ديكُ الحبشِ الذي لا يزول

الاثنين 13 يونيو 202202:27 م

يندرج المقال في ملف عن الخوف أعده وأشرف عليه تمّام الهنيدي، المحرر الضيف في رصيف22 لشهر حزيران/يونيو

ليس هذا النصّ عن الثورة السوريّة، وهو أقرب لأن يكون عن ديك الحبش الضخم ذي اللون الأسود والعرْف والأسيجة الحمراء، الذي حثّ خطاه نحوي بثقة مخيفة حين حاولت تقليد ابن عمّي بالقفز عن سطح قنّ الدجاج المرتفع قرابة المترين في قريتنا، ولم أكن قد تجاوزت السادسة أو السابعة من عمري، فسقطت وكسرت رجلي. غير أنّني تجاوزت الألم بقدرة قادر، وكان آخر ما أفكّر فيه في تلك اللحظة. حين كان الديك اللئيم يهمّ باتّجاهي، قبل أن يصل إليّ أول المنقذين ويخلّصني من معركة لا أقوى على الوقوف بقدم مكسورة لخوضها بالشجاعة اللازمة. حينذاك، وقد تخلّصت من العدوّ الخارجيّ، التفتّ لألم ساقي وصرخت.

 خلّف الديك قبيل إنقاذي منه صورةً شبحيّةً شرّيرةً لنفسه في مخيّلتي، تظهر أمامي عند مواجهة كلّ مرتفع يمكن قياس ارتفاعه من خلال انخفاض ما حوله.

رافقني شبح الديك حتى أيامي هذه، فخلال التفكير برحلتنا القادمة إلى السويد في الصيف، كنت متوتّراً أفكّر بمريم، طفلتي ذات السنة الواحدة، والتي ستكون رحلتنا تلك تجربتها الأولى مع الطيران، مع الارتفاع الفجائيّ عن الأرض لهذه الدرجة. فكّرت بالخوف الذي سوف ينتابها في الطائرة، على الرغم من أنّ ركوب الطائرة ليس من بين المرتفعات التي أخشاها، فعلى الأرجح لن يجد المرء مبنىً يرتفع ثلاثين ألف قدم أو أكثر عن سطح الأرض ليكون ارتفاعه قابلًا للقياس.

هذا النصّ ليس عن الثورة السوريّة، هو أقرب لأن يكون عن ديكِ الحبش الضخم الذي لا يزول... ملف الخوف في رصيف22

وعلى العكس من ذلك، فقد قضيت قرابة سنة في شقّتي في حيّ الإبراهيميّة السكندري، في الطابق الحادي عشر، وأنا أتجنّب نشر الغسيل على الحبال المعلّقة بين حواف شرفتها الصغيرة، فقد كنت في كلّ مرّة أنظر فيها إلى المباني المحيطة المنخفضة أرى صورةً مخيفةً لديك الحبش الأسود الكريه.

استغرقتني الفكرة قبل أن أتوقّف وأتساءل: كيف ستخاف مريم؟ ما الذي تعرفه عن الارتفاع والانخفاض والسّقوط لتخشاه؟ ومن ثمّ، فهل يمكن للمعرفة أن تكون سببًا للخوف؟

**

عارضَ الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، وقد قضى في سجن تدمر المريع ستة عشر عاماً، هذا الرّبط بين المعرفة والخوف، خلال شهادته في فيلم "رحلة إلى الذاكرة" الذكي الذي أخرجته الشاعرة السورية هالا محمّد في العام 2004، وكانت فكرة الفيلم تقوم على اصطحاب ثلاثة سجناء سياسيين سابقين في تدمر، إلى المكان الذي اقتصّ من سنوات حياتهم، ورصد انطباعاتهم ونبش ذاكرتهم ووضعهم في مواجهة مع المكان الرهيب بعد أن صاروا أحراراً منه.

كان الثلاثة هم الشاعر فرج بيرقدار، والمخرج المسرحي والكاتب غسّان الجباعي، والكاتب ياسين الحاج صالح. وقد عبّر الأخير عن فكرة معاكسة تماماً لفكرة الربط بين المعرفة والخوف، إذ اعتبر أنّ السلوك المنتهج ضدّ السجناء السياسيين، والمتمثّل في تقييد نظرهم، إمّا عبر وضع عصابات فوق الأعين أو الإلزام بخفض رؤوسهم إلى الأسفل أثناء اقتيادهم داخل السجن من مكان إلى آخر، إنّما يهدف لجعل المكان الذي يحتجزهم غامضاً تماماً بالنسبة لهم، مجهول الملامح، ما يجعل السجين يشعر برعب دائم ينتجه عدم القدرة على تخيّل صورة مكانية للسجن.

المجهول غامض، المجهول يفتح باب الخيال على مصراعيه، والخيال في السجن يصير أشدّ قتامة، المجهول مخيف.

إذا خِفتَ نجوت

نهاية السبعينيات من القرن الماضي، أوكلت الحكومة الهولندية للمهندس هانس مودرمان مهمّةَ اجتراح حلّ لمشكلة الحوادث المرورية في مدينة دراشتن شمال هولندا، وقد بلغت 8 حوادث سنوياً وسط المدينة آنذاك، على الرغم من وجود كلّ وسائل السلامة، من إشارات مرور إلى إشارات طرقية وسواها.

في بلادٍ مثل سوريا، مليئةٍ بكلّ أسباب الخوف والهلع كتب الراحل نزار قبّاني: أخافُ أن تمطر الدنيا ولستِ معي. فمنذُ رحتِ وعندي عقدة المطر! الأغاني نسخةً غير حقيقيةً عن الحياة

طوّر مودرمان فكرةً تقوم على ما عرف لاحقاً بـ"مبدأ المساحة المشتركة"، أي أن توضع هذه المساحة للكلّ في آن، وما يفعله غياب إشارات المرور وأي علامات طرقية مساعدة هو أنّه يحيل السلامة الشخصيّة لكلّ شخص على حدة، فيضطرّ الشخص لأخذ حذر مضاعف لأنّ سلامته منوطةٌ بسلوكه لا بسلوك الآخرين. وقد آتت هذه الطريقة أكلها في حقيقة الأمر، إذ تضاءلت أرقام الحوادث المرورية في وسط دراشتن في السنتين التاليتين إلى أن وصلتْ إلى حادث واحد سنويّاً. 

لطالما كان التعريف بهذه التجربة الفريدة في هولندا يحيل إلى أنّ ما فعله المهندس مودرمان هو تحميل كلّ شخص مسؤوليّة حياته وحياة الآخرين وهذا صحيح، لكن على مستوى آخر، أليس الخوف على الحياة ما جعل هذه التجربة مثمرة ويمكن تمثّلها؟ ألم يخف سائقو السيّارات على أرواحهم فضاعفوا حيطتهم وتوخّوا الحذر حفاظاً على حيواتهم حين غاب القانون المسؤول عن الحفاظ على الحياة؟

**

كتب الأخوان رحباني لفيروز: "أنا خوفي من عتم الليل، والليل حرامي/يا حبيبي تعا قبل الليل يا عيني لا تنامي". يكاد خوف الصبيّة البريء في قصيدة الرحابنة هو الخوف الوحيد المقنع في الغناء العربي. لا تخاف الأغنية العربية فعلياً، أو يبدو خوفها وكأنّه خوف أناس يعيشون بهناءة في جبال الريف السويسري لشدّة براءتها وطمأنينتها. فلنراجع أغنيات من قبيل: "خايف عليها وتلفان بيها"، لناظم الغزالي. يندرج الخوف فيها ضمن قائمة الخوف على الحبيب أو من فقدانه. أو مثلاً: "خايف أوعدك موفيش" لمحمد منير. وحتّى أغنية "خايف أقول اللي فقلبي" لمحمد عبد الوهاب وكتب كلماتها أحمد عبد المجيد، ألا تدور كلّها في فلك الحبّ والحبيب؟ لطالما بدت الأغاني نسخةً غير حقيقية عن الحياة.

ألا يبدو هذا الخوف أقلّ حدّةً من ذلك الذي يرويه الناجون من خطر داهم أو موت محقّق؟ أم أنّ جوهر الخوف هو الخسران، أيّ خسران؟

على النقيضِ من الأديان والأنظمة الشمولية التي اعتمدتْ الإخافةَ من بينِ ما اعتمدتهُ في سبيل رسوخها، فإنّ الفلسفةَ عدّت الخوف عدوًّا لدودًا لها، واعتبرت أنّ كلّ خوفٍ لدى الإنسان أيًّا كان تمظهرهُ إنّما هوَ خوفٌ من الموت، من التقاعدِ النهائيّ والزوال

**

طلبت مرّة من صبيّة مراهقة أطول منّي ببضعة سنتمترات حين انتفضت بينما كنّا نجلس على شرفة منزلي الأرضية في مالمو، إثر شعورها أنّ شيئاً ما رفّ فوق رأسها، فأجفلها وجعلها لا واعية تقفز فوق الكرسيّ بعد مجموعة من الحركات الهوائيّة لطرد هذا الشبح المخيف، الذي لم يكن في حقيقة الأمر إلا نوعاً من أنواع الفراشات غير الأليفة، طلبت منها أن تقارن بين حجمها وحجم الشيء الذي أفزعها إلى هذه الدرجة.

وعلى الرغم من أنّني كنت أكبر حجماً من ديك الحبش المخيف في طفولتي، إلّا أنّ تهديداً ما على حياتي وصلني من تقدّمه نحوي. وكلّ ما في الأمر أنّني في تلك اللحظة كنت عاجزاً عن الفرار، ومن المؤكّد أنّني كنت سأركض مسرعاً لو أنّني كنت قادراً على المشي. على ذلك، فإنّ الصبيّة لم تفعل شيئاً يستحقّ التندّر، فقد حاولتْ فقط أن تفرّ من أي احتمال للخطر الذي تشعر أنّه يتهدّدها. تقول الفلسفة إنّ الخوف في جوهره خوفٌ على النفس، بعيداً عن حجم الشيء الذي يسبّب ذاك الخوف.

عدوّ الفلسفةِ الأكبر

على النقيض من الأديان (والأنظمة الشمولية) التي اعتمدتْ الإخافة من بين ما اعتمدتهُ في سبيل رسوخها وبقائها، ودخل الخوف في أدبيّاتها وتعاليمها، فإنّ الفلسفة عدّت الخوف عدوّاً لدوداً لها، واعتبرت أنّ كلّ خوف لدى الإنسان أيّاً كان تمظهره، إنّما هو خوف من الموت، من التقاعد النهائيّ والزوال (لعلّ هذا يفسّر الاضطراب الشائع الذي يصيب الإنسان ما بعد التقاعد). وقد توقّف الفلاسفة عند سؤال المعرفة أكثر من توقّفهم عند سؤال الموت، فالموت لا رادّ له، وفي الحياة جانب تراجيدي مأتمي أقرّت الفلسفة بضرورة التعامل معه بدلاً من خشيته، فالخوف بما هو شعور بالخطر على الحياة، يكبّل ويقيّد حريّة التفكير، والأخيرة تقع في أساسات الفلسفة.

"مهمّة الفلسفة أنْ تُعلّمنا كيف نموت" جاك دريد

في مقابلته الأخيرةِ قبل موته، اعتبر جاك دريدا أنّ "مهمّة الفلسفة أنْ تُعلّمنا كيف نموت". وهذا تعبير بليغ عن التصالح الذي يطبع علاقة الفلسفة بالموت كمسألة طبيعيّة إنّما هي جزء من دورة حياة الأحياء، وهو على ذلك ليس سؤالاً جوهرياً قياساً بسؤال المعرفة.

يتّفق رفض أبو الفلسفة سقراط الفرار من زنزانته التي كان ينتظر فيها إعدامه، بعد أن استطاع بعض تلاميذه أن يوفّروا له فرصة للهرب والنجاة، مع الفكرة (التي لا تخلو من تعميم غير ضروري) التي طرحها دريدا عن علاقة الفلسفة بالخوف، بل إنّ رفض سقراط الهروب من الموت، والذي ثقّل السيرة الذاتيّة لأبي الفلسفة وأعطاها مكانة خاصّة ساهمت بخلوده (الذي لا نعرف إن كان يسعى إليه أم لا)، يكاد يكونُ المرجعيّة الأكثر صلابة والدليل الأشد بلاغة على فكرة دريدا؛ فإذا كان الخوف من الموت سيستدعي الهروب، فإنّ الهروب يطعن في أساس الفكر النقدي الذي أسسه سقراط، والذي يستدعي أول ما يستدعي: الشجاعة! لا يتناسب على ذلك قرار الهروب مع سياق حياة أبي الفلسفة الداعي للجرأة والنقد.

**

مورستْ الإخافة وما تزال من قبل كلّ دعاة الشموليّة، سواء كانوا عسكريين أم مدنيين، دينيين أو علمانيين أو ملحدين. والحقيقة أنّ ممارسة الإخافة مصدرها الرغبة في السيطرة على الزمن وتثبيتهِ حيثُ هو، والأمل في حفظ المكان والمكانة، وهروب من النهاية يدفعه ويغذّيه الخوف من الزوال. يحيلنا الأمر إلى نزعة الخلود عند مستخدمي الإخافة، كما يحيلنا إلى أنّ من قرروا مواجهة الموت بشجاعة دفعهم إلى ذلك اقتناعهم بأنّ الموت آت على أيّ حال، والهروب منه ليس إلا تأجيلاً لما لا بدّ منه، وعليه: فإمّا حياة تسرُّ الصديقَ/ وإمّا ممات يغيظ العدا. أو كما عبّر سقراط نفسه عن سبب رفضه للهرب، حسب جون هيرست في كتابه "أوروبا/تاريخٌ وجيز"، إذ نسب لسقراط (الذي لم يترك أثراً مكتوباً قطّ) التساؤل: لماذا التمادي في التمسك بالحياة، إذا لم أكن سأعيش للأبد؟

تحيلُنا حادثة اغتيال الكاتب والناشر والناشط السياسي اللبناني لقمان سليم في شباط/فبراير 2021 إلى الفكرة ذاتها؛ فالرجل الذي درس الفلسفة في جامعة السوربون، وعاد نهايات الثمانينيات إلى لبنان، حاول منذ وصوله المساهمة في أداء دوره كمثقّف مشتبك بالشأن العام، عبر اشتغاله البحثيّ والثقافي والتصاق هذا العمل بحياة الناس على اختلاف طبقاتهم وتوجهاتهم، بما يعنيه ذلك من الدفع إلى شجاعة التفكير وطرح الأسئلةِ انطلاقاً من أحقيّة الإنسان أن يحيا كريماً وحرّاً. وعلى الرّغم من أن السّنوات الثلاثين التي سبقت اغتياله كانت غزيرة الإنتاج وكفيلة بأن تتفتّح عليه الأعين، إلا أنّ اللحظة المفصلية كانت في انتفاضة اللبنانيين على النظام الطائفيّ الذي يقود حياتهم منذ نهاية الحرب الأهلية، ذلك أنّ عملاً كعمل سليم وأفكاراً كأفكاره تصيرُ أشدّ تأثيراً في اللحظة التي يقرّر فيها الناس التخلّي عن خوفهم لصالح قيمةٍ أسمى.

وعلى الرغم من أنّ التهديدات طالته قبل اغتياله بزمن وكتب مهدِّدوه عباراتٍ من قبيل "المجد لكاتم الصوت"، توضح بلا لبس النيّة المبيّتة له في حال استمرار نشاطه، إلا أنّ سهم القدر لم ينفذ إلّا بعد الانتفاضة التي كان لقمان أحد أبرز المحاولين أداء دور فعّال فيها، وأطلق خلالها وسم #صفر_خوف الذي سيصير بعد استشهاده رمزاً يستخدمه المنتفضون وأنصارهم على نحو واسع.

اغتيل لقمان حين حاول تعميم ضرورة مواجهة الخوف بصرف النظر عمّا يمكن أن تسفر عنه هذه المواجهة، وقد كان الراحل واعياً تماماً للمصير الذي يتربّصُ به عقاباً على ما أحدثته لديه الفلسفة من قدرة على التصالح مع الموت، وفق تعبير دريدا آنف الذكر، وردعاً لمن يحاول التفكير وفق الآلية ذاتها.

قبل اغتيال لقمان سليم بقرابة عشر سنوات، وفي يوم الثامن عشر من شهر آذار/مارس عام 2011 انطلقت المظاهرات المناهضة للنظام السوريّ في محافظة درعا جنوب البلاد بهتاف "بعد اليوم ما في خوف" الذي بات في ما بعد أحد أشهر هتافات الثورة السوريّة، وقد تلقّت جموع المُنتفضين ردّاً بالغ الدمويّة من قبل قوات النظام الأمنيّة والعسكرية في كلّ بقعة قرّر سكّانها على هذا النحو من الاندفاع والشجاعة مواجهة الخوف الأزليّ الذي يجثم فوق صدورهم.

مضى على لحظة المواجهة تلك أكثر من عقد، مات خلالها كثير من الناس وهُجّر أكثر، انفرط العقد الاجتماعيّ السوريّ وتناهبت البلاد جيوش شتّى، ظلّ النظام الحاكم المخيف في مكانه يمارس دوره في محاولة "تجميدِ الزمن" عبر إخافة من تبقّى من الناس وقد صاروا رهائن في قبضة الوحش.

ازداد الرعب وآتت الإخافة نتيجتها المرجوّة عبر تعميم الأذى وتشتيت الانتباه عن أسباب الثورة، ومحاولة تجريد الحدث من قيمته السامية التي كانت سبباً في تصالح شرائح واسعة مع الموت. ما زال معظمنا يخاف، فالناس ليسوا فلاسفة بطبيعةِ الحال، وهذا النصّ ليس عن الثورة السوريّة، وهو أقرب لأن يكون عن ديكِ الحبش الضخم الذي يتربّص بي عند كلّ مرتفع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard