عبد الإله بنكيران... عودة الإسلامي المدافع عن السلطوية

الثلاثاء 24 مايو 202203:43 م

هاجم رئيس الحكومة المغربية الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، عبد الإله بنكيران، على امتداد السنوات الأخيرة، المطالبين بالملكية البرلمانية، عادّا أنّ من "حق الملك أن يسود ويحكم"، وأنّ على الجميع "الامتثال لسلطته الدينية كونه أميراً للمؤمنين".

بالنسبة إلى بنكيران، فإنّ الملكية البرلمانية تشكّل خطراً على المغرب، نظراً إلى كونها تمنح كلّ السلطات التنفيذية لشخص آخر غير الملك الذي يجب أن يكون -في نظره- "المرجع الثاني بعد الله"، في تأييدٍ واضحٍ للحكم الثيوقراطي المناهض للنظام الديمقراطي.

يدافع بنكيران عن كون أغلب الصلاحيات الدستورية المتعلقة بإدارة البلاد بيد القصر الملكي الذي يعمل على توجيه رئيس الحكومة في إطار "التفويض والتوافق"، وفق كلام بنكيران الذي هو نفسه كان ضحيةً لأطراف سياسية مقرّبة من القصر، والتي عملت على "إفشال" تشكيل حكومته الثانية في أثناء ما عُرف إعلامياً بـ"البلوكاج الحكومي"، ما أدّى إلى إعفاء الملك لبنكيران من رئاسة الحكومة على الرغم من تصدره نتائج الانتخابات التشريعية التي نُظّمت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2016.

يدافع عبد الإله بنكيران عن تركز الصلاحيات الدستورية الخاصة بإدارة البلاد بين يدي القصر الملكي الذي يعمل على توجيه رئيس الحكومة في إطار "التفويض والتوافق"

ولطالما تفاخر بنكيران، بالوقوف ضد حركة 20 شباط/ فبراير، النسخة المغربية من الربيع العربي، إذ قال خلال لقاء  نُظّم يوم 22 أيار/ مايو بمناسبة المؤتمر الجهوي لحزب العدالة والتنمية في جهة طنجة تطوان الحسيمة (شمال المغرب)، إنّه فخورٌ بـ"الوقوف ضد حركة 20 شباط/ فبراير التي كانت تشكّل خطراً على مشروعية النظام السياسي القائم منذ 12 قرناً"، عادّاً أنّه "لا يمكن المغامرة بالنظام باتّباع شباب صغار في السن".

تبرير فضيحة "بيغاسوس" والإشادة بأجهزة الأمن

انتقد عبد الإله بنكيران، في 24 تمّوز/ يوليو 2021، الصحف والمنظمات الدولية التي كشفت عن استهداف السلطات المغربية لهواتف ناشطين حقوقيين وصحافيين وشخصيات سياسية وطنية ودولية، باستخدام برنامج "بيغاسوس" الذي تُنتجه مجموعة (NSO) الإسرائيلية المتخصصة في الاستعلام الإلكتروني.

وجد بنكيران مسوّغات متعددةً لتبرير "فضيحة" التجسّس -التي أخذت بعداً عالمياً، خصوصاً بعد أن نشرت وسائل إعلام أوروبية وأمريكية أن السلطات المغربية قد تكون تجسست على هواتف شخصيات سياسية ومدنية

أشاد بنكيران بالأجهزة الأمنية المغربية، التي تلقت انتقادات واسعةً من لدن منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والشبكات الاجتماعية وصحف دولية كـ"الواشنطن بوست" و"لوموند" و"الأنترسبت"، عقب ضلوعها في "فضيحة" بيغاسوس، وفق التحقيق الذي نشره ائتلاف "فوربيدن ستوريز" (Forbidden Stories)، الذي يضمّ سبع عشرة مؤسسةً صحافيةً دوليةً، بالاشتراك مع منظمة العفو الدولية ومختبرها المتخصص في الأمن الإلكتروني في برلين.


وجد بنكيران مسوّغات متعددةً لتبرير "فضيحة" التجسّس -التي أخذت بعداً عالمياً، خصوصاً بعد أن نشرت وسائل إعلام أوروبية وأمريكية أن السلطات المغربية قد تكون اخترقت هاتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والدبلوماسي الأمريكي الذي يدافع عن الحق الفلسطيني روبرت مالي- بالقول إنّ المخابرات المغربية لا يمكنها أن "تظلّ نائمةً، حتى تقع المصائب"، وإنّ رئيسها (المخابرات)، رجل متديّن ونزيه، ويتمتّع بثقة الملك محمّد السادس الذي يدافع عنه دائماً، وفق كلام بنكيران، الذي اعترف بأنّه لا يمتلك الشجاعة دائماً لنصرة المظلومين، وذلك في كلمة مطوّلة بثّها على حسابه في موقع فيسبوك، وهي الكلمة التي أثارت انتقادات بين صفوف مسانديه ولغطاً كبيراً لدى معارضيه لم ينتهِ حتى الساعة.

دعم التطبيع

في كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، وقّع المغرب اتفاقاً مع إسرائيل يقضي بإقامة علاقات ديبلوماسية كاملة بين المغرب وبينها. حضر في منصة التوقيع المُقامة في مقرّ القصر الملكي في الرباط كلّ من جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب ومستشاره، ومائير بن شبات، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي المتورّط في جرائم حرب غزة -وفق تقرير منظمة "العفو الدولية" الصادر في تمّوز/ يوليو 2009- إلى جانب سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية آنذاك.

أثار حضور العثماني في هذا اللقاء جدلاً واسعاً على مستوى أعضاء حزب العدالة والتنمية وقاعدته، والذي كان مهدداً بالانقسام، الأمر الذي دفع بنكيران إلى الخروج في بث مباشر على صفحته في موقع فيسبوك في 23 كانون الأوّل/ ديسمبر، بهدف حثّ أعضاء حزبه على عدم مهاجمة العثماني ومطالبته بالاستقالة، عادّاً أنّ أعضاء الحزب ليس من حقهم الاحتجاج على قرار التطبيع الصادر عن الملك، إذ قال: "شعار المغاربة هو: الله، الوطن، الملك. أيُّ كلام عن التطبيع قد يؤوَّل ضد الدولة. نحن في معركة خارجية، ويجب أن ندعم الدولة ولا نتركها وحدها".

أضاف بنكيران: "يجب ألا ننسى مواقف جلالة الملك المشرفة من حزبنا الذي كان يطالب البعض بحلّه"، قبل أن ينهي كلامه بالقول: "موقفنا يتمثل في مساندة جلالة الملك. الملكية أولوية بالنسبة إلينا. توقفوا عن انتقاد قرار التطبيع!". لكنّ بنكيران نفسه صرّح في الفاتح من أيار/ مايو الجاري، بأنّ "التطبيع كان خطأً"، في تناقض صريح وواضح مع مواقفه السابقة.

 

تناقضات بنكيران

لم يكن بنكيران مهادناً للسلطة وأجهزتها الأمنية على امتداد مسيرته السياسية، إذ عند ترؤسه الحكومة مثلاً وحتى إعفائه غير الدستوري من منصبه في آذار/ مارس 2017، تلقّى الزعيم الإسلامي هجمات عدة لا يمكن حصرها من لدن الاتجاه الأمني ودوائر المخابرات المسيّسة. ويُقصد بالاتجاه الأمني ذلك التيّار الذي يحرّكه في الخفاء ضباط النظام ورجالاته غير العموميين، ويُنشّطه بعض المحامين والصحافيين العاملين في صحف ومواقع التشهير وبعض السياسيين المنحدرين من أحزاب مختلفة، أبرزها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أو بعض قدماء السلفية الجهادية، الذين يوظفون الخطاب الديني لخدمة النظام السياسي.

كان بنكيران عند رئاسته الحكومة، ينتقد أحياناً، وبشكل مباشر أو غير مباشر، بعض قرارات القصر الملكي، مثل قوله في شباط/ فبراير من عام 2017، إنّه "لا يمكن أن يفرّج ملكنا عن كربات بعض الشعوب الإفريقية، ونهين الشعب المغربي إذا لم نحترم إرادته الحقيقية"، في إشارة إلى عرقلة الأطراف السياسية المقرّبة من القصر -التي تمارس التَحكّم بتعبير بنكيران- تشكيل الأغلبية الحكومية، إذ سيقوم الملك في الأخير بإعفائه من تشكيل الحكومة ليعيّن مكانه سعد الدين العثماني الأكثر ولاءً لما يُسمى بـ"المخزن".

تتناقض المواقف التي عبّر عنها بنكيران، وتتغيّر حسب الوضع السياسي الراهن وحسب ميزان القوى، وربما حسب مصلحته السياسية الآنية

سبق لبنكيران أن صرّح بأنه ليس مطلوباً منه "إرضاء جلالة الملك"، وهو الأمر الذي استدعى حفيظة الاتجاه الأمني، إذ كُتبت مئات المقالات التشهيرية به وبالحزب الذي ينتمي إليه، وفتحت عشرات المتابعات القضائية التي طالت بعض أعضاء حزبه، وأبرزهم عبد العالي حامي الدين، الذي سبق أن عدّ أن "الملكية بصيغتها الحالية معيقة للتنمية".

تتناقض إذاً المواقف التي عبّر عنها بنكيران، وتتغيّر حسب الوضع السياسي الراهن وحسب ميزان القوى، وربما حسب مصلحته السياسية الآنية، وإلّا كيف نفسّر رفضه لمفهوم الملكية البرلمانية في بداية عام 2019، وذلك في ظلّ سياق سلطوي موسوم بازدياد القوة السياسية للأمن الذي أصبح يلعب أدواراً رئيسيةً في النسق السياسي المغربي. في حين أن موقفه هذا يناقض مواقفه السابقة التي تدعو إلى تعديل النص الدستوري لتحديد مسؤوليات رئيس الحكومة، أيّ تقوية صلاحياته، كما صرّح في آب/ أغسطس 2017!

أصبح بنكيران خلال الأعوام الأخيرة بمثابة "رجل الإطفاء" الذي يسارع إلى إخماد حَرّ كلّ ما يمكن أن يمسّ بمصداقية السلطة ويؤثّر في شعبيتها التي أصبحت على المحك. فعند كلّ أزمة/ فضيحة سياسية، يخرج بنكيران إلى العلن ليدافع عن الحُكم، مستعملاً مسوّغات وذرائع تدنو إلى فتاوى الآداب السلطانية وأساليبها، بهدف تبرير بعض القرارات الرسمية الصعبة، متناسياً معاناة بعض مناضلي حزبه، والصحافيين المتابعين، والناشطين الذين ضاقوا ذرعاً بالمراقبة اللصيقة والاعتقالات والتجسس على حياتهم الخاصة والتشهير بهم وتلفيق التهم ضدهم. فهو يتبنّى نهجاً محافظاً يناسب طموحه السياسي المتمثّل في الاقتراب الدائم من مركز القرار، ما يجعله يسلك طريق نُصح السلطة، عوض معارضتها والوقوف أمام عجرفتها، بالطرق السلمية والمدنية المتعارفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard