"المزارع هو الحلقة الأضعف"... سلّة غذاء الأردن في الأغوار تحت تهديد التغيّر المناخي

السبت 21 مايو 202203:37 م

تعرضت أعداد كبيرة من مزارع الأغوار في شمال الأردن، لكوارث زراعية في الموسم الأخير، تسببت بها موجات حر وصقيع واختلال للفصول وظواهر مناخية أخرى غير مسبوقة، لكنها باتت أكثر حضوراً في الأردن، خاصةً خلال العامين الأخيرين.

"معظم محاصيل الحمضيات في مزرعتي تلفت"، هذا ما قاله المزارع أيمن الغزاوي، بعد أن حل الصقيع غير المتوقع مطلع هذا العام، ورجّح نسبة خسارته بما يتراوح بين 50 و70% من الناتج الكلي للمزرعة، كما أبيدت الأشجار الصغيرة التي يتراوح عمرها بين ثلاث سنوات وخمس سنوات، ويبيّن أن "موجات الصقيع الأخيرة لا تبشر بمواسم إنتاجية، بل حلّت من دون رأفة بمصدر رزقنا الوحيد، في غياب تام للدعم الحكومي أو حتى الرد على طلبات التعويض، واقتصرت زيارتهم للمزارع لحصر التضرر لا أكثر".

بدوره يقول المزارع طعمة العمري، لرصيف22: "سمعنا من كبار في السن هنا، أن موجات الصقيع والحر التي تحصل مؤخراً لم نرَ مثلها في السنوات السابقة نهائياً، وكان لهذه الظواهر أثر مدمر على محاصيلنا بنسبة تتراوح بين 90 و100%، على الرغم من أن وزارة الزراعة هي من حثتنا على زراعة ثمار الببايا، كونها أشجاراً استوائيةً وتقبل التكيف، إلا أنها فسدت بالكامل وتسببت لنا بخسائر كبيرة".

سمعنا من كبار في السن أن موجات الصقيع والحر التي تحصل مؤخراً لم نرَ مثلها في السنوات السابقة.

ويضيف العمري: "لم تسلم بقية المحاصيل من قلة الأمطار والبرد القارس، ولم تغنِ قناة الملك عبد الله ولا سد وادي العرب عن حاجة المحاصيل إلى المياه، إذ ينخفض منسوب المياه في هذين المصدرين الوحيدين لمزارعنا خاصةً في الصيف".

ويشير المزارع إلى أنهم لم يملكوا حلولاً إلا بتقليم الأشجار المتضررة وإزالتها وإعادة تهيئة الأراضي وتسميدها بأسمدة ارتفع سعرها أضعافاً، من ثم زراعة الأشجار المصابة وانتظار مياه الأمطار علّها تعيد إحياء المحاصيل، من ثم انتظار أن تنهي وزارة الزراعة حصرها للضرر الواقع على القطاع جراء موجات الصقيع التي طرأت هذا العام، ليتم تعويض المزارعين دفعةً واحدةً.

ظاهرة مهددة للقطاع

تُعدّ منطقة الأغوار "سلة غذاء" الأردن، وفي الشمال تتميز بزراعة الحمضيات وبعض الفاكهة الاستوائية والجوافة وكذلك الخضروات والتمور.

وتبلغ المساحة الزراعية في لواء الأغوار الشمالية، نحو 118 ألف دونم، تسيطر على غالبيتها زراعة الحمضيات بمساحة 66 ألف دونم، فيما تحتل زراعة الخضروات مساحة 34 ألف دونم، و12 ألف دونم للقمح والشعير، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف دونم من الموز ومثلها لأشجار النخيل، وتشكل إربد أكبر مساحة من حيث الأشجار المثمرة في الأردن بنسبة 30%، وفقاً لبيانات دائرة الإحصاءات العامة.

ويؤكد المهندس فراس الرحاحلة، وهو ناشط في التغير المناخي، أن "الظاهرة باتت تهدد القطاع لا سيما وأنها تتعاظم عاماً تلو الآخر، وأصبحت سلة غذائنا لا تقوى على سداد حاجتنا كما كانت سابقاً، وكذلك حال جيوبنا التي لم تعد قادرةً على تحمّل الكلفات العالية الناتجة عن زيادة الطلب مقابل نقص العرض"، ونبّه إلى ضرورة وقف الطرق الزراعية التقليدية التي لن تغني في حال جفاف السدود وحدوث ليالي الصقيع الشديدة، ودعا إلى ضرورة استثمار النهضة التكنولوجية لإنتاج محاصيل أكثر ملاءمةً للتكيف، فهي الحل الأكثر مثاليةً لمستقبل آمن وصحي.

يشير المزارع إلى أنهم لم يملكوا حلولاً إلا بتقليم الأشجار المتضررة وإزالتها وإعادة تهيئة الأراضي وتسميدها بأسمدة ارتفع سعرها أضعافاً، من ثم زراعة الأشجار المصابة وانتظار مياه الأمطار علّها تعيد إحياء المحاصيل

وتتوقع سيناريوهات عدة تناقص معدل تساقط الأمطار في الأردن بنحو 5% خلال العقود المقبلة، وأيضاً زيادة درجة الحرارة بمقدار 3-4 درجات مئوية. وسيقابل ذلك جفاف متزايد للينابيع ومصادر المياه الجوفية وانخفاض قدرتها، مما يعني تأثيرات سلبيةً على إنتاجية المحاصيل الزراعية.

ضرائب الإنتاج

يشتكي المزارع أحمد الحوراني، من تضييق الحال على المزارعين بدلاً من دعمهم، ويقول لرصيف22: "المزارع هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يترتب عليه تحمل موجات الجفاف والصقيع وشح المورد المائي، بالإضافة إلى كلفات الإنتاج التي ارتفعت إلى الضعف عما كانت عليه سابقاً، مثل سماد الأمونياك الذي كان سعر عبوة الـ25 كيلوغراماً منه خلال العام الماضي سبعة دنانير ونصف، وبلغ سعرها اليوم 15 ديناراً (21 دولاراً)، وهذا الارتفاع الجنوني يؤكد عدم قدرة معظم المزارعين على تسميد أراضيهم وإحيائها بعد سقوط زهرها جراء الصقيع".

وقال الحوراني إن أشجار الحمضيات هي الأكثر تأثراً بالتغير المناخي وفق ملاحظته، إذ لا تخرج من مشكلة الجفاف في الصيف حتى تدخل في مشكلة بيئية جديدة الظهور في المنطقة وهي ذبابة البحر الأبيض المتوسط التي تكثر في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام، وتضع بيوضها داخل الثمار مما يتلف المحصول نهاية الموسم المطري.

من موجات الصقيع التي ضربت مزارع الأغوار - خاص رصيف22

وتشير دراسة الاتحادات والنقابات والجمعيات الزراعية إلى أن الخسائر المتراكمة تسببت برفع نسبة المزارعين المطلوبين للتنفيذ القضائي إلى 40% من العدد الكلي لمزارعي المملكة، وإفلاس شركات زراعية عدة، وترك مزارع كثيرة من دون زراعة وتسريح عدد كبير من المزارعين من العمل.

بيانات مقلقة

يوضح كتاب "التغير المناخي وأثره على القطاعات الحيوية في محافظة إربد"، وهو من إعداد الباحثين عمر عودات وعلي أبو نقطة ونسرين حماشا ومنهل الروسان، إلى أن الأمطار تشكل عصب القطاع المائي في المحافظة، ويبدأ الموسم المطري عادةً في تشرين الأول/ أكتوبر ويستمر لغاية نيسان/ أبريل، وهو المغذّي الأساسي للمصادر الرئيسية من سدود ومياه جوفية وينابيع وعيون.

ولحظت نتائج تحليل بيانات معدلات الهطول المطري في إربد من الأعوام 1969 حتى 2011، انخفاض معدل الهطول بمقدار 1,8 ملم سنوياً وتذبذب المواسم، فتارةً تصل إلى نسبة 700 ملم وتارةً أخرى إلى 250 ملم في العام الواحد، كما لوحظ انخفاض في تغذية خزانات المياه الجوفية وضعف مستوى تدفق الينابيع والعيون وارتفاع في درجات الحرارة خلال المواسم المطرية، وفقاً للكتاب المذكور.

المزارع هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يترتب عليه تحمل موجات الجفاف والصقيع وشح المورد المائي، بالإضافة إلى كلفات الإنتاج التي ارتفعت إلى الضعف عما كانت عليه سابقاً

وفي تصريح لرصيف22، يوضح الناطق الإعلامي باسم وزارة البيئة الأردنية، الدكتور أحمد عبيدات، أن الأردن من أكثر البلدان تعرضاً لتداعيات التغير المناخي، نظراً إلى أنه يقع في منطقة الشرق الأوسط التي بينت التوقعات العلمية المبنية على الدراسات والنمذجة الرياضية بأنها ستتعرض لارتفاع درجة الحرارة أكثر من بقية دول العالم بنسبة تصل حتى 20%، والأهم هو الانخفاض في مجمل الهطولات المطرية، وتغير أماكن الهطول وشكله، مثل حالات الفيضانات الومضية، أي تلك التي تحدث بشكل سريع في المناطق المنخفضة.

ويشير العبيدات إلى استحداث خطة المساهمات المحددة وطنياً للنمو الأخضر، التي أعطت قطاع المياه أولويةً كبرى، وأن الوزارة قامت بإعداد مشاريع متعلقة برفع كفاءة استخدام الموارد وتنفيذها، ومن خلالها يتم تقييم الأثر على جميع القطاعات التي تُعدّ المياه الشريان الرئيسي لاستدامتها.

حلول لا بد منها

يؤكد دكتور علم الجيولوجيا، أحمد الشريدة، أن المزارعين لن يتمكنوا من تحمل المزيد من الأعباء المالية بعد تضخم الخسائر في مصدر رزقهم الوحيد، وطالب بتخفيض كلفات الإنتاج والرأفة بحالهم في ظل الظروف المناخية، وهو حل لا غنى عنه للأمن الغذائي كذلك، ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "للتكيف مع التغير المناخي لا بد من إنشاء مؤسسة وطنية تضم كافة مؤسسات الإنتاج والنقابات الزراعية والقطاعي العام والخاص والمزارعين لتحديد إستراتيجية واضحة المعالم للتكيف".

وتدعو الخبيرة البيئية، الدكتورة هلا مراد، إلى تنظيم مؤتمر وطني يناقش مدى تأثر الدولة بالتغير المناخي تترأسه وزارة الزراعة، وتطالب باستحداث صندوق للمخاطر البيئية، يراعي حاجة الدولة المالية إلى تطوير القطاع وإلى تكيفه مع الظاهرة واستعداده للكوارث المتوقعة في المستقبل القريب والبعيد، وتطبيقاً للمعاهدات والالتزامات القومية والدولية.

الأضرار التي لحقت بمزروعات الأغوار - خاص رصيف22

وتطرح دراسة "التغيرات المناخية في الأردن وتأثيرها على القطاع الزراعي"، توصيات مهمة لتصويب الأوضاع البيئية، أبرزها تحريج الأراضي المملوكة والمهملة والمعرضة للانجراف والتدهور، وإنشاء شبكات رصد لمراقبة تأثير التغير المناخي، من ثم التعاون مع المجتمع الدولي لتبادل المعلومات والتوقعات المناخية ودمج الخطط الإستراتيجية الوطنية في جميع الخطط التنفيذية.

كما تنص "الإستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية 2020-2025 في الأردن"، على أن يشمل صندوق المخاطر البيئية عدداً أكبر من المخاطر الزراعية، بعد أن كان يقتصر على كوارث الصقيع، وإنشاء قاعدة بيانات زراعية شاملة، وتطوير الخدمات الحكومية الزراعية وإدامتها وتشغيلها.

وتبقى القرارات تائهةً بين اختصاصات الجهات المعنية، ولم يشهد الأردنيون توافقاً على قرار واحد على الأقل بخصوص تأثر المنطقة بتداعيات التغير المناخي، أو حتى إجابات على أسئلة المزارعين، وهم المتضرر الأول، يليهم المواطنون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard