"التوسّع في زراعته له نتائج وخيمة"... شجرة القات تستنزف مياه اليمنيين

الأحد 29 مايو 202212:03 م

تأخذ شجرة القات حيّزاً من حياة غالبية اليمنيين اليومية، ليس كنبتة يمضغونها منذ ساعات الصباح الأولى حتى وقتٍ متأخر من الليل فحسب، لكنّها تُعدّ مصدر دخلٍ وفير لمئات آلاف الأسر، وتحديداً في المحافظات الشمالية من البلاد، ومنها تتفرّع أسواق القات التي لا تخلو منها المحافظات كافة.

غير أن الشجرة ذات الطبيعة البيئية المثيرة تشكل خطراً وجودياً على اليمنيين، وفق ما يذهب إليه خبراء وطنيون في المجال البيئي والزراعي، فهي المهدد الأكبر لمياه اليمن الجوفية، خاصةً في محافظات الشمال الأكثر زراعةً لها، والأعلى استنزافاً للمياه بشكلٍ سنوي.

الشجرة ذات الأصول الإثيوبية، لا يتوقف حضورها الطاغي في المشهد اليمني عند استزراعها والمتاجرة بها، بل يتعداه إلى ما توفره عبر أسواقها من أعمال أخرى تضمن لآلاف الأسر ما يعينها على توفير حدها الأدنى معيشياً، كتلك الأعمال المتعلقة بتأمين الأكياس البلاستيكية، والمياه، والمشروبات الغازية، ومشروبات الشعير والزنجبيل والزبيب وحتى الطاقة، وهي متطلبات ملازمة للقات، يحرص غالبية المتعاطين على شرائها، فالأكياس لحفظ القات، والمشروبات ترافق جلساتهم الطويلة، وتعجّ بها المجالس المسائية أو ما يُعرف عند اليمنيين بـ"المِقْيَل".

تعد شجرة القات المهدد الأكبر لمياه اليمن الجوفية، خاصةً في محافظات الشمال الأكثر زراعةً لها.

والتمسك باستزراع شجرة، وبعادة مضغها، هو تقليد اجتماعي في اليمن، إذ تحرص المناطق القبلية على أن يتناول أبناؤها القات من قبيل الوجاهة الاجتماعية، والالتزام بالأمر كعادة يومية، في مجالس كبيرة على مستوى المنطقة وبحضور شيخ القبيلة وأعيانها، تُضاف إلى ذلك أسباب ترتبط بدوافع ذهنية عند كثيرين، جعلت منها سلعةً ذات رواجٍ واسع، وبأسعارٍ تتفاوت بحسب بُعد الأسواق عن مناطق زراعتها، والأنواع التي يفرّق بينها المولعون بهذه النبتة. ويبلغ إنفاق اليمنيين على القات نحو 12 مليار دولار سنوياً وفق تقديرات حكومية.

إحلالٌ قسري

تنافس اليمن دول القرن الإفريقي في زراعة القات، فحتى عام 2019، وصل عدد أشجار القات المزروعة في البلاد قرابة 350 مليون شجرة، في مساحة مزروعة تجاوزت الـ167 ألف هكتار، وفق دراسة للدكتور أمين راجح، وهو خبير في مجال المياه والبيئة لدى الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي.

السباق نحو زراعة القات دفع مزارعين إلى قلع محاصيل وأشجار مثمرة كالمانغو والبن واستبدالها بالقات في مناطق مختلفة، كمنطقة وادي البركاني جنوب محافظة تعز، المعروفة بزراعة المانغو، وقد اقتلع مزارعوها في السنوات الأخيرة أكثر من 1،000 شجرة، ما يعني تحوّل نحو 40% من المساحة الزراعية في الوادي إلى زراعة القات، وتوسع ذلك مع اندلاع الحرب عام 2015، بحسب معلوماتٍ ميدانية حصل عليها رصيف22.

ومن بين 22 محافظةً يمنيةً، يُزرع القات في مساحاتٍ متفاوتة في 18 محافظةً، تتصدرها صنعاء، وتأتي الضالع وريمة في آخر القائمة، وتلعب المتغيرات الجوية دوراً في ذلك بالنظر إلى أن تضاريس المحافظات التي تزرع القات جبلية.

من مزارع القات في محافظة حجة شمال اليمن - خاص رصيف22

ويعلل مزارعون فعلتهم هذه بأن أشجار المانغو شاخت، ومرت عليها سبعة عقود، كما أنها تثمر مرةً واحدةً في السنة، ولا أرباح مجزيةً من موسمها السنوي.

من بين هؤلاء المزارعين عمر عيّاش (56 سنةً)، الذي برر اقتلاعه للمانغو واستبداله بالقات بأن الأخير سيعزز من دخله المالي، وسيوفر له فرصةً أفضل للعيش، ولا يهمه ما سيترتب على ذلك بيئياً وزراعياً، فهو يقطف القات ويبيعه ثلاث مرات سنوياً كحد أدنى، من دون انتظار النبتة حتى تنمو وتصبح جاهزةً للقطف والبيع، على عكس شجرة المانغو التي تحتاج إلى فترة زمنية تتراوح بين خمس وست سنوات من أجل ثمرتها الأولى.

طبيعة القات

عادةً ما تبدأ زراعة القات في بداية الربيع أو الصيف، للاستفادة من مياه الأمطار لري الشتلات الصغيرة، ففي الشهر الأول من عمر النبات، يحتاج إلى ريّه مرةً واحدةً كل خمسة أيام، وفي الشهر الثاني، يحتاج إلى ريّه مرةً واحدةً كل عشرة أيام، أما في أثناء بقية الأشهر، فيحتاج النبات إلى الماء مرةً أو مرتين كل شهر. هكذا يوثق الدكتور إسماعيل محرم، الرئيس السابق لمجلس إدارة هيئة البحوث والإرشاد الزراعي، دورة نمو شجرة القات في بحث نُشر قبل عشرين عاماً حمل عنوان "الزراعة البديلة للقات".

يبرر عمر اقتلاعه للمانغو واستبداله بالقات بأن الأخير سيعزز من دخله المالي، وسيوفر له فرصةً أفضل للعيش، ولا يهمه ما سيترتب على ذلك بيئياً وزراعياً، فهو يقطف القات ويبيعه ثلاث مرات سنوياً كحد أدنى

عن الاحتياجات الفعلية للقات من المياه، يقول محرم لرصيف22: "احتياجات القات إلى المياه قليلة، وهو يجود في الأراضي الهامشية، ويعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار"، ويعيد سبب الاستهلاك المبالغ فيه إلى "التوسع في زراعته وتعدد القطفات منه، وحصاده طوال العام، مما أجبر المزارعين على ريّه باستمرار، للحصول على قطفات عدة خلال الشهر أو العام، بالإضافة إلى استخدام السماد والمبيدات بشكل مستمر".

أزمة غير معلنة

تستهلك شجرة القات أكثر من 800 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، فالهكتار الواحد يُروى بكمية تقديرية تصل إلى 6،279 متراً مكعباً، أي أنه يفوق استهلاك القمح بـ4،252 متراً مكعباً لكل هكتار، وفق الدراسة التي أعدها الدكتور أمين راجح، الذي توصل إلى أن استهلاك القات في محافظة صنعاء يبلغ 80 مليون متر مكعب سنوياً، وهو ضعف ما يستهلكه سكان العاصمة اليمنية من المياه، مؤكداً أن القات يستنزف كل عام ما يزيد عن 40% من مياه اليمن الجوفية.

من مزارع القات في محافظة حجة شمال اليمن - خاص رصيف22

راجح خصّ رصيف22 بتصريح قال فيه: "التوسع الهائل في زراعة القات تترتب عليه أضرار وخيمة، فبالإضافة إلى استنزاف المخزون المائي، فإنه يقلص الرقعة الزراعية للمحاصيل الأخرى اللازمة للأمن الغذائي"، ويستهجن المتحدث الطرق التقليدية المستخدَمة في ري القات، إذ تعتمد كلياً على الغمر، وبصورة عشوائية، ويقترح في هذا الصدد حلولاً مثل شبكات الري الحديثة المعتمدة على التقطير، والتوزيع العادل للمياه، وضمان وصولها إلى الأشجار، لا كما يفعل المزارعون اليوم عندما يغرقون حقولهم بالمياه، بعد سحبها من الآبار، وتوصيلها عبر السواقي، وبذلك يضيع الكثير منها في الطريق.

كما تنتشر في مناطق زراعة القات ظاهرة الحفر العشوائي للآبار، من دون وضع حسبة معيّنة للمسافات التي يجب أخذها في الحسبان قبل الحفر، وهو ما رصدناه ميدانياً في منطقتَي وادي البركاني وماوية في محافظة تعز، والأخيرة تعاني من شح المياه بسبب استنزاف القات لها، مما اضطر المزارعين إلى الاعتماد على صهاريج المياه المشتراة، والتي تتجاوز قيمتها حالياً مئة دولار للعشرين ألف لتر.

كما تُظهر خريطة لأهم خمسة أحواض مائية في البلاد، خطورةً كبيرةً بالنظر إلى معدل الهبوط السنوي للمياه الجوفية، في ظل الاستنزاف المتواصل.

التوسع الهائل في زراعة القات تترتب عليه أضرار وخيمة، فبالإضافة إلى استنزاف المخزون المائي، فإنه يقلص الرقعة الزراعية للمحاصيل الأخرى اللازمة للأمن الغذائي

بلا حلول

تبقى المحاولات الحكومية للحد من زراعة القات خجولةً، وتكاد تكون منعدمةً في ظل الصراع الراهن، ففي تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2010، أعلنت وزارة الزراعة والري عن تأسيس المركز الوطني للحدّ من أضرار القات، ورسم السياسات والخطط والبرامج الهادفة إلى توحيد الجهود الرسمية والشعبية وتنسيقها للحد من زراعته وتعاطيه، وإحلال البن واللوزيات والبذور المحسّنة محله، وتقديم القروض للمزارعين ودعم الآلات والمعدات الزراعية المستخدمة في اقتلاع شجرة القات، لكنه لم ينجح في أيٍ مما حُدِّد له، وولد ميتاً، كما يقول خبراء زراعيون.

ومنذ عام 2015، يحاول ناشطون زراعيون بجهود ذاتية استزراع محاصيل نقدية -أي التي تُزرع بهدف الربح- من فواكه وخضروات وبن، بهدف تحجيم مساحات زراعة القات، والحد من التوسع في ذلك، بإمكانيات يمكن وصفها بالمحدودة.

من مزارع القات في محافظة حجة شمال اليمن - خاص رصيف22

ووفقاً للبنك الدولي، يتراجع توافر المياه في اليمن كل عام، ففي عام 1990 حصل 71% من السكان على المياه، وفي عام 2010، انخفض هذا الرقم إلى 65%. ويُعدّ معدل توافر المياه للفرد في اليمن الأقل في المنطقة والعالم، إذ يبلغ نصيبه 80 متراً مكعباً في السنة، ويُعدّ منخفضاً جداً مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ 2،500 متر مكعب، وبالمتوسط الإقليمي البالغ 1،000 متر مكعب.

وتُقدّر موارد المياه المتجددة السنوية في البلاد بـ2.5 مليار متر مكعب، ومع ذلك، يبلغ إجمالي الاستهلاك السنوي 3.4 مليار متر مكعب، ويعني هذا أن 0.9 مليار متر من المياه الجوفية تُستنزف كل عام، مع انخفاض متزامن في منسوب المياه في معظم طبقات المياه الجوفية.

وتذهب التوقعات إلى أن موارد المياه الجوفية الثمينة ستجفّ في غضون العقود الخمسة المقبلة، ما يعني أن الأمن المائي في اليمن يدق ناقوس الخطر، في ظل شحّ هطول الأمطار، واستمرار الاستزراع التجاري لشجرة القات من قبل المزارعين، واعتمادهم الطرق التقليدية في ريّها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard