بمجرد أن يعرف المسؤولون فيها أنني لا أملك بطاقة هوية تعرّف بي".

ظروف آية الخاصة أجبرتها على الالتحاق لمدة ست سنوات بمؤسسة محمد خالد الاجتماعية، وهي مدرسة داخلية تعلّم الأطفال حتى انتهاء المرحلة الابتدائية. تعتقد أن طفولتها كانت لتكون أفضل، على الصعيد النفسي، لو كانت في مدرسة غير داخلية، لكنها في الوقت عينه ممتنة لمديرة المدرسة لأنها تواصلت مع مديرة إحدى المدارس الرسمية وساعدتها هي وأخيها في إتمام المعاملات الرسمية في وزارة التربية والتعليم، ليتمكنا من استكمال دراستهما في مدرسة رينيه معوض الرسمية.

ويعلَّق حق مكتومي القيد في التعليم على صدور تعاميم دورية تتيح لهم الوصول إلى التعليم الرسمي والالتحاق بامتحانات الشهادات الرسمية. والحال أن وزراة التربية والتعليم العالي تعمد سنوياً إلى إصدار تعميم ينظّم تسجيل مكتومي القيد (من أصول لبنانية حسب التعميم)، من ضمن تسجيل التلاميذ في المدارس الرسمية، وهذه التعاميم تضمن أن يعامَلوا لجهة أولوية التسجيل كاللبنانيين، ولا تُطلب منهم معاملات إضافية عدا الحصول على الموافقة على التسجيل للمرة الأولى من وزارة التربية والتعليم العالي، بناءً على "إفادة تعريف اسم" من المختار، وهي مسألة تتولّاها المدرسة في الغالب.

وللترشح للامتحانات الرسمية يُطلب من التلاميذ تقديم إفادة تعريف اسم حديثة، ومستندات أخرى تحددها الوزارة في قرار خاص بالامتحانات، وهذه المعاملات المستندة إلى تعاميم قابلة للتوقف عن الصدور في أي لحظة، والمستندات الإضافية كفيلة بإبراز تفاصيل العقبات التي يواجهها مكتومو القيد بالنسبة إلى حقوقهم الدنيا وحقوقهم كأطفال.

تعقيدات رسمية و"جهل"

كثيرون من أهالي مكتومي القيد يعتمدون على ورقة التعريف التي هي بمثابة "إفادة تعريف اسم" يوقّعها المختار بناءً على نموذج صادر عن وزارة الداخلية والبلديات، وتذكر اسم صاحب العلاقة وهوية أهله وتاريخ ولادته وجنسية والده. بالطبع، هذه الوثيقة لا تغني عن الهوية، وهي بحد ذاتها لا تستند إلى أي قانون، فضلاً عن أنها غالباً ما تكون مبنيةً على المعلومات التي يعطيها أصحاب العلاقة للمختار وعلى معرفته بهم، وليس على مستندات ثبوتية رسمية كما هي حال بطاقة الهوية الصادرة عن جهاز رسمي، وبناءً على السجلات الرسمية المحفوظة لدى الإدارة.

تعاهَدَت آية (18 عاماً) وأخوها آدم الذي يصغرها بعام على ألا يتزوجا وينجبا أطفالاً، "كي لا يعيشوا ما عشناه ولا يختبروا ما مررنا به من قلق مستمر على الحواجز ومن خجل أمام رفاقنا ومن عبء شرح وضعنا لكل مَن يتعرّف إلينا"

تقول آية إنها، دون رفاقها من طلاب العلاقات العامة، تتمتع بمعرفة معمّقة بقانون العمل وقانون الجنسية، كما أنها تعرف مراكز دوائر النفوس وممراتها. اكتسبت الشابة معرفتها من خبرتها المرتبطة بمتابعة وضعها القانوني بنفسها عبر مساعدة قدّمتها لها جمعية "رواد" التي تقدّم خدمات فرديةً متنوعةً، أبرزها التوجيه والإرشاد والمشورة القانونية المرافقة لمسار تقديم الدعاوى المتصلة بإثبات النسب، والتي تؤدي إلى نقل ملفها إلى القضاء ومتابعته أمامه إلى حين إصدار قرار قضائي يؤسس لتسجيلها، هي وإخوتها، تحت خانة أبيهم في سجلات النفوس.

بسبب "الجهل"، على ما تقول آية، تقاعس الأب عن تسجيلها هي وأخيها خلال السنة الأولى بعد ولادتهم. وعندما قرر أن يباشر متأخراً بالمعاملات، اكتشف أن الأمر بات مكلفاً ويحتاج إلى المزيد من الأوراق الثبوتية للأم، عليه أن يستحصل عليها من سوريا، وعندها أهمل الأمر مجدداً. أما الأسوأ، برأي آية، فهو قرار والديها إنجاب طفلين آخرين، والمضي في "نهج" عدم التسجيل. توضح: "سمع أبي من الجيران أنه لا يستطيع تسجيل إخوتي إن لم يكن قد سجّلني أنا وآدم (وهذه معلومة خطأ)، فعرض عن الفكرة وكرر الخطأ علماً أنه كان يستطيع تسجيلهما واستدراك الأمر".

وتنص المادة 11 من قانون الأحوال الشخصية (7/12/1951)، على أن التصريح بحدوث ولادة يجب أن يتم لدى موظف الأحوال الشخصية خلال ثلاثين يوماً تلي الولادة، فيما تنصّ المادة 12 من القانون نفسه على ما يلي: "بعد انقضاء سنة على تاريخ الولادة، لا يمكن قيد المولود إلا بمقتضى قرار قضائي يصدر في غرفة المذاكرة بناءً على طلب النيابة العامة أو صاحب العلاقة".

حالياً، تركز آية على هدفين في حياتها، الأول استكمال المسار القضائي كي تحصل وإخوتها على بطاقة الهوية، والثاني متابعة تحصيلها العلمي لأن "الجهل هو ما جعلنا نعاني"، تقول.

سميرة طراد توافق آية عملياً على خلاصتها. تقول إن الجهل وغياب التعليم والفقر هي عوامل "تُغذّي ظاهرة انعدام الجنسية"، إذ "يتقاعس كثيرون عن تسجيل ولادات أبنائهم بفعل الإهمال وغياب الوعي الكافي وعدم التنبّه إلى أهمية حيازة الأوراق الثبوتية على صعيد العيش والتعليم والعمل".

وبعد وقوع الواقعة، تتعقّد الأمور وتزيد العوائق أمام حلّ المشكلة، وتُضاف مسببات جديدة لها، منها غياب القدرة المادية على إجراء فحوصات الحمض النووي التي يفرضها المسار القضائي لاستدراك الأمر بعد مرور سنة على الولادة من دون تسجيلها.

وبرأي طراد، ما يعزز استمرار ظاهرة انعدام الجنسية في أوساط هذه الرشيحة هو أن قانون الأحوال الشخصية يسمح لهم بالزواج "الشرعي الديني"، ما يجعلهم غير مكترثين بتبعات عدم تسجيل أولادهم، لاعتقاد غير صحيح ينشأ لديهم مفاده أن وثيقة الزواج الشرعي تصلح لأن تكون "بديلاً إدارياً" عن بقية المعاملات الرسمية المدنية، "وهكذا فإن جيلاً منعدم الجنسية ينجب أجيالاً مثله". وما تشير إليها طراد هنا على سبيل التحديد هو الزيجات التي يكتفي طرفاها بعقد زواج أمام رجل دين من دون استكمال الأمر بتسجيل الزواج لدى الأحوال الشخصية.

ولكن "الجهل" لا يلخّص كل المشكلة. فالإهمال الممنهج لملف عديمي الجنسية من قبل صناع القرار يتسبب باستمراره وتفاقمه.

"الدولة اللبنانية تتحمل مسؤوليةً كبيرةً في هذا الملف على أصعدة عدة".

غياب النية الجدية للتعامل مع قضية مكتومي القيد ليس إلا دليلاً على أن الدولة اللبنانية ترعى توريث التهميش في صفوف الآلاف من المقيمين على أراضيها، بحسب المحامية يمنى مخلوف.

تقول مخلوف لرصيف22 "إن الدولة اللبنانية تتحمل مسؤوليةً كبيرةً في هذا الملف على أصعدة عدة، أبرزها الشق المرتبط بالتقاعس عن تعديل القوانين التي ترعى عملية تسجيل الولادات على أراضيها".

وتعتبر أن هناك رابطاً وثيقاً بين آلية تسجيل الولادات المعتمدة في لبنان، والملقاة على عاتق الأهالي، وبين خطر انعدام الجنسية. برأيها، على صناع القرار التفريق بين منح الجنسية وتسجيل الولادات، "لأن ربط تسجيل الولادات بالجنسية هو مبدأ خطأ"، مُشيرةً إلى "أن إجراءات تسجيل الولادات في لبنان معقدة لأنها تحمّل الأهالي مسؤولية إبراز وثيقة الولادة الممنوحة من المؤسسات الطبية مع ما يرافق ذلك من كلفة تفرضها إدارات بعض المستشفيات، ومن ثم تسجيلها لدى المختار في حين أنه يجب أن تكون من مسؤولية المؤسسات الطبية التي يجب أن تضم مأموراً للنفوس".

كما تلفت مخلوف إلى ضرورة تعديل بعض البنود التي يفرضها القانون، والتي تحمّل الأهالي المسؤولية، "كإجبارهم على اتّخاذ مسار قضائي معقد يفرض فحوصات الحمض النووي المكلفة وغيرها من الإجراءات".

"أنا غير معترف بي وغير مرئي من أحد. حتى أنني إنْ متّ غداً، لا أحصل على شهادة وفاة. نحن حرفياً غير مرئيين! فلماذا أتزوج؟ هل لأعطي أولادي أملاً كاذباً بأننا سنسترد حقنا في الاعتراف بنا من قبل الدولة كما تأمّل أبي؟"

إلى ذلك، تُشير إلى "أن الدولة تتحمل مسؤولية عدم معالجة ملف الفئة التي تضم أشخاصاً مُصنَّفين قيد الدرس، ممّن يتواجدون على الأراضي اللبنانية وغير حائزين على أي جنسية".

ووفق مخلوف، نشأت هذه الفئة من المقيمين في لبنان، "إثر صدور القانون المرتبط بالدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه بتاريخ 10/7/1962، إذ تم فتح سجلات خاصة لدى الأمن العام بفئة مَن يُعرفون بـ‘قيد الدرس’ ومُنحوا بطاقات تفيد بأن حامليها من جنسية غير معيّنة، على أن انتهاء وضع قيد الدرس يتم عند اكتساب الشخص المعني جنسيةً أو عند الوفاة".

وقبل هذا التاريخ، حسب مخلوف، "كان هناك ما يُعرف بالجنسيات غير المعيّنة ويحملها أشخاص لا يملكون جنسيةً معروفةً، وغالبيتهم من اللاجئين الذين أتوا إلى لبنان في مراحل مختلفة، وكانوا يدّعون أنهم من جنسية غير معيّنة ليستفيدوا من المطالبة بالجنسية اللبنانية لأولادهم على أساس أنهم من تابعية مجهولة أو غير معيّنة".

من هنا، ترى مخلوف أن المسؤولية الأساسية تكمن في أن ملفات الأشخاص الذين ينتمون إلى تلك الفئة لا تزال عالقةً منذ أكثر من أربعة عقود، "ما يساهم في خلق أجيال جديدة عديمة الجنسية".

"أنا غير مرئي"

عبد الرحمن هو من ضمن الأشخاص الذين مُنح أهاليهم في ستينيات القرن الماضي بطاقات قيد الدرس ضمن مساعٍ لتسوية أوضاعهم. قبل أشهر قليلة، أتمّ عامه الخمسين. الرقم تقديري طبعاً، لأن الرجل المُصنّف "قيد الدرس" والذي آثر أن يبقى وحيداً من دون زوجة ولا أولاد، لا يعرف تاريخ ولادته بالتحديد.

يقول عبد الرحمن لرصيف22: "في حالتنا نحن، لا يعود العمر مهماً بالنسبة إلينا. كيف يمكن أن يكون كذلك وأنا غير معترف بي وغير مرئي من أحد؟"، يقول ساخراً قبل أن يُضيف: "حتى أنني إنْ متّ غداً، لا أحصل على شهادة وفاة"، ويتابع: "نحن حرفياً غير مرئيين! فلماذا أتزوج؟ هل لأعطي أولادي أملاً كاذباً بأننا سنسترد حقنا في الاعتراف بنا من قبل الدولة كما تأمّل أبي؟".

يعزّ على عبد الرحمن أنه غير قادر على "إقناع" الدولة بلبنانيته، فهو من قرية صلحا التي تُعَدّ واحدةً من القرى السبع اللبنانية التي سُلِخت عن لبنان الكبير عام 1926، وهي: هونين، وقَدَس، والنبي يوشع، وإبل القمح، وتربيخا، وصلحا والمالكية. يُخبر أن لجدوده قيوداً في سجلات منطقة صور، "الأمر الذي يُعدّ شرطاً كافياً كما قيل لي لمنحي الجنسية اللبنانية، لكن يبدو أن للدولة حساباتٍ أخرى".

يستبعد عبد الرحمن اللجوء إلى القضاء. يقول: "أنا رجل أمّي، ورزقتي محدودة وأعرف تكاليف توكيل محامٍ ومتابعة القضية، فضلاً عن أنني شاهدت كيف استُثنيَ الآلاف من اللبنانيين المتحدرين من القرى السبع من مرسوم التجنيس عام 1994، فيما حاز الآلاف على الجنسية"، ويُضيف: "كل العوامل تدفع بي إلى اليأس وعدم التمسك بأي أمل كاذب".

"هل يمكن تخيّل شعور شخص وُلد في لبنان ويعرف أصله ويعرف حقوقه، لكنه لا يستطيع الحصول على الجنسية أو الهوية اللبناينة؟"، يسأل قبل أن يستطرد: "صدقاً، هذا الشعور على قساوته يبقى خيراً من شعور مَن حاز على الجنسية بموجب مرسوم وبعدها سُحبت منه إثر الطعن فيه". ويردف: "شخصياً لا أتحمل ثقل هكذا خيبة".

هل يعني أنك تتجنب سلوك المسار القضائي خوفاً من التمسك بالأمل؟ "ربما"، يجيب مبتسماً ابتسامةً خفيفةً.

يعمل الرجل الخمسيني في إحدى بسطات بيع الأحذية في سوق بعلبك، حيث يقطن. يقول ممازحاً إنه "لن يعمل كطبيب أو كمهندس طالما أنه لم يُكمل تعليمه". لا يُخفي خوفه من الوحدة، ويقول إنه يُفكّر ملياً في الزواج والاستقرار، إلا أن عدم حيازته بطاقة الهوية يمنعه من الإقدام على هذه الخطوة.

يقول رئيس جمعية هونين الخيرية أحمد بربيش لرصيف22 إن أهالي القرى السبع لبنانيون ولا يمكن تصنيفهم على أنهم مكتومو قيد، وإن معظمهم تقدموا بشكاوى بين عامي 1960 و1970 ضد الدولة اللبنانية، واستعادوا جنسيتهم. ويلفت بربيش إلى أن "البعض منهم شملهم مرسوم التجنيس عام 1994 الذي تم تجميده بعد الطعن المقدم من قبل النائب السابق نعمة الله أبي نصر، ومن ثم سُحبت الجنسيات من جميع من شملهم المرسوم، علماً أن المرسوم كان ظالماً بحق أهالي القرى السبع، ذلك أنه لم يشملهم جميعهم".

بدوره، أوضح المستشار القانوني لجميعة "رواد" المحامي عبده يونس لرصيف22 أن غالبية سكان القرى السبع لديهم قيود في منطقة صور، لافتاً إلى أن "وجود أي مستند يثبت امتلاك الفرد قيوداً في تلك السجلات كفيل بمنح الفرد تلقائياً الجنسية اللبنانية بعد سلوك المسار القضائي الصحيح".

ويُضيف يونس أن "كثيرين من المقيمين في لبنان يدّعون أنهم من القرى السبع كي يحصلوا على الجنسية، بما أن قانون الجنسية اللبنانية (قرار رقم 15 الصادر في 19 كانون الثاني/ يناير 1925)، ينص على منح الجنسية لكل مَن يولد على الأراضي اللبنانية".

وتُعرّف المادة الأولى من القانون المذكور اللبناني بأنه "كل شخص مولود من أب لبناني، وكل شخص مولود في أراضي لبنان الكبير ولم يثبت أنه اكتسب بالبنوة عند الولادة تابعيةً أجنبيةً، وكل شخص يولد في أراضي لبنان الكبير من والدين مجهولين أو والدين مجهولَي التابعية".

"أعيش الحسرة كل يوم"

قبل ست سنوات، قرّر بلال الزير، المكتوم القيد منذ الولادة، الهجرة بطريقة غير شرعية. ترك زوجته اللبنانية ناريمان شيللو، وهرب عبر البحر إلى قبرص أولاً ومن ثم إلى ألمانيا. تقول ناريمان لرصيف22 إنه راسلها فور وصوله إلى وجهته، "وكانت رسالته الأولى والأخيرة"، مشيرةً إلى أن "زوجي الهارب من واقعه، هجرني ولم يسأل عني منذ ذلك الوقت".

كان الزوج، قبل رحيله، يقضي معظم وقته في السجن بسبب استخدام السلاح في إشكالات ينخرط فيها باستمرار. لم يتخلَّ عن زوجته فحسب بل عن أولادهما الأربعة أيضاً: نور (17 عاماً)، وكريستين (15 عاماً)، وفادي (عشرة أعوام)، ونارين (ستة أعوام).

تجزم ناريمان بأنها لو كانت تعرف معنى القيد المكتوم ما كانت لتُقدم على الزواج به، وتتابع: "اليوم أدرك جيداً حقيقة الأمر. أن تكون مكتوم القيد، يعني ألا يكون لك وجود وألا تكون معترفاً بك".

"أنا أعيش الحسرة كل يوم بسبب خوفي الذي يتعاظم على مستقبل أولادي"، تقول وتُضيف: "أخشى أن يعيش ابني فادي مثلاً حياة أبيه الذي كان ناقماً على وضعه والذي كان يتورط في مشاكل مع أبناء الحي وغيرهم، وكان يتعرض للتوقيف أكثر من غيره بسبب عدم امتلاكه بطاقة هوية".

حالياً، لا يملك الأولاد الأربعة إلّا وثيقة ولادتهم التي منحهم إياها المُستشفى، "لكن تلك البطاقات لم تساعدني إلا مع الجمعيات التي تطوّعَت لمساعدتي لتعليم الأطفال في مؤسسات أهلية".

لم تُكمل نور وكريستين تعليمهما وتوقفتا عند مستوى الصف السادس، وتساعدان أمهما في أعمال المنزل، فيما لا يزال فادي ونارين يتابعان دروسهما بمساعدة جمعية "تحدّي"، في أحد المراكز القريبة من حي صبرا حيث تقطن الأسرة.

باستثناء استخدامها للتسجيل في المدرسة، لا يمكن التعويل، وفق ناريمان، على بطاقات وثيقة الولادة. "لا شيء يعوّض عن بطاقة الهوية التي تُطلب منّا عند أبسط معاملة رسمية"، تقول.

تشرح طراد أن أبرز أسباب القيد المكتوم في لبنان هي عدم شمول الكثير من العائلات التي كانت مقيمةً في لبنان في سجلات الإحصائَين اللذين أُجريا في تاريخ لبنان. تشرح أن ظاهرة انعدام الجنسية لها علاقة بنشأة الدولة اللبنانية. ففي عهد لبنان الكبير أُجري إحصاءان، الأول عام 1921 والثاني عام 1932. حينها، لم تشمل سجلات الإحصائَين كل العائلات، فبات كل من لم يسجَّل فيهما مكتوم القيد، "وبسبب عدم معالجة الموضوع أصبح الأمر متوارثاً من جيل إلى جيل".

وإلى هذا العامل الأساسي وعدم لجوء الأهالي اللبنانيين إلى تسجيل الولادات، فضلاً عن العوامل المرتبطة بسلخ القرى السبع، ثمة عوامل مرتبطة بالتدفق الدوري للكثير من اللاجئين والعمال الأجانب إلى لبنان. هؤلاء، وفق طراد، "يتزوجون في ما بينهم ويمتنعون عن تسجيل ولاداتهم".

وترى طراد أن التجاهل المتعمد لمعالجة الموضوع "مرتبط بأسباب سياسية وهواجس طائفية"، وهو ما يؤكد عليه يونس أيضاً. "في الحقيقة تم تجميد مرسوم التجنيس عام 1994، لأن عدد المسلمين فاق عدد المسيحيين بنحو مئة ألف"، على ما قال بربيش لافتاً إلى أن العائق الأساسي الذي يحول دون حسم هذا الملف مرتبط بهذه الهواجس.

اللافت أن هذه الحجج كانت العائق الأبرز الذي حال دون إجراء إحصاء رسمي لأعداد مكتومي القيد التي تُقدَّر بنحو 80 ألفاً، علماً أن دراسةً تقديريةً لمكتومي القيد من أصول لبنانية أعدّتها جمعية "رواد"، تُشير إلى أن أعداد هؤلاء تُقدَّر بما بين 50 و60 ألفاً.

إمعان الدولة في "رعاية" التهميش والإبقاء عليه يتجليان في تشريعاتها أيضاً. مثلاً، استثنى قانون الإيجارات الجديد مكتومي القيد من الحق في الاستفادة من صندوق المساعدات المخصص للفئات الأكثر هشاشةً، فيما بقي قانون العمل عقوداً طويلةً يعاملهم معاملة الأجانب لجهة منعهم من مزاولة الأعمال المخصصة للّبنانيين.

سجلات مجمَّدة

من المنضمّين حديثاً نسبياً إلى عديمي الجنسية المسجلون في عشرة سجلات تم تجميدها عام 2000 حينما امتنعت مديرية الأحوال الشخصية عن إصدار إخراجات قيد جديدة لأصحاب هذه السجلات، كما امتنعت عن إتمام أي معاملة رسمية تتعلق بإصدار شهادات وفاة أو ولادة أو غيرها لهم.

وتجميد السجل يعني في الدرجة الأولى وضع إشارة عليه بهدف نقل صاحبه إلى خانة قيد الدرس، وتمتنع الدوائر الرسمية عن منح أصاحب هذه السجلات أي وثائق مرتبطة بالجنسية اللبنانية.

"أي شخص ليس لديه وجود قانوني، فهو غير موجود".

سامر (36 عاماً)، هو واحد من هؤلاء المتضررين، ممن كانوا يملكون بطاقة الهوية اللبنانية قبل أن يُجمَّد سجلّه. هذا التجميد تم "بحجة أن الأحكام القضائية التي حاز أهلي بموجبها على الجنسية اللبنانية لم تُسجَّل في هيئة القضايا"، يقول لرصيف22، مشيراً إلى أن الدافع خلف تلك الخطوة حينها كان انتخابياً بحتاً، "إذ إن مصلحة رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، اقتضت أن يتم تجميد تلك السجلات المحسوبة على الطائفة الشيعية ليضمن فوزه في الانتخابات في صيدا".

ولكن هذه الرواية ينفيها المستشار القانوني لجمعية "رواد" المحامي عبده يونس، المتابع للقضية. يلفت إلى أن خلفيات التجميد آنذاك تمت "بسبب الشكوك التي أحاطت بأصل الأهالي الذين حازوا الجنسية وبأحقيتهم، فضلاً عن شكوك جدية وردت إلى الدوائر الرسمية تتعلق بآلية حصولهم عليها"، مشيراً إلى أن "المئات من المقيمين في لبنان ممن كانوا حائزين على الجنسية، تضرروا من هذا الفعل وباتوا بحكم مكتومي القيد".

رغم ذلك، يرى سامر نفسه محظوظاً. كان قد تمكّن من استصدار بطاقة هوية، وكانت لديه إخراجات قيد قديمة استخدمها لإكمال دراسته في اختصاص الفيزياء في الجامعة اللبنانية. "استفدت من الأمر عبر إبراز بطاقة الهوية وتصوير إخراجات قيد بتاريخ قديم، فالجامعة لم تكن تدقق طالما أنني أملك بطاقة الهوية"، يروي.

يؤلم سامر أن أخويه اللذين يصغرانه بعشرة أعوام، لم يحالفهما الحظ ولم يتمكنا من استصدار بطاقة هوية، "حتى أن أخي الصغير لم يتمكن من التقدم للامتحانات الرسمية بسبب عدم تمكنه من الحصول على إخراج قيد جديد، ولم نكن حينها قد حصلنا على بطاقات قيد الدرس لنتمم بها المعاملات اللازمة".

"مررنا بفترة كنا تائهين فيها، فلا نحن مكتومو قيد ولا نحن معترف بنا، وكان ممنوعاً علينا إتمام أي معاملة مرتبطة بالجنسية"، يشرح. وعلى الرغم من أنه أكثر أبناء العائلة حظاً من حيث تمكّنه من "استغلال" بطاقة الهوية القديمة على صعيد الدراسة، ومن ثم العمل، إلّا أن سامر الذي يعمل أستاذاً لمادة الفيزياء في الجامعة اللبنانية الدولية، يرى أن معاناته لا تختلف كثيراً عن معاناة مكتومي القيد. "تم رفضي من قبل أهل حبيبتي بسبب قلقهم على مستقبل الأبناء، فوجدتني فجأةً مُقيّداً ولا أملك حرية اختيار الشريكة التي أحبها".

ويُضيف: "صحيح أن امتلاكي بطاقة هوية يحميني من التوقيف العشوائي على الحواجز وغيره، إلا أنني أعيش في الحياة الواقعية حياة مكتومي القيد، فأنا أعامَل معاملةً خاصةً في محيطي في العمل والحياة الاجتماعية، فلا أستطيع السفر مثلاً بهدف الإجازة أو تطوير مهاراتي وقدراتي، فضلاً عن نظرة التعاطف المؤذية التي أُرشَق بها عندما نتكلّم عن الزواج والمُستقبل والخيارات المفتوحة أمام كل واحد منّا".

يُخبر سامر أنه سمع مرةً زميلةً له في الجامعة تقول لصديقة مشتركة بينهما إنها لا تستطيع أن تفكر فيه كشريك محتمل وإنها لا تستطيع تحمّل موقف تعرّضه لتوقيف على الحواجز، فيُحرَج أمامها أو أن تبقى مقيّدةً معه في خياراته في العمل في لبنان، وغيرها من الأمور. يقول إن هذا الأمر "كان أقسى ما سمعته في حياتي"، مُستطرداً: "أعتقد أن رغبتي في الهجرة والسعي إلى اكتساب جنسية أخرى تعاظمت منذ ذلك الموقف".

حالياً، تنشط حملات عالمية لتطالب الدول بالحدّ من ظاهرة انعدام الجنسية، وتوصي بإجراء مسح عام للأشخاص لاتّخاذ الإجراءات المناسبة للتحقق من أوضاعهم، وذلك "لأن أي شخص ليس لديه وجود قانوني، فهو غير موجود"، على حد تعبير طراد.

لكن المشهد يبدو مغايراً في لبنان، حيث تتعزز يومياً العوامل التي تساهم في تفاقم هذه الظاهرة، وأكبر دليل على غياب الجدية في التعامل مع الملف هو "نوم" مشروع قانون يتعلق بعديمي الجنسية في أدراج اللجان النيابية منذ سنوات طويلة.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard