"خسرتُ مئة رأس من الأغنام هذا العام"... الثروة الحيوانية في العراق مهددة بسبب الجفاف

الأربعاء 29 يونيو 202212:48 م

اختزلت مشاهد موت غزلان الريم المعرّضة للانقراض، في محمية ساوة الواقعة في محافظة المثنى جنوب العراق، المأساة التي تعيشها الثروة الحيوانية في البلاد، حيث تشتد التحديات الناجمة عن التغيرات البيئية والمناخية، بدءاً من جفاف الأنهار والبحيرات، وصولاً إلى ارتفاع درجات الحرارة المصاحب لاتّساع الرقعة الصحراوية عبر مناطق وسط البلاد وجنوبها، والتي تُعدّ معاقل الثروة الحيوانية.

وتنبع أهمية القطاع الحيواني من دوره البارز في تنمية اقتصاديات المجتمع، ويتشعب هذا القطاع إلى محطات عدة، مثل مزارع وحظائر تربية المواشي والدواجن والألبان واللحوم والتعليب أيضاً، بالإضافة إلى بعض صناعات النسيج والجلود المحلية. ويعمل في هذا القطاع الكثير من المواطنين، ومن ثم فإنه يشكل مصدر رزق أساسياً لنحو نصف عدد سكان الأرياف البالغ 12 مليون نسمة، سواء من العاملين في تربية الحيوانات بشكل مباشر، أو العاملين في القطاعات المساهمة ذوات الصلة، مثل إنتاج الأعلاف ومستلزمات ترببة الحيوانات والعناية بها.

ومن أجل الوقوف على حقيقة الأزمة وجوانبها، استطلع رصيف22، آراء عدد من العاملين في هذا القطاع للاطّلاع على أبرز ظواهر الأزمة وآثارها وكيف يمكن التعامل معها.

مشكلات في توفير الأعلاف

ارتباط الأزمة الحالية التي يعيشها قطاع الثروة الحيوانية بالجفاف يبدأ من صعوبة توفير الأعلاف الحيوانية، وفي هذا الصدد يقول عباس السعيدي، وهو أحد مالكي حقول العلف الحيواني في محافظة ديالى وسط العراق، إن الجفاف الحاصل في المحافظة ألقى بثقله على عمله، خاصةً أن العلف الحيواني مرتبط بزراعة القمح والشعير، اللذين يستهلكان كميات كبيرةً من الماء، وهو ما دفعه لحفر آبار المياه الجوفية من أجل توفير المياه اللازمة لزراعة هذين المحصولين.

ويبيّن السعيدي، لرصيف22، أن عملية حفر الآبار تتم بعيداً عن أنظار الجهات المختصة، بسبب منعها استخراج المياه الجوفية ضمن المساحات الزراعية، ولكنه يؤكد أن اتجاهه إلى هذا السلوك هو نتيجة عدم حل الحكومة لأزمة انقطاع الإطلاقات المائية الواردة من إيران.

اختزلت مشاهد موت غزلان الريم المعرّضة للانقراض، في محمية ساوة جنوب العراق، المأساة التي تعيشها الثروة الحيوانية في البلاد، حيث تشتد التحديات الناجمة عن التغيرات البيئية والمناخية، بدءاً من جفاف الأنهار والبحيرات، وصولاً إلى ارتفاع درجات الحرارة

"تراجع إنتاج العلف الحيواني، يعني اضطرار الدولة إلى استيراده من دول الجوار، للحفاظ على حجم الثروة الحيوانية، ولكن في ظل الوضع الحالي فإن هذا الاستيراد لن يبعد شبح التراجع عن الواجهة"، بحسب خالد العرداوي، وهو أحد مربي الماشية، والذي يؤكد أنه ومنذ بداية العام الحالي اتجه إلى شراء العلف المستورد نتيجة تراجع نسبة العلف المحلي في الأسواق، ولكن حالة السوق المتردية وارتفاع أسعار الأعلاف، أديا إلى خسارته أكثر من 100 رأس من الأغنام خلال هذا العام.

ويوضح أنه وبسبب ذلك يتجه إلى بيع جلود هذه الأغنام في الأسواق بأسعار ضئيلة لتفادي الخسارة الناتجة عن المنافسة القوية، إذ يذهب الكثير من مربي المواشي إلى استباق الأزمة وذبح مواشيهم خوفاً من موتها بسبب العطش أو الجوع.

من آثار الجفاف في العراق - تصوير حكمت العياشي

تراجع كبير

هذا الواقع المأسوي يؤكده لرصيف22، مصدر في دائرة الثروة الحيوانية التابعة لوزارة الزراعة، تحفّظ على ذكر اسمه بسبب حساسية الوضع الأمني، ويرى أن سبب إهمال الحكومة لدعم قطاع العلف الحيواني، مرتبط بصفقات الاستيراد المشبوهة التي تتمها وزارة التجارة، مثل منح امتياز الاستيراد لبعض التجار المقربين من الأحزاب السياسية أو مقابل الرشاوى، وتالياً فإن دعم إنتاج العلف المحلي سيضرّ ببعض المتورطين في هذه الصفقات ويقطع الناتج المالي الضخم عنهم.

ويوضح بأن هذه التجارة درّت أموالاً كثيرةً في جيوب المسؤولين المتورطين، ويرى أن هذا الوارد الضخم هو السبب الحقيقي خلف إهمال الحكومة للحوار الجاد مع الدول التي تنبع منها الأنهار المارة بالبلاد.

ارتباط الأزمة التي يعيشها قطاع الثروة الحيوانية بالجفاف يبدأ من صعوبة توفير الأعلاف.

ويفتقر العراق حتى هذه اللحظة إلى أي إحصائية دقيقة توثق حجم الثروة الحيوانية في البلاد، ومن الأرقام القليلة المتوفرة ما أعلنته وزارة الزراعة في تصريح سابق لوكالة الأنباء العراقية، في شهر أيار/ مايو الماضي، وتأكيدها تسجيل زيادة بنسبة 3% في حجم الثروة الحيوانية، مقارنةً بإحصائية عام 2008، وهو ارتفاع ضئيل خلال مدة 14 عاماً.

لكن مصدراً في وزارة الزراعة يشكك في صحة هذه الإحصائية، ويشير إلى أن الوزارة تعتمد في تعدادها على معدلات استهلاك الأعلاف، وهو أسلوب إحصائي خطأ برأيه، كما أن ارتفاع نسب الجفاف وتدهور القطاع الزراعي يعزز الرأي القائل بعدم صحة هذه الإحصائيات.

ويرجح المصدر في حديثه إلى رصيف22، أن هناك تراجعاً تُقدّر نسبته بنحو 30 إلى 40% في عدد رؤوس الماشية ضمن مناطق وسط البلاد وجنوبها، ويبرر ذلك بتراجع المساحات المزروعة بنسبة بلغت أكثر من 40%.

وفي الحقيقة فإن تأثير الجفاف والأزمات البيئية لا يقتصر على قطاع المواشي فحسب، بل ساهم في تراجع أداء حظائر تربية الدواجن وإنتاج البيض واللحوم البيضاء، ويقول محمد علي وهو اسم مستعار لأحد مربي الدواجن، إنه فقد خلال الشهر الحالي فقط أكثر من 300 رأس من الدواجن بسبب الجفاف، إذ كان يعتمد على مياه نهر حمرين القريب إلى معمله في محافظة ديالى لتزويدها بالمياه اللازمة، والسبب الثاني غلاء أسعار حبوب العلف، ما أثر على كمية إنتاج معمله لمنتجات البيض واللحوم، وهو أمر بدأ يستفحل ضرره خلال الفترة الماضية، مع تراجع نسب الإنتاج المحلي من اللحوم البيضاء والبيض أو ارتفاع أسعارها مقارنةً بالمنتجات المستوردة.

ويلفت المتحدث لرصيف22، إلى أن هذا التراجع المستمر يدفع إلى إفلاسه في ظل مطالبة المستثمرين المستمرة بأرباحهم، ويؤكد أنه نتيجةً لهذه الأزمة، ينوي إغلاق المعمل لتجنب الديون المترتبة على استمرار خسائره.

من آثار الجفاف في العراق - تصوير حكمت العياشي

هل من حلول؟

بالإضافة إلى الجوانب المذكورة، فإن لليد البشرية دوراً أساساً في الأزمة الحالية، إذ أدى الإهمال الحكومي وعدم توفير مستلزمات تربية الحيوانات والرعاية البيطرية والأدوية اللازمة إلى تراجع الثروة الحيوانية، كما أن طمع بعض العاملين في هذا المجال ورغبتهم في الربح السريع، لهما دور أيضاً في هذا التراجع، فبات الكثير من ملاكي الأراضي ومربي الحيوانات يعمدون إلى تجريف مساحاتهم الزراعية وتحويلها إلى أراضٍ سكنية بغية تحقيق فارق مادي كبير، وهو أمر يمكن تبريره بغياب الخطط الإستراتيجية الواضحة لدعم القطاع الحيواني في العراق.

فقد أحد مربي الدواجن خلال الشهر الحالي فقط أكثر من 300 رأس من الدواجن بسبب الجفاف، إذ كان يعتمد على مياه نهر حمرين القريب إلى معمله في محافظة ديالى لتزويدها بالمياه اللازمة، والسبب الثاني غلاء أسعار حبوب العلف

وعن الحلول المطروحة، يعتقد المستشار السابق للجنة الزراعة النيابية، عادل المختار، بعدم وجود خطط حالية لحماية الثروة الحيوانية، ويؤكد لرصيف22، أن شح المياه أثّر بشكل كبير على كافة القطاعات الزراعية ومنها الثروة الحيوانية، مبدياً اعتقاده بعقم الحلول والإجراءات المطروحة في الوقت الحالي.

إن الخطوة الأولى في سبيل تجاوز هذه الأزمة تتعلق باتخاذ إجراءات جدية وصارمة مع دول الجوار بغرض إعادة فتح مجاري الأنهار لتقليل نسب الجفاف، ووضع خطط من شأنها تعزيز الثروة الحيوانية ودعمها، ومنها توفير الفرص التشجيعية والقروض الميسّرة لمربي الحيوانات، والعاملين في قطاعات الإنتاج الحيواني.

ومن ثم فإن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى كوارث كبيرة ومنها زيادة نسب الهجرة من الأرياف إلى المدن، وتحويل البلاد إلى المستورد بشكل كلي، وتالياً زيادة صعوبة إحياء هذا القطاع إذا ما غادره أصحابه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard