الجمعيات البيئية في لبنان... "ظهرت لتسدّ الفراغ"

الخميس 21 يوليو 202203:31 م

مع بداية موسم الصيف، تنشط الحرائق في الغابات والأحراج اللبنانية كما في كل عام، وتأتي على مساحات واسعة من البساط الأخضر. وفي ظل افتقار الأحراج إلى حرّاس للمراقبة والتبليغ عن وجود الحرائق، برز دور الجمعيات التي لعبت هذا الدور وأصبحت العين الساهرة والحريصة، للحفاظ على الأحراج والمساحات التي تتميز بالتنوع البيولوجي وإعادة ما تم تدميره بفعل البشر.

تأسست الجمعيات البيئية في لبنان من قبل الناشطين والمهتمين بالبيئة والحفاظ على الطبيعة ومكوناتها واستعادة الحياة البرية، وبحسب مصدر خاص في وزارة البيئة، يبلغ عدد الجمعيات المسجلة أكثر من 800 جمعية، بالإضافة إلى جمعيات لم تُسجَّل بعد.

وتلفت الناشطة في مجال البيئة وحقوق الحيوان، غنى نحفاوي، في حديثها إلى رصيف22، إلى أن تقاعس الدولة وأجهزتها، وعلى وجه التحديد البلديات، في الرقابة والحفاظ على البيئة، أدى إلى ظهور الجمعيات لسد هذا الفراغ، ولعب دور العين الساهرة على الحياة البرية والطبيعة، لكن في الكثير من الأحيان لا تستطيع الجمعيات تغطية مساحات كبيرة من المناطق لأن ذلك يحتاج إلى أعداد كبيرة من المتطوعين.

يبلغ عدد الجمعيات البيئية المسجلة في لبنان أكثر من 800 جمعية، بالإضافة إلى جمعيات لم تُسجَّل بعد.

إعادة تشجير وتحريج

تأسست جمعية "التحريج في لبنان" عام 2014، وتعمل على إستراتيجيّة "الممر الحيوي"، عبر وصل غابات لبنان ببعضها، بدءاً من محمية حرش إهدن شمالاً مروراً بمنطقة عكّار إلى محمية أرز الشوف، وفي البقاع تعمل على وصلة للممر في منطقة عيناتا اليمونة ومقنة، ووصلة أخرى في البقاع الغربي وراشيا.

مديرة الجمعية مايا نعمة، لفتت في حديث إلى رصيف22، إلى أن التحريج ينشط في المناطق الجبلية التي كانت تكسوها الأشجار وتعرّضت للاعتداءات عبر القطع والتخريب وإشعال النيران، أو نتيجة انتشار الأمراض التي تصيب الأشجار، وبحسب الدراسات فإن الأحراج الكثيفة باتت تشكل 13% من مساحة لبنان، والمتفرقة 12% منها. وتُعدّ الحرائق التي ازدادت مؤخراً، أكبر تهديد للأحراج، خصوصاً مع أزمة التدفئة وارتفاع سعر المحروقات، مما يدفع بتجار الحطب إلى قطع الأشجار من دون حسيب أو رقيب.

"نتابع المناطق التي تعرضت للحرائق ونراقب الأحراج المتضررة لمدة ثلاث سنوات، لنرى إن كانت هناك ضرورة للتدخل لإعادة التحريج، لأن الغابات تجدد نفسها بنفسها، إلا في حالات التضرر الكبير الذي يستلزم التدخل"، تقول نعمة، وتضيف أن الجمعيات البيئية بشكل عام لديها مجموعة نشاطات ومهام أبرزها حملات التوعية للمجتمع المحلي، وحملات التشجير بمشاركة التلامذة والجمعيات الكشفية.

من أنشطة جمعية "التحريج في لبنان" - المصدر: مواقع التواصل

وتشير إلى أن أبرز المعضلات ضمن هذا السياق، تتمثل في نقص معدات الدفاع المدني المخصصة للإطفاء، وانتشار الحشرات والأمراض الفتاكة التي تأتي على الأشجار وتخفّض من نسبة ثمارها، والنفايات الصلبة التي تغزو الأحراج لعدم قدرة البلديات على معالجتها، وترك النيران والنفايات في أماكن التخييم. وتؤكد: "مجرد أن يحترق حرش، تدخل الأيادي العابثة لتقطع الأشجار للحطب، وبعدها يدخل الرعاة ليقضوا على ما تبقى من الحرش، وهذا خطأ كبير لأنهم يحرمون الأشجار من تجديد نفسها".

تقاعس الدولة وأجهزتها، وعلى وجه التحديد البلديات، في الرقابة والحفاظ على البيئة، أدى إلى ظهور الجمعيات لسد هذا الفراغ، ولعب دور العين الساهرة على الحياة البرية والطبيعة، لكن لا تستطيع الجمعيات تغطية مساحات كبيرة لأن ذلك يحتاج إلى أعداد كبيرة من المتطوعين

استعادة الحياة البرية

بدورها، تشير ريم غريّب، وهي مديرة العلاقات العامة في جمعية "الجنوبيّون الخضر" التي تأسست عام 2014، إلى هدف الجمعية في حفظ الحياة البرية واستعادتها، مع التأكيد على الدور الإيجابي للإنسان في الحفاظ عليها والتعامل مع عناصرها بطريقة متوازنة ورشيدة.

وتعمل "الجنوبيون الخضر"، على تقديم مقترحات لإنشاء محميات طبيعية، خاصةً في الجنوب، وفي هذا الإطار قدّمت ثلاثة مقترحات مقرونة بدراسات علمية دقيقة أمام وزارة البيئة لمحميات طبيعية جديدة، كوادي زبقين وشاطئ عدلون وشاطئ البقبوق، وجرى إعلان الأخير محميةً شاطئيةً جديدةً، هي الثالثة في لبنان.

من جهة أخرى، تعمل الجمعية على رعاية وإعادة تأهيل الحيوانات البرية المصابة التي يتم التبليغ عنها على صفحاتها على مواقع التواصل، من خلال طاقم طبي متخصّص في الكشف على الحالة وإعادة تأهيل الحيوان وإطلاقه إلى البرية، وآخر هذه الحيوانات هو الثعلب الأحمر "أنطار" الذي أطلقته الجمعية في حزيران/ يونيو الماضي في وادي زبقين.

كذلك تسعى الجمعية إلى حفظ المساحات الخضراء والشواطئ ومجاري الأنهار وضفافها والبحيرات والأراضي الرطبة، التي تشكل نظماً بيئيةً متمايزةً، وموائل الحيوانات والطيور وأصناف النباتات، وتركز جهودها على إيلاء الأنواع المهددة بالانقراض الحماية والرعاية، مثل السلاحف البحرية التي بات يُحتفل بيوم وطني لها في الخامس من أيار/ مايو من كل عام، بعد جهود الجمعية التي أسست لمقترح تبنّاه وزير البيئة عام 2015، وفقمة الراهب المتوسطية، والدلافين، وأصناف القرش، والذئاب والضباع المخططة وبنات آوى والثعالب الحمراء وغيرها.

من أنشطة جمعية  "الجنوبيون الخضر" - المصدر: مواقع التواصل

كما أسس "الجنوبيون الخضر"، سلسلة نوادٍ عام 2018، في 18 صرحاً تعليميّاً وأكاديميّاً، تتابعهم بكافة نشاطاتهم وتشركهم في كافة نشاطاتها، وفق ما تؤكّد غريّب.

وتشير نحفاوي التي تتعاون مع "الجنوبيون الخضر"، إلى أن الجمعية "تتجاوب سريعاً مع كل طلب استغاثة يتعلق بالحياة البرية، عدا عن الدور التوعوي الذي تمارسه في خلق وعي بالحياة البرية وأنواع الحيوانات التي غالباً يجهلها الناس وحتى الجهات الرسمية، ويتصرفون معها بعدائيّة".

الجمعيات والمجتمع المحلّي

يُعدّ المجتمع المحلّي الركيزة الأساسيّة لعمل الجمعيات، فالتعاون بين الجهتين يشكل عماد نجاح المشروع.

يُعدّ المجتمع المحلّي الركيزة الأساسيّة لعمل الجمعيات البيئية.

وفي هذا السياق، تقول نعمة: "معظم عملنا بالتعاون مع البلديات والمجتمع المحلي، ونبحث معهم خطط إعادة التشجير وكيف ستتّم بطرق عملية وصحيحة، والأهم من ذلك نتأكد من أن المجتمع المحلي سيتابع الغرسات التي يستلمها من الجمعيات ويزرعها ويرعاها ويحميها من أي اعتداءات أو حرائق".

وتشير المتحدثة إلى أن الجهات المموّلة تدعم مشاريع التشجير بعد إبرام اتفاقيّات التعاون مع البلديّات، وتالياً تؤمّن الجمعية التمويل بالإضافة إلى المعدات اللازمة: "نؤمّن الغرسات من المشاتل التي درّبنا عشرةً منها على طرق إنتاج الشتول بطريقة حديثة، فباتت تنتج 40 صنفاً من الأشجار المحليّة، وهي موزّعة على الأراضي اللبنانية".

وتضيف: "لمسنا تطور الوعي عند المواطنين من خلال تواصلنا مع المجتمعات المحلية وإقامة حملات التوعية عن أهمية استعادة الغابات وكيفية التشجير وتقنياته".

من أنشطة جمعية "التحريج في لبنان" - المصدر: مواقع التواصل

وتؤكّد غريّب أن "الجنوبيون الخضر" نجحوا في تعميم مفاهيم بيئية جديدة ساهمت في إنشاء وعي بيئي ساعد على التخلص من معتقدات قديمة، فربطوا المجتمع المحلّي بقاعدة بيئية، جعلت منهم شركاء في النضال البيئي، من خلال التواصل اليومي مع الجمعيّة والتبليغات التي تصبّ في حماية الحياة البريّة.

وزارة الزراعة والجمعيات

يشير وزير الزراعة عباس الحاج حسن، في حديث إلى رصيف22، إلى أن التحريج والأغراس من اختصاص وزارة الزراعة، وكل عام كانت الوزارة تؤمّن ما بين 500 و600 ألف غرسة من المشاتل التابعة لها وتوزّعها على الجمعيات، و"هذا العام للأسف لم تستطع الوزارة أن تؤمن أكثر من 200 ألف غرسة حرجيّة و100 ألف غرسة مثمرة، بسبب انهيار الليرة وارتفاع ثمن المازوت".

ويضيف: "لدينا خطة إستراتيجية تتناغم مع وزارة البيئة، ومع الجمعيات والجهات المانحة. عمليات التحريج تدل اليوم على أننا جادون في التعاطي مع هذا الملف الحيوي لإعادة الغابات إلى طبيعتنا، خصوصاً في ظل الاحتباس الحراري".

تتعدد المعوقات التي تواجه عمل الجمعيات، وأولها تأخر الجهات الرسمية في الاستجابة لندائها في العديد من القضايا الحساسة، وغياب الإعلام عن القضايا البيئية، وضعف التمويل لهذه القضايا، وغياب المحاسبة عن المخلّين بالبيئة مما يؤدي إلى ضياع جهود الجمعيات

ويلفت الحاج حسن، إلى أنه سيتم تأمين مليون غرسة بعد شهور عدة، وآلية التوزيع ستكون للجمعيات الفاعلة والعاملة، لأن هناك أكثر من 3،000 جمعية في لبنان، وعدد كبير منها غير فاعل على أرض الواقع.

ويتساءل الحاج حسن، عن سبب تعاطي الجهات المانحة فقط مع المجتمع المدني من دون الجهات الرسمية، ويرى أنه سبب سياسي من دون شك: "اليوم لا توجد حجّة لعدم التعاطي مع الجهات الرسمية، خصوصاً مع هذه الحكومة التي تلقى ترحيباً دوليّاً، ونحن رفعنا الصوت في هذا الإطار".

عوائق وتحديات

تتعدد المعوقات التي تواجه عمل الجمعيات، وأولها تأخر الجهات الرسمية في الاستجابة لندائها في العديد من القضايا الحساسة، وغياب الإعلام عن القضايا البيئية، وفي هذا الإطار تؤكّد غريّب على دور الإعلام في إيصال هذه القضايا إلى الرأي العام والضغط على الجهات المسؤولة للقيام بواجباتها.

أما ضعف التمويل للقضايا البيئية، فُيعدّ العقبة الأكبر، وفق ما تشير نعمة، وتضيف أن غياب المحاسبة عن المخلّين بالبيئة يؤدي إلى ضياع جهود الجمعيات.

من أنشطة جمعية "الجنوبيون الخضر" - المصدر: مواقع التواصل

وتشير نحفاوي، إلى معضلة أخرى، تتمثل في وجود جمعيات بيئيّة تأسست فقط لاستجرار الأموال والمعدات لمنفعة أصحابها، وتعمل على جلب الدعم المادي من الدول المانحة كالاتحاد الأوروبي، من دون أن يكون لهم أي عمل على أرض الواقع، أو تكتفي بتنفيذ نشاطات بسيطة لمجرد إظهار فاعليتهم أمام الجهات المانحة.

من دون شك تلعب الجمعيّات البيئية في لبنان دوراً كبيراً في إعادة الانتظام إلى الطبيعة بكافة مكوناتها، وخلق رأي عام يعي ما له وما عليه منها.

ولا بد من معالجة العقبات التي تواجهها، بدءاً من إنشاء شرطة بيئية متخصصة، مهمتها مراقبة الطبيعة وإلقاء القبض على المخلّين بها، وقضاء بيئي مستقل للنظر في الدعاوى البيئية، وتفعيل دور الإعلام في عرض القضايا البيئية، وتعزيز دور وزارتَي البيئة والزراعة عبر تطوير ميزانيتهما لدعم المشاريع البيئية، وعندها تتكامل هذه الحلقة، ونكون أمام مجتمع يقدّس الطبيعة بكل مكوناتها، ويحافظ عليها لتحافظ على بقائه ووجوده.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard