أبو كيس وإم رعيدة والغول... أساطير الإخافة في العالم العربي

الثلاثاء 14 يونيو 202201:04 م

أبو كيس، إم رعيدة، الشبح، الغول... شخصيات تفنّن أهلنا في ابتكارها لتخويفنا، وتفنّنا بدورنا في تصور أدقّ تفاصيلها، حتى بتنا نشعر بوجودها الحقيقي في حياتنا. من منّا لم ترافقه هذه الشخصيات في رحلة ذنوبه وأخطائه الطفولية؟ 

هي شخصيات وأساطير ابتدعها الخيال الشعبي وتوارثتها الأجيال، اختلفت أسماؤها وتشابهت تصرفاتها وغاياتها. لكل أسطورة وقتها المعين في الظهور، وأدواتها الخاصة لخطف الأطفال المشاغبين وترهيبهم.

يُضاف إلى أساطير الإخافة تلك تصوّر إلهي معطوب، زرعه بعضُ الأهل في نفوس أطفالهم. ومع الأسف فقد تشكّلت طفولتُنا في ظلّ عبارات من قبيلِ: "الله بيخنقك إذا بتكذّب"، أو "الله رح يحرقك بالنار إذا عملت كذا وكذا"، أو "الله بينزّل بالليل حبل وبيشنقك"، حتّى شكلَ الإرهابُ جزءاً من تلك الطفولة، وصنعت تلك العبارات أولى معارفنا عن الأخلاق ومفاهيم الثواب والعقاب.

وفي محاولةٍ لتسليطِ الضوء على الإخافة وأساليبها في عددٍ من مجتمعات المنطقة العربية والمُشترك لدى الأطفال في هذه المجتمعات وجدتُ زمرةً من أساطير الرعب العربية التي ابتكرها الأهل لإخافة أطفالهم، ففكرتُ بكتابتها تماشياً مع ما كُتب في مقدمة ملفّنا هذا الشهر عن الخوف: نكتبُ عن هذه الخرافات "لنفهمها، ونضعها في دائرةِ الضوء لنراها جيّداً، عارية تماماً... لئلّا تحجبها الأسمال".

نكتبُ  اليوم عن أساطير الإخافة في العالم العربي "لنفهمها، ونضعها في دائرةِ الضوء لنراها جيّداً، عارية تماماً لئلّا تحجبها الأسمال"...ملف الخوف في رصيف22

عالم الرعب اللبناني

يزخر التراث اللبناني بمجموعة من أساطير الرعب التي ابتكرها الأهل عن غيرِ درايةٍ آملين عبرها ضبط أطفالهم، وهي شخصيات تناقلتها الأجيال ووصلتنا منها عدة شخصيات مرعبة مثل  "أبو كيس"، وهو شخصية وهمية مرعبة رافقت العديد من الأطفال، الذين كانوا كلما أساؤوا التصرف أو شاغبوا، هدّدهم ذووهم بـأبو كيسٍ هذا المختصّ بخطف الأطفال ووضعهم في كيسه الكبير وحرمانهم من رؤية أهلهم وأصدقائهم إلى الأبد. بينما سخّر بعضُ الأهالي في لبنان صوت الرعد لضبط أطفالهم، مانحينه اسماً يليقُ بالشيءِ المُخيف: "إم رعيدة" التي تصوّرَها أغلب الأطفال ساحرة شريرة، غاضبة على الأرجح، تختطف الأطفال الصغار وتأكلهم، خصوصاً أولئك الذين لا ينامون باكراً. وقد تبيّنَ أنّها (أمّ رعيدة) مُستخدَمة أيضاً في مناطق من سوريا.

وقد أعطى الأهلُ لأمّ رعيدة أبعاداً جديدة بغيةَ سهولةِ تصديقها، فألّفوا لها الأغاني، وانتهجوا غناءها كلما دوّى صوت الرعد: "إم رعيدي وارعدي ... خدي فلان وابعدي/واركضي".

ومن شخصيات عالم الرعب اللبناني أيضاً "النورية" أو العربية أو البدوية أو الغجرية أو "بياعة الزعتر" التي تخطف الأولاد وتضعهم داخل بقجتها التي تحملها ثمّ تقصّ آذانهم.

مسألةُ الخطف لم تقتصر على أبو كيسٍ وأم رعيدة والنوريّة، فالشحّاذون أيضًا أخصائيو اختطاف. وقد تُعطي أدواتُ الإخافةِ هذه فكرةً عن المجتمع الذي يفتقدُ لأبسط درجاتِ الأمن قرابة نصفِ قرنٍ من الزمن بين حروبٍ أهليّة حارّةٍ وباردة!

أبو كيس، إم رعيدة، الشبح، الغول... شخصيات تفنّن أهلنا في ابتكارها لتخويفنا، وتفنّنا بدورنا في تصور أدقّ تفاصيلها، حتى بتنا نشعر بوجودها الحقيقي في حياتنا. من منّا لم ترافقه هذه الشخصيات في رحلة ذنوبه وأخطائه الطفولية؟

ولم تخلُ أساليبُ الإخافةِ من التراث الميثولوجي سواءً في لبنان أو في دولٍ أخرى؛ فالغولُ، وهو كائنٌ خرافيّ عملاق يتصفُ بالبشاعةِ والوحشية، ينتشرُ في مجتمعاتٍ عربيّةٍ كثيرة، وأصلُ تسميتهِ "غالو"، وهي كائنات شيطانية في الأساطير السومرية والأكادية، وقد كان من اختصاصها في موروثنا الشعبيّ أكل الأولاد، وظهرَ للغيلان تنويعات مختلفة كالبعبع، وهو الآخر كائن أسطوري مخيف، قريب من الغول.

أمّا الأشباح والجن والعفاريت التي تسرح وتمرح في الليالي، فإنّ مقرها الخزائن، وخصوصاً خزائن المطبخ. كما أن "العَوْ"، وهو كلب شارد مفترس اشتُقّ اسمُهُ من صوتِ نُباح الكلاب، ظل ينهش لحم الأطفال الذين يخرجون من المنزل دون إذن أهاليهم طوال طفولتنا.

تقول اللبنانية س. أ: "كان أهالينا يقولون لنا: اللّي بيشتغل بالعجين مع إمه بيصير سعدان، واللي بيعدّ نجوم السما بيطلعلوا تواليل على إيديه، واللي بياكل جبنة حاف بيدوّد". وهي جملة أشياء كان يلجأ الأهل إليها لتخويفنا كأطفال. ناهيكَ طبعاً عن أساليبِ الترهيب المعروفة في لبنان والمنتشرة في أكثر من بلد عربي، كتهديد الأطفال بدهن آذانهم باللبن ووضعهم في غرفة الجرذان أو الفئران.

تقول ل.غ من لبنان: "كان المعلمون والمعلمات في المدرسة يهددوننا دائماً بغرفة الفئران. كنّا نتصورها غرفة مظلمة في مستودع المدرسة أو الطبقات السفلية منها. غرفة رطبة مليئة بالفئران والجرذان الجائعة التي ستعرف طريقها إلينا من رائحة اللبن الموجود في أذنينا. هذه الغرفة، كانت تهديداً لكلّ من لم يقم بحلِّ الواجب المنزلي، أو لم يحقق درجاتٍ عاليةً في الاختبارات، وحتى أولئك الذين لم يهتموا بنظافتهم الشخصية أو لم يلتزموا بالزيّ المدرسي المحدد، أو الذين ينسون كتبهم في البيت... كانت طريقة التأديب واحدة: التهديد بغرفة الفئران".

من أساطير الرعب السورية

تراثُ الإخافة السوريّ بدوره لم يختلف كثيراً عن نظيره في لبنان، مع الاحتفاظ ببعضِ الخصوصيّة الطبيعية، إذ تختلف وتتنوع الحكايات كثيراً حسب المناطق. تتشابه أساطير الخوف السورية اللبنانية (قبل تلازم المسارين حتى!) وتُضاف إليها مجموعة شخصيات من عالم الرعب السوري العديدة مثل "أم عدل"، وهي شخصية خرافية على شكل امرأة مُسنّةٍ، تحمل كيساً من الخيش (العدل أو الشقبان) على كتفها، تخطف الأطفال وتذهب بهم إلى أعالي الجبال.

تروي إحدى الجدات السوريات عن إم عدل إنها: "تقوم بتأديب الأطفال عن طريق وضعهم على سرير من الإبر الحادة، وتلبس زياً طويلاً فضفاضاً أسود اللون، وتسترق السمع من خلال نوافذ البيوت لتعرف الولد المهذب من المشاكس، وتستخدمُ لإخافة الاولاد حتى يناموا باكراً فهي لا تظهر إلا ليلاً".

وقد كانت حكاية "سبدلا": وهي قصة رعب سورية تُروى في حلب، بهدف ذهاب ملايين الأطفال يومياً للنوم باكراً، خوفاً من هذه الشخصية التي لا يجدي معها اختباء، حيثُ تشق الجدران وتخرج للأطفال.

يُضاف إلى أساطير الإخافة العربية تصوّر إلهي معطوب، زرعه بعضُ الأهل في نفوس أطفالهم. ومع الأسف فقد تشكّلت طفولتُنا في ظلّ عبارات من قبيلِ: "الله بيخنقك إذا بتكذّب"، أو "الله رح يحرقك بالنار إذا عملت كذا وكذا"، حتّى شكلَ الإرهابُ جزءاً من تلك الطفولة

من صفحة ماشي يسلمو

وتناقلت أجيال كاملة من السوريين قصة "شمقرين" الساحرة، الشخصية الوهمية التي ظهرت في "كليلة ودمنة" بمهابةٍ شديدة، فشمّقرين امرأة قبيحة منفّرة، وكانت مثاليّةً ليستخدمها الأهلُ لأغراضِ "حماية أطفالهم وتجنيبهم الوقوع في الخطأ!".

وفي الوقت الذي لم يجد فيه الأهلُ في سوريا حكاياتٍ موثقةً في التراث المكتوب، فقد يخترعونَ شخصيّاتٍ وهميّةً تُساعدُهم في بثّ الرعب في نفوس أطفالهم، مثل "العبو" وهو شخص بشع وأحمق، وبهذا يصلحُ لاستخدامَين: إما الإخافة من أنّهُ يأكل الأطفال، أو أن يتمّ تشبيهُ الأطفال به لوصفهم بالحماقة. وبقي "عبد الميّ" الذي اخترعهُ المخيالُ الشعبيّ مطعّماً إيّاهُ بعنصريّةٍ غير مقصودة يتربّصُ بالأولادِ كلما اقتربوا من خزّاناتِ المياه وأطلّوا رؤوسهم إليها. هناك يسكنُ عبد الميّ هذا، لكنّ اللافتَ أنّ أسطورتهُ ممتدّة إلى العراق والأهواز أيضاً حسبَ صديقةٍ أهوازيّة، مع تعديلٍ بسيطٍ يتناسبُ مع لهجة المنطقة هناك، بحيثُ يصيرُ اسمُهُ "عبيد الماي".

وتخبرنا السورية ز. ش، أنّ تخويف الأطفال بالشرطة في عالم الرعبِ السوري من بين الأمور الشائعة في البلاد. تقول: "تهدد الأمهات أولادهنّ الذين لا يسمعون كلامهنّ في الشارع بتقديم شكوى ضدهم للشرطي الذي سيأتي ويأخذهم إلى المخفر. وحتى في المنزل. يقول الأهل لأولادهم إنهم سيتصلون بالشرطة إذا لم يكن الطفلُ مطيعاً. ولعلّ سلوكيات مثل هذه تفسّرُ علاقةَ السوريين بأجهزة الشرطة أو بأي جهاز حكومي بشكل عام".

الخوفُ في مصر

مثلت أسطورتا "أبو رجل مسلوخة" و"أمّنا الغولة" رعباً لأجيال متعاقبة في مصر، وكانتا لفترة طويلة وسيلة فعالة للسيطرة على الأطفال. أبو رجل مسلوخة، كما يدلّ اسمه، هو رجل بساق واحدة مشوهة، يظهر منها اللحم والدم، شكلها مرعب ومثير للاشمئزاز. يركض هذا المخلوق وراء الأطفال ويحاول التقاطهم ليأكلهم في مناطق، أو ليجرّهم وراءه إلى الماء سواءً كان بحراً أم نهراً أم بحيرة. وكذلك تفعل أمنا الغولة دون الحاجة لأن تركض، فضخامتها تساعدها على الوصول إلى هدفها أينما كان دون جهدٍ استثنائيّ.

تخبرنا س. س من مصر إنّ تصور المصريين لأمّنا الغولة في جيل التسعينيات اقترن بشكل أساسيّ بشخصية نعيمة الصغيّر بفيلم "العفاريت" لعمرو دياب ومديحة كامل. تقول س: "قبل الفيلم، كنت أتخيّل أمّنا الغولة على هيئة غوريلا ضخمة. ولكن بعد الفيلم، شخصية نعيمة الصغيّر في فيلم العفاريت هي الي أخذت مكانها".

نعيمة الصغير، الصورة من موقع مصراوي 

تقوم إم عدل بتأديب الأطفال عن طريق وضعهم على سرير من الإبر الحادة، وتلبس زياً طويلاً فضفاضاً أسود اللون، وتسترق السمع من خلال نوافذ البيوت لتعرف الولد المهذب من المشاكس، وتستخدمُ لإخافة الاولاد حتى يناموا باكراً فهي لا تظهر إلا ليلاً

"العَوْ" أيضاً من الأساطير الشائعة التي مثلت رعباً لأجيال متعاقبة في مصر، لكن اللافت أنّ تصور العَوْ عند المصريين يختلف عن تصوره في سوريا ولبنان مثلاً. فالعَوْ المصري عفريت أو شبح أسود يخرج للأطفال المشاغبين من تحت السرير أو من الخزائن، في حين أن تصوّرهُ السوري واللبناني مرتبط بكلب مسعور ينقضّ على الأطفال وينهش لحمهم.

واستُخدمتْ "الندّاهة" وما تزالُ لإخافةِ الأطفال في مصر من الخروج ليلاً، واسمها يشي بما ستفعلُهُ، فالندّاهة تنادي ضحيّتها بالاسم (تندهه) وتأخذه وراءها في المجهول.

ويلاحَظ في مصر ارتباطُ ثقافة التخويف بأماكن الغرق، ومن ثم بالموت طبعاً، فالغرق أخذ نسبةً كبيرةً من طرقِ الموتِ في المرويّات الشفهية بحكم كثافة الحياة المائية في البلاد: النيل وتفرعاته، البحر الأحمر، البحر المتوسط.

حكايات من المغرب العربي

يذكر الكاتب والمترجم التونسي صلاح بن عياد في مقاله "حكايات شعبية ومخلوقات تثير الرعب في قلوب المغاربة" في سياق الحديث عن أساطيرِ الإخافة في المغرب العربي، مجموعة شخصيات مثيرة للخوف. اخترنا منها تلك التي تبث الرعب في قلوب أطفال، وهي:

  • "بوشكارة" الشرير الحامل لكيس على ظهره (وشكارة هو الكيس في الدارجة المغربية). يتسلل هذا بوشكارة في ساعات الحرّ ليختطف الأطفال إن لم يناموا باكراً أو لم يشربوا الحليب.

  • "العبيثة" المرأة القبيحة والشريرة ذات حوافر الماعز أو الحمار أو الجَمَل، والتي تروع الناس باعتمادها على دغدغة كل من يعترضها، فيموت ويلفظ أنفاسه من الضحك.

  • "عجوز الستوت" ذات الوجه المرعب والأسنان المتساقطة، زوجة الشيطان، التي لا تمرّ ساعة دون أن تكون لها مهمة شريرة تقوم بها.

  • "جن المطبخ" أو "جن الخزانة"، ولم تكن تلك سوى مخلوقات لجأ إليها الأجداد القدامى لمنع الأطفال من التسرب إلى المطبخ ليلاً.

رأي الأخصائيين النفسيين

"مهمّة الأهل أن يدعموا أطفالهم ويعزّزوا ثقة أولادهم بأنفسهم، ويؤكّدوا لهم باستمرار أنهم قادرون على تخطي كل التحديات والصعوبات والمخاوف التي تواجههم، بدل التهديد بشخصيات خرافية مرعبة وإيهام الأطفال أنّ هذه الشخصيات قادرة على إيذائهم في أي وقت"

تقولُ سماح سالم، أخصائية علم النفس العيادي والمرشدة التربوية النفسية: "إنّ استخدام أسلوب تخويف الأطفال بشخصيات وهمية مرعبة له تداعيات خطيرة على حيواتهم، وهو ليس أسلوباً تربوياً سليماً. البديل لهذا الأسلوب المتوارث الخاطئ هو توعية الأطفال، بطرق تتناسب مع أعمارهم، للمخاطر الحقيقية من مغادرة المنزل دون علم الأهل مثلاً، أو السهر لساعات طويلة أو قلة النوم.

أمّا ربط تصرفات الأولاد الخاطئة بظهور شخصيات وهمية مرعبة فهو أسلوب مؤذ يؤثر على الأطفال بأشكال سلبية مختلفة، فبعض الأطفال تصيبهم اضطرابات في النوم بسبب هذه الشخصيات المرعبة، ويأخذ البعض بتخيّل هذه الشخصيات لشدّة ما تثير خوفهم ويتوهمون رؤيتها والتعامل معها، بينما يخاف آخرون من الخروج من المنزل... مما يؤثر بشكل كبير على صحة الأطفال النفسية وعلى مهاراتهم في التواصل والتعامل مع الآخرين".

تختم سالم: "مهمّة الأهل أن يدعموا أطفالهم ويعزّزوا ثقة أولادهم بأنفسهم، ويؤكّدوا لهم باستمرار أنهم قادرون على تخطي كل التحديات والصعوبات والمخاوف التي تواجههم، بدل التهديد بشخصيات خرافية مرعبة وإيهام الأطفال أنّ هذه الشخصيات قادرة على إيذائهم في أي وقت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard