هنية في المغرب... هل يحاول حزب العدالة والتنمية التنصل من التطبيع؟

الخميس 17 يونيو 202103:34 م

استقبال رئيس الحكومة المغربي والأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني، مساء الأربعاء 16 حزيران/ يونيو 2021، لوفد من حركة حماس يترأسه إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي، برفقة قيادات وأعضاء الحركة، حدث يطرح تساؤلات عديدة عن الدوافع المحركة لهذه الزيارة المتزامنة مع سياق مهم في كل من المغرب وفلسطين.

غض البصر عن "التطبيع"

زيارة هنية إلى المغرب جاءت بعد يوم واحد من إرسال الملك المغربي محمد السادس برقية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت، يهنئه فيها بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وبعد ستة أشهر من الإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين المغرب وإسرائيل. لكن وفد حماس لم يتطرق إلى الموضوع، بل أكد إسماعيل هنية، بحسب موقع حزب العدالة والتنمية، أن الزيارة "تأتي في ظل رعاية ملكية، واحتضان الشعب المغربي الأصيل، الذي ننظر إليه بمكوناته كلها على أنه عمق إستراتيجي لقضيتنا، وأقصانا".

هذه الزيارة التي جاءت بناء على دعوة من حزب العدالة والتنمية إلى حركة حماس، يصفها الرئيس العثماني بأنها "تجسيد للموقف المغربي الثابت، ملكاً وحكومة وشعباً، في دعم الشعب الفلسطيني"، كما أضاف أن "المغرب يعدّ القضية الفلسطينية قضيته"، وهو ما يمكن "لمسه في المسيرات المليونية التي يعبّر من خلالها المغاربة عن تضامنهم الكبير مع القضية الفلسطينية". لكن خطاب العدالة والتنمية يطرح تساؤلات عدة حول موقف الحزب الإسلامي الضبابي من توقيع رئيسه على اتفاقية "التطبيع"، ثم مطالبته بقطع العلاقات مجدداً مع إسرائيل. موقف يربطه البعض بالتحضير للانتخابات التشريعية القريبة في المغرب، والتي يبدو وضع العدالة والتنمية ضعيفاً فيها، بعد أن تخلى عن أحد ثوابته، أي رفض التطبيع مع إسرائيل.

زيارة إسماعيل هنية إلى المغرب بدعوة من حزب العدالة والتنمية الإسلامي تطرح العديد من الأسئلة. الحزب وقع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل ويقول إنه مع خيار "المقاومة". فهل هو مجرد حشد لدعم داخلي؟

وعبّر العثماني في كلمته خلال استقبال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" إسماعيل هنية، والوفد المرافق له، عن اعتزاز حزب العدالة والتنمية بالعلاقات التي تربطه بمختلف مكونات الشعب الفلسطيني، موضحاً أنها علاقات أخوة، وتعاون، وصداقة. وأضاف العثماني، مخاطباً حماس، أنهم ينوبون عن المغاربة في الدفاع عن القدس، وعن المسجد الأقصى.

في هذا الصدد يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس في الرباط محمد أشلواح لرصيف22: "إن توظيف العدالة والتنمية لهذه الزيارة، وتعامله الأخير مع القضية الفلسطينية، يغلب عليه منهج الازدواجية. فهو من جهة يمضي قدماً في مسار تقوية العلاقة مع إسرائيل من خلال توقيعه لاتفاقيات التعاون المتبادل، وحضور أعضاء الحكومة التي يقودها في محافل تجمعه مع إسرائيل، ومن جهة ثانية يقوم بترويج خطاب التضامن مع المقاومة، وباستقبال حركة حماس في المغرب، من أجل استمالة عواطف المغاربة المتضامنين مع القضية الفلسطينية".


استقبل هنية بالتمر والحليب وفق التقاليد المغربية من طرف حزب العدالة والتنمية  (المصدر: موقع الحزب)

أما عن أسباب انتهاج حزب العدالة والتنمية لمنهجه في ازدواجية الخطاب الذي يوظفه تجاه القضية الفلسطينية، فيعزوها الدكتور أشلواح "إلى اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، المتسمة بتنافس شديد بين مجموعة من الأحزاب على رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة"، ثم يضيف أشلواح قائلاً إن حزب العدالة والتنمية "خسر الكثير من شعبيته جراء خطوته نحو تقوية العلاقة مع إسرائيل، بحكم أنه كان يروّج لخطاب المقاومة بين أتباعه. ومن خلال هذه الزيارة التي يقوم بها قادة حماس إلى المغرب، يحاول العدالة والتنمية إعادة حشد الأصوات لصالحه، قبل دخوله الاستحقاقات الانتخابية".

عملية تجميل... واستغراب إسرائيلي

كما يضيفُ أشلواح في خصوص دعوة العدالة والتنمية هنية إلى المغرب، التي أكد الحزب أنها بُرمجت قبل مدة طويلة من أحداث حي الشيخ جرّاح، التي تلتها مواجهة مفتوحة بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة، أنه " يمكن عدّها كمجرد خطوة تندرج ضمن إجراءات أخرى قام بها الحزب من أجل إصلاح صورته أمام أتباعه، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وكان أحدها موقفه من أحداث حي الشيخ جرّاح".

فبفعل التطورات الأخيرة، والتزام كل من حماس وإسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار، نشر موقع العدالة والتنمية تهنئة باسم أمينه العام سعد الدين العثماني لإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بعد أن وصف ما قامت به حماس بأنه "انتصار حققه الشعب الفلسطيني، ومقاومته الشامخة عقب اتفاق الهدنة بين فصائل المقاومة الفلسطينية، والكيان الصهيوني"، وهو هنا يصفُ إسرائيل بـ "الكيان الصهيوني"، فيما تسميها حكومته "إسرائيل".

تناقض إسلاميي المغرب: يصفون إسرائيل باسمها في الحكومة وبـ"الكيان الصهيوني" في الرسائل إلى حماس. هنية في ضيافة حزب العدالة والتنمية الإسلامي 

وجاء في رسالة العثماني: "هي مناسبة لأجدد لكم موقفنا المبدئي الراسخ والثابت في دعم القضية الفلسطينية، وأننا سنظل دائماً في طليعة المدافعين عن القضية، وداعمين ومساندين للشعب الفلسطيني في سعيه لتحرير أرضه، وإقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف".

كما نشر سعد الدين العثماني على حسابه على تويتر تغريدةً تفيد عن تنظيم حزبه، من خلال لجنته لدعم فلسطين، مهرجاناً خطابياً تحت عنوان "فلسطين الصمود... فلسطين الانتصار"، والذي شارك فيه كل من خالد مشعل رئيس إقليم الخارج في حركة حماس، والمطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية من بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس.

ومن هنا يمكن ملاحظة أن الجهة التي يحرص حزب العدالة والتنمية على التواصل معها بعد أحداث حي الشيخ جرّاح، هي حركة حماس، وهي حركة تتشارك مع العدالة والتنمية في ما يُسميانه بـ"المرجعية الإسلامية"، وهي المرجعية التي يحرص أتباع حزب العدالة والتنمية على التشبث بها، خاصةً في ظل الشروخ الداخلية التي يعرفها الحزب "المصباح".

تصريحات العدالة والتنمية دفعت رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي في 25 مايو إلى الاستغراب من موقفه في تغريدة على تويتر حذفها فيما بعد. وقال دافيد غوفرين: "لقد أذهلتني تصريحات رئيس الحكومة المغربية السيد العثماني الذي أيّد وأثنى على تنظيمي حماس والجهاد الإسلامي الإرهابيين". ووصف غوفرين حماس والجهاد الإسلامي بـ "المنظمات الإرهابية المدعومة من إيران" التي يقطع المغرب علاقاته بها، ويتهمها بأنها تساند جبهة بوليساريو بالسلاح والتدريب.

من جهته قال حزب العدالة والتنمية المغربي، قائد الائتلاف الحكومي، من خلال نائب أمينه العام سليمان العمراني، إن "القضية الفلسطينية قضية وطنية للمملكة"، مشيراً إلى أن القائم بأعمال مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط ديفيد غوفرين، "أدخل أنفه في ما لا يعنيه، وسعدنا بالإجماع المغربي الرافض لرعونته الدبلوماسية". جاء ذلك في لقاء صحافي نظّمه حزب العدالة والتنمية حول "العرض السياسي للمرحلة والمبادرة السياسية والحقوقية"، وهو ما جسّد أول رد رسمي على انتقادات غوفرين لرئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني.

لماذا هذه الازدواجية في الخطاب؟

جذور الأزمة التي يسعى العدالة والتنمية إلى تصحيحها من خلال زيارة رئيس المكتب السياسي لحماس، والمسبوقة بتصريحات الحزب جراء أحداث حي الشيخ جرّاح، تعود إلى أشهر قليلة قبل إعلان تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل. إذ استبعد حينها رئيس الحكومة العثماني حدوث التطبيع بشكل قطعي، وأشار إلى أن موقفه من التطبيع هو الرفض التام كتعبير عن إرادة الشعب المغربي الرافض له، مؤكداً أن هذا يجسّد قناعة المغرب الراسخة بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة.

إلا أن حزب "المصباح" سرعان ما باشر، عبر أمينه العام، بتغيير لغته تجاه ما كان يسميه بـ"الكيان الصهيوني"، والذي تحول إلى "إسرائيل"، بعد التوقيع على اتفاقيات التطبيع بينهما؛ إذ بدأ بعض وزراء حكومة العدالة والتنمية بإصدار تصريحات داعمة للتطبيع، كإعلان وزير الطاقة والمعادن والقيادي في حزب العدالة والتنمية عزيز رباح، عن عزمه على زيارة إسرائيل إذا فرضت مسؤوليته الوزارية والتمثيلية للدولة ذلك.

وهنا ترى الباحثة الزائرة في معهد بروكلن (الدوحة) ياسمين أبو الزهور "أن الحكومة المغربية تراهن على المشاعر القومية القوية للمواطنين في شأن الصحراء المغربية، على حساب دعمه للفلسطينيين"، وأضافت أن "خيبة الأمل الشعبية لم تثِر الخلاف على الفور، إلا أنها قد تغيّر العلاقات بين الدولة والمجتمع على المدى الطويل".

من جهته، يرى الأستاذ الجامعي في جامعة طنجة، وهو من مؤسسي العدالة والتنمية وقد استقال منه سابقاً، أمحمد جبرون، في تصريحه لرصيف22 أن "موقف حزب العدالة والتنمية من القضية الفلسطينية يجب أن يُقرأ في ضوء مجموعة من العوامل: أولاً حزب العدالة والتنمية لا يزال ثابتاً على موقفه من القضية الفلسطينية، والبيانات الصادرة عن الحزب ووثائقه كلها تؤكد على هذا الأمر. ثانياً إن السياسة الخارجية هي مجال محفوظ للملك، ولا تتأثر بأهواء ومواقف الأحزاب. ثالثاً إن المواقف السياسية، وموقف حزب العدالة والتنمية من القضية الفلسطينية، هي نتيجة تسوية بين المبدأ والظرف. فالتنازل عادة ما يُنظر إليه كنتيجة لعدم القدرة على تحمل الضغوط والإكراهات. وإقدام الدولة المغربية على اتخاذ قرار التطبيع لأسباب إستراتيجية، ولاعتبارات وطنية معقولة، يجب أن يُقرأ في ضوء هذه العوامل".

يبدو احتفال حزب العدالة والتنمية بـ"انتصار" حماس واستقبال إسماعيل هنية، كأنه عملية تجميل بعد قبولها بالتطبيع المغربي مع إسرائيل

وأضاف جبرون: "من جهة أخرى، فإن خطوة التطبيع التي أقدمت عليها الدولة المغربية، ومعها الحكومة، لا تعني أبداً الموافقة على السياسة الإسرائيلية في القدس تجاه الفلسطينيين، وقد عبّر الملك عن هذا الأمر بوضوح عندما وقّع العثماني على الاتفاق الثلاثي، وأيضاً ظهر في الأزمة الأخيرة من خلال المساعدات التي قدّمها المغرب للفلسطينيين، وكذلك من خلال مواقف رئيس الحكومة المغربية التي عبّر عنها بصفتيه الحزبية والحكومية".

ويخلص جبرون إلى أن "المغاربة، والفلسطينيين، يجب عليهم قبل غيرهم تفهم موقف المملكة، بما فيه موقف حزب العدالة والتنمية. فمواقف المغاربة تجاه الفلسطينيين ثابتة وواضحة، ولا تقبل المزايدة، ويجبُ تفهم ضرورات الدولة".

وفي سياق متصل، قال عضو حركة التوحيد والإصلاح (الجناح الدعوي للعدالة والتنمية) سليمان صدقي لرصيف22: "إن المغرب، عبر وزارة الخارجية، أدان العدوان، والملك محمد السادس أرسل مساعدات إنسانية عاجلة إلى قطاع غزة، والقدس، إبان العدوان، وهي رسالة سياسية واضحة. أما رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني فوصف العدوان الصهيوني في تصريح قوي بـ"جريمة حرب"، وأجرى اتصالاً هاتفيا مع رئيس حركة حماس إسماعيل هنية، وشارك في تأطير عدد من المهرجانات الداعمة للفلسطينيين، وهذا أمر يدلّ عل ثبات الموقف المغربي".


هنية مع قياديين من العدالة والتنمية (المصدر: موقع الحزب)

وفي قراءته لمشهد التوقيع على الاتفاق الثلاثي (التطبيع)، يضيف صدقي أن "سعد الدين العثماني وقع بصفته الرسمية، كونه ثاني مسؤول في هرم الدولة، ولا يمكن له في أي حال من الأحوال أن يخالف التراتبية السياسية المنصوص عليها دستورياً، وفي قضية إستراتيجية تتعلق بالأمن القومي للمغرب، وفي مجال محفوظ لرئيس الدولة، والدولة لها استحقاقات وحسابات دقيقة في ملف الصحراء المغربية في هذه المرحلة بالذات".

التمييز بين رئيس الحكومة وصفته الحزبية، قد يُفهم منه أنه تسويغ لمشروعية ازدواجية الخطاب الذي يمارسه، سواء كرجل دولة أو كقيادي حزبي يسعى إلى حشد الأصوات من خلال خطاب سياسي لا علاقة له بالواقع، والذي يمكن أن يشمل تعامله مع القضية الفلسطينية بدورها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard