شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"أوفّر حاجات أسرتي وأبيع الفائض"... مزارعات أردنيات في مواجهة غلاء الأسعار

"أوفّر حاجات أسرتي وأبيع الفائض"... مزارعات أردنيات في مواجهة غلاء الأسعار

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الاثنين 6 يونيو 202203:10 م

"ورثت المهنة من والدي، وأنا الآن أعمل برفقة زوجي في مزرعتنا الخاصة لتوفير حاجات المنزل، وبيع ما يفيض عن حاجتنا"، عبارة تقولها مادلين خزاعلة ذات الثلاثة والثلاثين عاماً، بكل سعادة، إذ استطاعت أن تجد لنفسها ولأسرتها دخلاً إضافياً حقق لهم الاستقرار في قرية سحم الكفارات في محافظة إربد شمال الأردن.

وتقول الخزاعلة لرصيف22، إنها لم تعد تتأثر كثيراً بغلاء الأسعار، إذ إن وجبة الطعام لا تكلفها المبالغ نفسها التي تكلّف بقية الأسر، "فمزرعتنا والمزارع التي نستأجرها تنتج لنا أغلب حاجتنا من المواد التموينية، من ثم استطعنا استغلال الفائض ليشكل لنا مصدر دخل إضافياً عند بيعه عن طريق مجموعات خاصة بالقرية على فيسبوك".

لم أعد أتأثر كثيراً بغلاء الأسعار.

المرأة الأردنية منذ عقود طويلة هي شريكة في إدارة المنزل ومصادر دخله، سواء أكانت متعلمةً أم لا، وتساهم بشكل كبير في تحقيق الأمن الغذائي والصحي والتربوي، ومن هنا وُلدت قصص نجاح زراعي في محافظة إربد لسيدات مكافحات خرجن بأفكار أوجدت حلولاً ملموسةً، وأصبحن رائدات في هذه المحافظة الزراعية بامتياز، والتي تتوارث الأجيال فيها الزراعة عقداً بعد آخر.

الكفاح مهد النجاح

تصف أم عثمان الشريدة، من لواء الكورة، نفسها قائلةً: "أنا سيدة مثل كل السيدات المكافحات اللواتي اعتمدن على أنفسهن ولم ينتظرن حتى مساعدة أحد أو الاعتماد على صندوق المعونة الوطنية"، وهي من مجتمع ريفي وتزوجت بعمر الثامنة عشر من رجل من ذوي الإعاقة السمعية، وكان يعمل حينها في مزرعة في الأغوار الشمالية، إلا أن صعوبة المواصلات أجبرته على ترك العمل.

حوّلت أم عثمان الظروف المعيشية الصعبة في منزلها الزوجي إلى قصة نجاح تفخر بها، إذ استطاعت أن تغير حال منزلها الصغير إلى منزل يتسع لأبنائها الأربعة الذين كانوا يساعدونها في العمل بعد المدرسة، حتى توظف وتزوج الشابين وتوصل الفتاتين إلى المرحلة الجامعية.

أم عثمان

بدأت أم عثمان باستئجار الأراضي في قريتها "أبو القين"، فتزرع وتعتني وتحصد وتحصل على ثلث الإنتاج لتغطي حاجة منزلها من المواد التموينية الغذائية، وساندت زوجها في الحصول على وظيفة في بلدية المنطقة مقابل أجر شهري يقارب 80 دولاراً.

الشريدة لم تتوقف عند هذا، بل حصلت على بقرة من وزارة التنمية الاجتماعية، مما رفع الدخل الشهري للعائلة، ومن القروض على راتب زوجها بنت منزلاً بمساحة 160 متراً، وحصلت على رخصة قيادة مركبات لتشتري سيارةً تعينها على العمل.

تُعدّ هذه القصص كلها نماذج تمثل نجاحات زراعيةً لكثير من السيدات في محافظة إربد، امتهنّ المجال وطورن أنفسهن ويمتلكن طاقات فريدةً من نوعها، ولا تكل إحداهن حتى تحقق أمنها المادي والغذائي

ويعتمد البيت الأردني على مواد غذائية متنوعة لا بد من توفرها لتحضير وجبات الطعام التقليدية والمتوارثة، التي تدخل فيها الخضروات بشكل رئيسي برفقة الزيوت واللحوم. ومع موجات غلاء الأسعار المتكررة في الأردن، مثل التي طرأت قبل أشهر، ازدادت حاجة الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض إلى مصدر دخل إضافي يحقق التوزان بأي شكل من الأشكال.

من الزراعة للريادة

تقول الناشطة المجتمعية ختام الفايز، في لقاء مع رصيف22: "الزراعة تعني لي الحياة، وأنا أحبها وأحب الاهتمام بحديقتي المنزلية التي وفرت لي اكتفاءً بالزعتر والميرمية والنعناع"، والفايز امرأة أربعينية وهي أم لابنتين، واستطاعت هي وزوجها، المتقاعد من العسكرية، أن يوفرا لهما حياةً كريمةً حتى أنهيتا المرحلة الجامعية بتميز.

وتروي الفايز وهي في الأربعين من عمرها، عن مرحلة البدء قبل خمسة أعوام كيف تم استغلال مزرعتهم الخاصة بزراعة اللوز والكرز والعنب والخوخ والحمضيات والإجاص والحبوب، التي كانت تحصدها برفقة زوجها وتعيد تصنيعها كمنتجات غذائية مطلوبة محلياً، بالإضافة إلى مزرعة ثانية في قرية "بيت رأس"، وتحتوي على 11 نوعاً من الفاكهة.

شعرت الفايز بأن السيدات في قريتها الباقورة لديهن الرغبة في تعلم الزراعة والتصنيع الغذائي، والأهم توفير دخل خاص لهن في ظل الأزمات المالية، فأسست جمعية "زخات الخير الخيرية" عام 2018، في إربد، وتعاونت مع مديرية زراعة المحافظة لعقد دورات لتعليم المهنة للسيدات والأسر العفيفة وتدريبهم لما فيها من عوائد مناسبة لسد الحاجة وكذلك الحصول على حرفة لا غنى عنها.

والفايز اليوم هي واحدة من أهم السيدات الرائدات في العمل التطوعي والمشاريع الإنتاجية في جميع مناطق محافظة إربد، وحققت تعاوناً مع أصحاب المزارع والبيوت البلاستيكية، أثمر في إشراك المتدربين في الإنتاج الزراعي والغذائي مقابل أجور يومية مناسبة.

وتميز مشروع الفايز بالبازارات الغذائية التي تشارك فيها ضمن مهرجانات محلية كبرى، وفي مختلف المحافظات، لما لمنتجاتها من شعبية وثقة عالية بجودتها وسلامتها، كما تعاونت الجمعية مع الوزارات والمؤسسات الرسمية والمنظمات وناشطي المحافظة، لدعم مشاريع شبابية وتنفيذها ومبادرات تنموية عدة.

أما الثلاثينية سوزان عبابنة، فتقول إنها بعد أن احترفت الزراعة بتدريب من زوجها وعائلته، دفعها الشغف لتعلم تصنيع "الكمبوست"، وهو السماد الطبيعي الذي يحضَّر من المواد العضوية، من خلال دورة مكثفة التحقت بها مع جمعية "كفرسوم التعاونية لمنتجي الرمان"، فصنعت السماد البلدي الصناعي من قشور الرمان والفواكه والخضار التالفة والأعشاب وأوراق الشجر المتساقطة.

وبالرغم من أن رأس مال مشروعها المنزلي متواضع إلا أنه حقق لها دخلاً إضافياً، وتأثرت بلا شك بالجائحة العالمية كوفيد19، إلا أنها استعادت عزيمتها وعادت إلى حرفتها باستغلال الأعشاب الجافة وقشور الرمان وهي الفاكهة التي تتميز بها بلدتها كفرسوم، كي تصنع السماد وتبيعه.

أنا سيدة مثل كل السيدات المكافحات اللواتي اعتمدن على أنفسهن ولم ينتظرن مساعدة أحد.

التصنيع الغذائي ميزة سيدات إربد

وفي قصة مميزة أخرى، حققت مجموعة من نساء بلدة كفرسوم والقرى المجاورة نجاحاً في الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي بشكل جماعي ومنفرد، إذ تتميز سيدات هذه المنطقة بحب الزراعة والعمل فيها، ولديهن منتجات غذائية لا يمكن توافرها في منطقة أخرى بالجودة ذاتها، فسُجلت لهن علامة تجارية خاصة بمنتجات الرمان.

وتقول السيدة فاطمة عبيدات، إحدى عضوات جمعية "سيدات البيت الريفي"، التي جمعت أربعين سيدةً مشتركات في المهنة نفسها، إن هذه الرابطة أثمرت بتبادل الخبرات والمواهب والأفكار، مما دفعهن إلى استثمار الطاقات والإنتاج لتحسين الوضع المادي الخاص بكل سيدة، ولتكبير رأس المال لتطوير العملية الإنتاجية.

اكتسبت كل سيدة الخبرة في العمل من خلال المزارع الخاصة بهن وبأسرهن، ومن خلال توارث العملية الإنتاجية لدبس الرمان والعصائر والمخللات والأطعمة الشعبية المحبوبة في المجتمع، حسب عبيدات.

وتشير المتحدثة لرصيف22، إلى النقلة النوعية والتطوير الحاصل في الجمعية بعد أن ازدادت وتيرة الدورات التدريبية المقدمة من مديرية زراعة محافظة إربد، وبدأت بالمدرسة الحقلية التي تعلمت منها السيدات طرقاً جديدةً في استغلال ثمار الرمان بطريقة تنتج أكثر من 12 مادةً غذائيةً منه، بدلاً من 4 مواد فقط، ثم كيفية التسويق وتطوير المشاريع وتحسين جودة الإنتاج.

وتروي أنها وسيدات الجمعية أصبحن مدربات محترفات في التصنيع الغذائي بعد حصولهن على سلسلة تدريبات مكثفة، ساهمن من خلالها في تدريب الشابات والسيدات في المنطقة، وكذلك السوريات الوافدات لتحسين أوضاعهن المعيشية وتوفير مصدر دخل لهن.

وعلى الصعيد الشخصي، تروي عبيدات قصص نجاح سيدات الجمعية في مشاريعهن الزراعية خارج إطار الجمعية، فأصبحت المزارع في القرية تنتج بشكل أفضل، والبيوت البلاستيكية تنتشر والإنتاج الغذائي أصبح علامةً تجاريةً تُسجَّل للسيدات.

تروي ختام عن مرحلة البدء قبل خمسة أعوام كيف تم استغلال مزرعتهم الخاصة بزراعة اللوز والكرز والعنب والخوخ والحمضيات والإجاص والحبوب، التي كانت تحصدها برفقة زوجها وتعيد تصنيعها كمنتجات غذائية مطلوبة محلياً

وعن مشروعها الخاص، فقد نجحت في مشروع "دبسك" الذي استوحت فكرته من مزرعة الرمان الخاصة بأسرتها، فأنتجت دبس الرمان والخل والعصائر والصابون والمربى بطريقة تخلو من الكيميائيات والمواد الحافظة، وهذا ما جعل منتجات مشروعها مرغوبةً من قبل الزبائن.

إجراءات بنّاءة

وفي هذا الصدد، يصرح مدير زراعة محافظة إربد عبد الحافظ أبو عرابي، لرصيف22، بأن المديرية تسعى من خلال نشاطاتها المختلفة إلى تشجيع السيدات على الإنتاج الزراعي وإقامة المشاريع الزراعية الصغيرة والتي تشكل مصدر دخل للأسرة، مع الإيمان بدور المرأة الريفية في تعزيز الأمن الغذائي ورفد السوق المحلي بالمنتجات.

ولتحقيق ذلك، تعقد المديرية بشكل دوري دورات تدريبيةً للسيدات في مختلف المجالات وخاصةً في ما يتعلق بالتصنيع الغذائي، وزراعة الحديقة المنزلية، وتسعى إلى فتح منافذ تسويقيةً لمنتجاتهن من خلال المعارض والبازارات والمهرجانات الزراعية، بالإضافة إلى إطلاق مبادرات تدعو المواطنين بشكل عام للرجوع إلى زراعة أرضهم، لمواجهة الأزمة الغذائية العالمية الحالية. "درّبنا خلال الأعوام الأربعة السابقة أكثر من 1،500 سيدة ورجل"، يضيف شارحاً.

تُعدّ هذه القصص كلها نماذج تمثل نجاحات زراعيةً لكثير من السيدات في محافظة إربد، امتهنّ المجال وطورن أنفسهن ويمتلكن طاقات فريدةً من نوعها، ولا تكل إحداهن حتى تحقق أمنها المادي والغذائي، ملقياتٍ خلفهن أزمات ماليةً تتزايد في الأردن مع مرور السنوات.

أفراداً، يمكننا تحسين الكثير مما يدور حولنا اليوم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard